• مقالات من اعلام الاجنبيه

 لماذا هذا “النهم” السعودي المفاجيء لانفاق عشرات المليارات من الدولارات على شراء صفقات اسلحة وذخائر امريكية وتركية؟ هل هي الرغبة بحسم الحرب في اليمن قبل نهاية العام بضوء اخضر “ترامبي” ام استعدادا لحرب قادمة مع ايران؟
عبد الباري عطوان
بعد ايام معدودة من التصريحات التي ادلى بها الرئيس الامريكي دونالد ترامب الى وكالة انباء “رويترز″ العالمية، وقال فيها ان بلاده تتكبد خسائر كبيرة في دفاعها عن المملكة العربية السعودية، ها هي الانباء قادمة من واشنطن تؤكد ان الادارة الامريكية تعكف حاليا لابرام عقود بيع صفقة اسلحة للرياض تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات، بعضها جاهزة والبعض الآخر قيد الاعداد، الامر الذي يوضح لماذا اختار الرئيس الامريكي العاصمة السعودية لتكون اول محطة يزورها في جولته الخارجية التي تبدأ في 20 ايار (مايو) الحالي.
الاعلان عن صفقة الاسلحة الامريكية هذه تزامن مع كشف مجلة “ديفنس نيوز″ المتخصصة في الصناعات العسكرية عن صفقة اسلحة سعودية تركية ضخمة يجري التفاوض لانجازها بين البلدين، ويصفها وزير الدفاع التركي فكري ايشيك بأنها اكبر صفقة تصدير للصناعة العسكرية التركية في تاريخها.
هذا “النهم” السعودي على التسليح له طابعان، الاول اقتصادي يهدف الى تعزيز اقتصاد البلدين، اي امريكا وتركيا، وتحريك عجلة صناعاتهما العسكرية، وتوفير وظائف جديدة والحفاظ على اخرى قائمة، اما الهدف الثاني فهو سياسي ينسجم مع متطلبات الحروب الاقليمية الحالية والقادمة التي تخوضها الحكومة السعودية في اليمن وسورية، وربما ايران والعراق قريبا.
***
السيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، والسفير الاسبق في واشنطن، اماط اللثام عن بعض جوانب هذه الصفقة عندما قال “ان ادارة الرئيس ترامب اتخذت خطوات سريعة لاحراز تقدم في صفقة بيع قنابل موجهة كانت ادارة الرئيس اوباما قد علقتها بسبب مخاوف من تسببها في مقتل مدنيين في اليمن”.
وكون الصفقة الجديدة تشمل الى جانب المعدات العسكرية، ذخائر قيمتها اكثر من مليار دولار، بعضها، او معظمها، رفضت الادارة السابقة تزويد السعودية بها بعد تعاظم الخسائر في صفوف المدنيين، فإن هذا يجعلنا لا نستبعد ان يكون من بين هذه الذخائر القنابل العنقودية المحرمة دوليا.
المعلومات المتوفرة لدينا تفيد بأن ادارة الرئيس ترامب اعطت الامير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع، حتى آخر العام الحالي لالقاء بثقل بلاده العسكري بالكامل لانهاء الحرب في اليمن بالقوة، وانها ستجد الدعم الكامل من جانبها، اي ادارة ترامب، الامر الذي يجعلنا نتوقع تصعيدا مرعبا للهجمات السعودية وقصفا وحشيا لطائرات “عاصفة الحزم” لاهداف مدنية وعسكرية في العمق اليمني.
الامير محمد بن سلمان قال في مقابلة تلفزيونية مع الاعلامي داوود الشريان قبل ايام، انه قادر على حسم الحرب في اليمن في ايام معدودة، ولكنه لا يفعل ذلك خوفا من سقوط الآلاف من الجنود السعوديين، وفتح بيوت عزاء في مختلف انحاء المملكة، وكذلك سقوط مدنيين يمنيين، ولذلك يفضل التأني، اي اللجوء الى اسلوب التقسيط المريح في القتل وعلى مدى عدة اشهر.
الادارة الامريكية الحالية التي دشنت عهدها بغارة في احد بلدات محافظة البيضاء في كانون الثاني (يناير) الماضي، استهدفت ما قالت انه معسكر لتنظيم “القاعدة” وتبين انه مجموعة من منازل مدنية، واسفرت عن مقتل 40 شخصا، من بينهم نساء واطفال، وابنة الدكتور انور العولقي (ثماني سنوات)، هذه الادارة لا يهمها ارواح المدنيين، مثل الادارة السابقة، والا لما بادرت بفك الحظر عن ارسال ذخائر وقنابل ذات تأثير قاتل على المدنيين.
***
الرئيس ترامب سيزور الرياض كبائع اسلحة اولا، وجالب للضرائب الدفاعية ايضا، لابتزاز اكبر قدر ممكن من المليارات السعودية، ويبدو انه لا يحتاج الى جهد كبير لتحقيق هذا الهدف، فالخزائن السعودية مفتوحة على مصراعيها، واذا فرغت من المليارات فان بيع شركة ارامكو، وشركات حكومية عملاقة اخرى مثل سابك ومجمعات ينبع والجبيل، علاوة على مناجم الذهب الفضة المطمورة تحت الارض، ستوفر كل الطلبات الامريكية كاملة دون نقصان، وما على الرئيس ترامب الا ان يتدلل، مثلما يقول اشقاؤنا في العراق.


ما هي فرص نجاح الاتفاق الروسي الإيراني التركي لاقامة “مناطق تخفيف التصعيد”؟ ولماذا يتجنبون تعبير “المناطق الآمنة” الأكثر دقة؟ وهل ستقاتل المعارضة المسلحة “الدولة الإسلامية” و”النصرة” الى جانب الجيش السوري؟ ولماذا رحب الجعفري وانسحب علوش؟
عبد الباري عطوان
الاتفاق الذي وقعه ممثلو روسيا وايران وتركيا في مدينة آستانة اليوم، ونص على إقامة مناطق “تخفيف التصعيد” في سورية تنفيذا لخطة قدمها الرئيس فلاديمير بوتين بعد لقائه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وتلقيه مكالمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمكن ان يشكل “خريطة طريق” حقيقية، وفاعلة، للقضاء على تنظيمي “الدولة الإسلامية” و”هيئة تحرير الشام” او النصرة، وتثبيت وقف اطلاق النار، وإعادة الحياة الى منظومة جنيف للتوصل الى حل سياسي، اذا جرى الالتزام به وتطبيقه حرفيا، ولكن هناك شكوك تحول دون اغراقنا في التفاؤل، بالنظر الى ما حدث لاتفاقات مماثلة.
الدول الثلاث الضامنة للاتفاق وهي روسيا وايران وتركيا، وهي صاحبة القرار على الأرض السورية، لانها تخوض حربا بالنيابة فيما بينها، فروسيا وايران تدعمان الحكومة السورية، وتركيا تدعم الفصائل المسلحة المصنفة معتدلة.
هذا الاتفاق هو تطبيق عملي لاقامة “مناطق آمنة” في اربع مناطق سورية، هي ادلب وريف دمشق ودرعا ومنطقة الرستن في حمص، ولكن لان تعبير “المناطق الآمنة” يثير حساسيات لبعض الأطراف السورية، وخاصة الحكومة في دمشق، وحلفائها الإيرانيين، جرت عملية التفاف لغوي على هذا التعبير، واستبداله بصيغة “مناطق تخفيف التصعيد”، ولكن المعنى واحد، والخلافات طفيفة، في نظر الكثيرين.
***
اهم نقطة في هذه “الوثيقة” في رأينا، النص حرفيا “على الدول الثلاث الضامنة لهذا الاتفاق، مساعدة القوات الحكومية السورية، والمعارضة المسلحة، على قتال تنظيمي داعش والنصرة ومن يتبعهما، وكذلك تشكيل فريق عمل لانشاء المناطق الآمنة في غضون خمسة أيام”.
هذه الفقرة تعني ان تقاتل الفصائل المسلحة “المعتدلة” المشاركة في لقاءات منظومة الآستانة في قتال تنظيمي “الدولة الإسلامية” و”هيئة تحرير الشام”، جنبا الى جنب مع قوات الجيش السوري، وبدعم من ايران وروسيا وتركيا، وهذا انقلاب سياسي وعسكري كبير، وغير مسبوق، في الازمة السورية.
“جيش الإسلام” الذي يتزعمه السيد محمد علوش بدأ في تطبيق هذه الفقرة قبل ان يذهب الى آستانة، عندما خاض معارك دموية ضد “جبهة النصرة” في الغوطة الشرقية طوال الأيام الاخيرة، وهي صدامات دموية أدت الى مقتل حوالي 400 شخص من الجانبين واصابة المئات، وما زالت مستمرة، وفشلت كل الوساطات في وقفها.
الدكتور بشار الجعفري رئيس الوفد السوري المفاوض سارع فورا الى مباركة هذا الاتفاق، لكن وفد المعارضة المسلحة ورئيسه السيد علوش، غاب عن مراسم التوقيع، وانسحب غاضبا من الجلسة الختامية، احتجاجا على وجود ايران بين الدول الضامنة، وتوقيعها الاتفاق، ومشاركتها في القوات التي سترعى التطبيق على الأرض، ولكن هناك أسباب أخرى إضافية، ومهمة، وهي القتال في خندق الجيش السوري، او الى جانبه، ضد جبهة النصرة التي كانت حليفا للكثير من هذه الفصائل أولا، ولعدم وجود مسار سياسي مواز يضمن تطبيق الانتقال السياسي للسلطة.
انها ليست المرة الأولى التي تنسحب فيها وفود المعارضة المسلحة، ولا نعتقد انها ستكون الأخيرة، فقد تلكأت كثيرا في المشاركة في اجتماع “استانة 4″ يوم امس، ولكن تدخل الجنرال هاكان فيدان.. رئيس المخابرات التركية كان كفيلا باعادتها الى غرفة الاجتماعات والمشاركة في المفاوضات.
***
الاتفاق ليس مثاليا، ونتفق مع الرئيس رجب طيب اردوغان الذي وضع تفاصيله اثناء لقائه مع الرئيس بوتين في سوتشي في روسيا، في انه ربما يحقق اكثر من 50 بالمئة من حل الازمة السورية اذا قدر له التطبيق بنجاح والتزام جميع الأطراف ببنوده، لانه سيوفر العودة الآمنة والطوعية لعشرات، وربما مئات الآلاف، من اللاجئين السوريين، والايصال الفوري لمواد الإغاثة والمساعدات الطبية، والاهم من كل ذلك، الوقف الفوري لاطلاق النار وحقن الدماء، وتحسين الظروف الانسانية لملايين السوريين في المناطق الأربع.
فرص نجاح الاتفاق معقولة، لان الخيارات البديلة كارثية، والشعب السوري بات يتطلع الى حقن الدماء والتقاط الانفاس بعد ست سنوات من القتل والتدمير، ولكن يمكن القول في الوقت نفسه، ان احتمالات “التخريب” واردة، فهناك قوى عديدة جرى تهميشها، وعدم إعطاء أي دور لها في هذا الاتفاق، ربما تحاول، ومن خلال رجالها، واموالها، خرق قاع السفينة، ومارست الدور نفسه في اتفاقات سابقة.. والله اعلم.


السعودية ومواجهة ايران في منطقة الشرق الاوسط
عباس عاصي
لم يشهد التاريخ الحديث صراعا في منطقة الشرق الاوسط ان قسمها الى قسمين مثل الصراع الايراني السعودي. هذا التنافس على النفوذ والهمينة رافقته وساندته سياسات متعددة ومتنوعة امتدت من خطاب طائفي تحريضي الى خطاب وطني وقومي عربي. تنوّعت استراتيجيات السعودية في المواجهة مع ايران. فحين تقتضي الحاجة تستخدم خطابا طائفيا واحيانا اخرى خطابا قوميا عربيا. بعيدا عن مسببات هذا الصراع، هذا التنوع والارتباك في اساليب المواجهة يدل على ضعف في قدرة السعودية على مواجهة خصومها وفرض هيمنهتا على المنطقة.
تسعى الدول عادة الى تحسين شروط المواجهة مع خصومها من خلال تحسين قدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية لا من خلال التحريض المذهبي. ذلك ان الخطاب المذهبي قد يرتد سلبا عليها. فعندما تلجأ دولة ما الى الخطاب المذهبي فهي تمد الجماعات المتشددة بالحجج والامكانات كي توسع من قاعدتها الشعبية. هذاه الجماعات كما اصبح معلوما لن تقبل بأي تراجع للدولة عن مواقفها المتشددة والا سوف تعتبر مرتدة ومخالفة لمبادئها. مما قد يدفع هذه الجماعات الى ان تعاديها وقد تلجأ الى العنف بغية استبدالها او دفعها للعودة الى مواقفها السابقة.
يمكن لنا ان نميز ثلاثة استراتيجيات اعتمدتها السعودية في سبيل مواجهة ايران في المنطقة. الاستراتيجية الاولى هي الخطاب المذهبي الطائفي وهو الخطاب الطاغي على السياسة والاعلام السعودي. هذا الخطاب يوظف لغة طائفية عبر محاكاة الغرائز بغية استقطاب الشارع السني واضفاء شرعية شعبية على نظام الحكم. استخدم هذا الخطاب بشكل كبير منذ قيام نظام الحكم في ايران عام 1978. سوف يزداد استخدام هذا الخطاب حدة في المستقبل القريب وذلك بسبب صعود الجيل الثاني والثالث للحكم من العائلة الحاكمة والذي يسعى الى شرعية شعبية تعزز حكمه وموقعه. وذلك بسبب الصراع الدائر اليوم في اروقة الحكم السعودي بين ابناء واحفاد الملك السعودي الراحل عبد العزيز ال سعود.
الاستراتيجية الثانية هي الخطاب القائم على تحريض ابناء الوطن الواحد على بعضهم كي تضعف حلفاء ايران داخل هذه الدول. استخدمت هذه الاستراتيجية بشكل واضح وعلني في لبنان. بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005 وانسحاب القوات السورية سعت الرياض الى اضعاف حزب الله، حليف ايران في لبنان. مثلا موّلت الانتخابات النيابية اللبنانية عام 2009 بحوالي مليار دولار حسب ما ذكرت جريدة النيويورك تايمز لضمان فوز قوى 14 اذار الحليفة وهزيمة حزب الله وحلفائه. على الرغم من ذلك فاز حزب الله في الانتخابات النيابية ودخل الحكومة وحصل على الثلث الضامن فيها. هذه الاستراتيجية ساهمت في تأجيج الصراع الداخلي اللبناني وتوسعة الشرخ بين السنة والشيعة، وهذا الامر ينطبق ايضا على الصراع الدائر في العراق بين السنة والشيعة.
الاستراتيجية الثالثة هي استخدام الخطاب القومي العربي. استخدم هذا الخطاب خلال فترة المواجهة مع ايران منذ العام 1978 بنسب متفاوتة. لم تعتمد السعودية على هذا الخطاب الا قليلا. وقد يعود ذلك الى وجود دول تخاصمها في المنطقة اي النظام السوري والعراقي والتي تحمل خطابا عروبيا قوميا. الا ان انهيار النظام العراقي ونشوب الحرب السورية امّن للسعودية المساحة الكافية لاستخدام هذا الخطاب خصوصا مع غياب اي طرف عربي اخر يحمل هذا المشروع. المفارقة ان الحكم السعودي عُرف تاريخيا بعدائه لتوجهات عبد الناصر العروبية وكان من دعاة الوحدة الاسلامية لمواجهة المد العروبي الناصري.
استخدم الخطاب القومي العربي من قبل السعودية ايضا في حربها على اليمن. فقد دخل ادبيات السياسة الخارجية السعودية بشكل غير مسبوق. بررت الرياض الحرب على اليمن بحجة حماية عروبته ومنع التمدد الفارسي علما ان الحرب السعودية لها اسباب خارجية وداخلية ايضا. فلا يمكن فهم اسبابها من دون قراءة الصراع الدائر حاليا بين الابناء والاحفاد على سدة الحكم والذي يسعى كل واحد منهم للشرعية والشعبية وابراز نفسه كرجل دولة وقائد عسكري قادر على ادارة شؤون المملكة.
المفارقة ان السعودية لم تنجح في منع تمدد نفوذ ايران في المنطقة او العالم على الرغم من الاموال التي صرفتها بغية تحقيق هدفها. فإيران استطاعت ان تحرز تقدما في مفاوضات ملفها النووي. واما الارهاب والتهويل من المد الايراني لم يمنع طهران من تعزيز نفوذها وفي المقابل لم يعزز من نفوذ السعودية في المنطقة.
في العراق مثلا استطاعت ايران ان تتدخل عسكريا بعد ان دعمت السعودية ولو ضمنيا احتلال داعش لمناطق واسعة من البلاد. في سوريا استعان النظام بمستشارين ايرانيين لمواجهة المعارضة المسلحة المدعومة من السعودية ودول عربية واجنبية اخرى. بمعنى اخر تدهور الدور الاقليمي للسعودية اعطى هامشا اوسع وحرية اكبر لإيران لتعزيز نفوذها.
ان ضعف الرؤية السياسية والصراع السياسي الداخلي السعودي ساهما في اضعاف دورها الاقليمي وتقوقعها خلف خطاب مذهبي خسرت بسببه شعبيتها لدى شريحة واسعة من العرب. مثلا الحرب على اليمن التي شنت تحت ذريعة منع التمدد الايراني كلفت السعودية مليارات الدولارات واضعفت من موقفها الاقليمي والدولي بسبب الجرائم التي ارتكبتها ناهيك عن المجازر والدمار الذي سببته بحق الشعب اليمني المظلوم.


  عدوان إسرائيلي بعد الامريكي على سورية؟ ما هو الجديد؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ هل هي بداية انطلاقة “الناتو” السني العربي الإسرائيلي بدعم امريكي؟ لا نستبعد ذلك
عبد الباري عطوان
قصفت دولة الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم (الخميس) مخزنا قرب مطار دمشق الدولي بعدة صواريخ، قال المصدر السوري لحقوق الانسان، ومقره بريطانيا، ان هذا المخزن هو مستودع أسلحة لـ”حزب الله” اللبناني.
هذا القصف الصاروخي الذي انطلق من قاعدة قرب هضبة الجولان، جاء بعد أيام من قصف صاروخي امريكي بصواريخ “توماهوك” استهدف قاعدة الشعيرات الجوية السورية في محافظة حمص، وبعد شهر من غارة إسرائيلية على اهداف عسكرية سورية قرب مدينة تدمر.
سورية هي الدولة العربية الوحيدة من بين دول المواجهة والمحاذية لحدود فلسطين المحتلة (الى جانب لبنان) التي ما زالت في حال حرب مع إسرائيل، ولم توقع معها أي اتفاق، او معاهدة سلام، ولهذا ما زالت تشكل هدفا للقصف الإسرائيلي.


***
الحكومة الإسرائيلية لا تعترف مطلقا بمثل هذه الاعتداءات، وغارات اليوم الصاروخية ليست استثناء، والمرة الوحيدة التي خرجت فيها عن هذا التقليد كانت في شهر آذار (مارس) الماضي عندما اضطرت للاعتراف بسقوط صواريخ سورية اطلقتها الدفاعات الأرضية السورية على الطائرات التي قيل انها ضربت قافلة أسلحة حديثة كانت في طريقها الى “حزب الله” اللبناني.
وزير الاستخبارات الاسرائيلي يسرائيل كاتس قال ان حكومته ستتدخل في كل مرة تتبلغ فيها معلومات خطيرة عن نقل أسلحة الى “حزب الله”، وجرى تفسير هذا التصريح بأنه اعتراف بالمسؤولية عن القصف الصاروخي الاحدث لاهداف في العمق السوري.
لم تدن أي دولة عربية هذا العدوان الإسرائيلي على بلد عربي مطلقا، بل لا نبالغ اذا قلنا ان حكومات عربية عديدة احتفلت به، وتمنت لو انه احدث خسائر بشرية ومادية اكبر، فإسرائيل لم تعد عدوا للكثير منها، والخليجية خاصة، بل حليفا وثيقا يمكن الاعتماد عليه.
الانباء القادمة من واشنطن تؤكد ان الرئيس دونالد ترامب يستعد للقيام بجولة في منطقة الشرق الأوسط تشمل تل ابيب ورام الله وعمان والرياض في اطار خطته لتأسيس “حلف ناتو عربي سني”، للتصدي للتمدد الإيراني، وستكون إسرائيل حجر الزاوية في هذا التحالف بشكل مباشر او غير مباشر، ومن المؤكد ان سورية، باعتبارها الحليف الاوثق لإيران، والأكثر عداوة لإسرائيل والمخططات الامريكية في المنطقة، ستكون على قائمة اهداف هذا الحلف المدعوم أمريكيا.
موسكو وعلى لسان السيدة ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ادانت “الاعمال العدوانية ضد سورية وتعتبرها غير مقبولة وتخالف مبادئ واعراف القانون الدولي”.
الموقف الروسي بدا اقل شراسة من نظيره السابق الذي صدر في اعقاب الغارة الجوية الإسرائيلية على ما قيل انه قوافل أسلحة في طريقها الى حزب الله قرب مدينة تدمر، حيث استدعت الخارجية الروسية السفير الإسرائيلي في موسكو وسلمته احتجاجا شديد اللهجة، لكن من غير المستبعد ان تقدم القيادة الروسية على الرد بتسليح الجيش السوري ودفاعاته الأرضية بصواريخ قادرة على مواجهة مثل هذا العدوان في المستقبل.
لجوء الجيش الإسرائيلي الى استخدام الصواريخ، وليس الطائرات في القصف هذه المرة، يعكس تغييرا في الاستراتيجية، وتجنب ارسال طائرات خوفا من اسقاطها، مما يؤكد ان قيادة هذا الجيش يملك معلومات عن وجود وسائل وامكانيات دفاعية جوية سورية يمكن ان تسقط أي طائرات إسرائيلية مغيرة.


***
سورية التي يخوض جيشها حربا شرسة ضد جماعات مسلحة مدعومة أمريكيا وتركيا وخليجيا منذ ست سنوات، وبهدف اسقاط النظام، ما زالت الى جانب “حزب الله” تشكل الخطر الوحيد على دولة الاحتلال الإسرائيلي، لهذا تتواصل الضربات الجوية والصاروخية ضدها.
انه عدوان إسرائيلي يعيد التذكير بالاسباب الحقيقية التي تكمن وراء استهداف سورية، دون غيرها من الأقطار العربية من قبل العدو الإسرائيلي، والولايات المتحدة الامريكية، ومحاولة تجريدها من ما تبقى لديها من أسباب القوة، واسلحة الدمار الشامل، وبما يمهد لغزوها واحتلالها وتفتيتها، مثلما حدث لليبيا والعراق واليمن.
القصفان الأمريكي والإسرائيلي اوسمة شرف لسورية، وجيشها، وشعبها الصامد، سواء اتفق معها البعض او اختلف، فإسرائيل وامريكا هما أعداء هذه الامة، ومصدر كل الشرور والمؤامرات التي تستهدفها، وعندما يكون خيارنا بين خندق سورية او المعسكر الإسرائيلي العدو، فإننا لا نتردد مطلقا بأن نقف في الخندق العربي السوري، هكذا تعلمنا في مدارس الكرامة والوطنية وعزة النفس العربية والإسلامية، والحياة مواقف عز.


نظرية البروفيسور الأمريكي بوستول التي اكدت ان قنبلة خان شيخون الكيميائية لم تُطلق من الجو تربك المشهد السوري وتتحدث عن “فبركة”.. ما صحة هذه النظرية؟ ولماذا لم تتحقق مطالب صاحبها بتحقيق دولي نزيه ومحايد حتى الآن؟
عبد الباري عطوان
حتى كتابة هذه السطور لم تصل أي لجنة دولية الى بلدة خان شيخون التي شهدت غارة جوية نفذها الطيران السوري ربما ضربت مخزن أسلحة، تبين انه يحتوي على غاز الخردل الكيميائي المدمر للأعصاب، حسب الرواية الرسمية السورية، او جاءت هذه الضربة بصاروخ اطلقته احدى الطائرات السورية محمل برأس كيميائي، حسب رواية الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والسوريين.
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية رفضت اليوم مشروع قرار روسي إيراني لتشكيل فريق جديد للتحقيق في الهجوم الكيميائي المفترض بضغط بريطاني امريكي مشترك، بينما اعلن الرئيس السوري بشار الأسد اليوم ان حكومته بعثت برسالة الى الأمم المتحدة تطالب بإرسال لجنة تحقيق مستقلة ولم تتلق الرد، ولا نعتقد انها ستتلقاه قريبا.
مشروع القرار الروسي يريد ان تتأكد لجنة التحقيق من ان غاز الخردل الكيميائي جرى استخدامه فعلا، وبعد ذلك كيفية وصوله الى خان شيخون، وكذلك دعا المحققين الى زيارة مطار الشعيرات الذي قصفته صواريخ “توماهوك” الامريكية يوم السادس من نيسان (ابريل) الحالي للتأكد من وجود أسلحة كيميائية في مخازنه من عدمه.
***
البروفيسور ثيودور بوستل الخبير الأمريكي العالمي في الأسلحة الكيميائية، شكك كليا في صحة تقرير المخابرات الامريكية الذي قدمته الى الرئيس دونالد ترامب، وأكدت فيه استخدام الطائرات السورية أسلحة كيميائية لضرب خان شيخون، واكد في مقال مدعم بالوثائق والتحليل العلمي نشره في صحيفة “كونتر بنش” الامريكية الالكترونية، ان القنبلة الكيميائية المزعومة التي القيت على خان شيخون لا يمكن ان تكون اطلقت من الجو، وانما كانت موجودة على الأرض، وان الروس ابلغوا الامريكيان رسميا بأن الطائرات الحربية السورية ستقصف البلدة قبل 24 ساعة، واعرب البروفيسور بوستل عن استعداده للذهاب الى البلدة المنكوبة والادلاء بشهادته، موحيا بأن هناك منّ فجرها على الأرض.
الحقيقية الوحيدة الثابتة حتى الآن ان 86 شخصا قتلوا في هذه البلدة المنكوبة بينهم عشرات الأطفال، ولكن لا يمكن معرفة الحقائق كاملة الا بعد وصول لجنة تحقيق مستقلة، وتضم خبراء دوليين محايدين، وتقدم نتائج ابحاثها الى مجلس الامن الدولي، او المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، او الاثنين معا.
احتمالات “الفبركة” التي تحدث عنها الرئيس الأسد، ومستشارته السياسية والإعلامية الدكتورة بثينة شعبان غير مستبعدة، وهناك سوابق أمريكية وبريطانية عديدة في هذا المضمار، فكولن بأول، وزير الخارجية الأمريكي اعترف على الهواء مباشرة قبيل العدوان على العراق عام 2003 ان المخابرات الامريكية ضللته وقدمت له صورا ومعلومات مزورة حول معامل عراقية متنقلة للأسلحة الكيميائية قدمها ضابط عراقي للدكتور احمد الحلبي يدعى رافد الجنابي، تبين انه عميل مجند من قبلها، وتوني بلير، رئيس وزراء بريطانيا، وشريك الرئيس بوش الابن في العدوان، لوح بملف الأسلحة الكيميائية العراقية امام البرلمان البريطاني، وقال ان الرئيس العراقي صدام حسين يستطيع تجهيز أسلحته الكيميائية في غضون 45 دقيقة، ليتبين بعد ذلك ان الملف او “الدوسية” كان فارغا، وان توني بلير خدع البرلمان.
الدكتورة شعبان اكدت في مقابلة مع قناة “الميادين” ان الروس ابلغوا الوفد السوري الزائر لموسكو قبل أيام ان الرئيس ترامب لن يكرر الضربة الصاروخية على قاعدة الشعيرات او غيرها، مما يعني ان المخابرات الامريكية هيأت وفبركت الأسباب لتبرير هذه الضربة بهدف إظهار الرئيس الأمريكي بمظهر الرجل القوي.
***
هناك مثل يقول “المية تكذّب الغطاس″، مما يعني ان التحقيق الدولي المستقل والمحايد هو الذي يمكن ان يقدم لنا الحقيقة كاملة، وتعطيل أمريكا وبريطانيا لتشكيل لجنة محايدة لاجرائه يلقي بظلال الشك على كل الروايات المطروحة من الجانبين.
نحن، والكثيرون غيرنا، في انتظار تشكيل هذه اللجنة، وتوفير الحماية لها، للقيام بتحقيقاتها كاملة، ووضع تقريرها النهائي المدعم بالوثائق والأدلة الدامغة، وان كنا نعتقد ان هذا الطلب شبه مستحيل، ولذلك نكتفي بالترحم على أرواح كل الضحايا من الاشقاء السوريين الأبرياء أيا كان الخندق الذي يقفون فيه، وايا كان السلاح الذي أدى الى استشهادهم.


الشرق الاوسط
روحاني يطالب العسكريين بتجنب «الألاعيب السياسية» و«الهواجس الاقتصادية»
مرشح المحافظين يدعو الرئيس الحالي إلى التزام الأخلاق في السباق الرئاسي
الأربعاء - 22 رجب 1438 هـ - 19 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14022]

لندن: عادل السالمي
جدد الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال خطابه بمناسبة اليوم الوطني للجيش، أمس، مطالبة القوات المسلحة بالابتعاد عن «الألاعيب السياسية»، لافتا إلى أن تدخل الأجهزة العسكرية في «الهواجس الاقتصادية» يبعدها عن الأهداف الأساسية، وفي الوقت ذاته دافع عن برنامج التسلح الإيراني، مشددا على أن أهدافه «دفاعية وليست هجومية». وفي المقابل، وجه منافسه ومرشح التيار المحافظ المدعي العام إبراهيم رئيسي رسالتين انتقد فيهما ضمنيا حملة روحاني الانتخابية مطالبا منافسه بالعمل «وفق الضوابط الأخلاقية».

ودشن روحاني بخطابه الاستعراض السنوي لوحدات الجيش الإيراني وسط حضور قادة الأركان والجيش والحرس الثوري، وشاركت في الاستعراض الوحدات الصاروخية والقوة الجوية ومروحيات، فضلا عن وحدات القوات الخاصة والبرية والبحرية. واستعرضت إيران للمرة الأولى أنظمة صواريخ «إس 300» و«إس 200» وأنظمة صواريخ «كروز» وناقلات جنود ودبابات وزوارق سريعة تابعة للقوات البحرية.

واختار روحاني الثناء على علاقة الشعب بالقوات المسلحة مدخلا للتذكير بما قال إنها «وصايا المرشد الإيراني الأول الخميني والمرشد الحالي علي خامنئي» لتوجيه رسالة صريحة للقوات المسلحة، بما فيها الحرس الثوري، نظرا لقرب بدء الحملات الانتخابية بعد أيام قليلة، قائلا: «يجب أن تكون قواتنا المسلحة بعيدة عن الألاعيب السياسية، وفق ما قاله الإمام (الخميني)؛ كلما ابتعدت القوات المسلحة عن اللعبة السياسية، زادت قوة، واقتربت من الشعب». ومن دون الإشارة إلى الحرس الثوري الذي يعد القوة العسكرية الأولى في البلاد، أوضح روحاني أن «الجيش والقوات المسلحة على مدى 30 عاما عملوا بالتوصيات ولم يتدخلوا، هذا مهم».

في بداية مارس (آذار) الماضي، قال قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري، إن «أياً من قادة الحرس الثوري ومنتسبيه لا يحق لهم التدخل السياسي والحزبي في الانتخابات». وجاءت تصريحات جعفري بعد أسبوع من تحذيرات أطلقها روحاني في مؤتمر اللجان التنفيذية للانتخابات في 25 فبراير (شباط)، طالب فيها بالاحتجاج على «القوات العسكرية والأمنية» إذا ما تدخلت في الانتخابات.

كذلك حذر روحاني من انشغال القوات العسكرية بما وصفها بـ«الهواجس الاقتصادية»، محذرا من تأثير النشاط الاقتصادي على «الأهداف الأساسية» للقوات المسلحة.

ويعد الحرس الثوري أقوى المنافسين للحكومة في داخل إيران على الصعيد الاقتصادي، وبحسب التقارير الإيرانية، فإن الحرس الثوري والمؤسسات التابعة له تسيطر على نحو 40 في المائة من الاقتصاد الإيراني بما فيه مجال الطاقة واستخراج النفط.

واستغل حسن روحاني المناسبة للتذكير بدور الجيش في إيران، وقال في هذا الصدد إن «الدستور يكلف الجيش صراحة بحراسة السيادة والاستقلال والنظام في إيران».

في الوقت نفسه، نفى روحاني ضمنا وجود خلافات بين الجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية عبر إشادته بالتعاون بين القوات العسكرية الإيرانية.

ويعاني الجيش منذ صعود «الحرس الثوري» بصفته قوة عسكرية في إيران من التهميش وتراجع الإمكانات. وفي إشارة إلى تعزيز ترسانة الأسلحة الإيرانية، قال روحاني إن القوات العسكرية «جاهزة اليوم» أكثر من أي وقت مضى. وزعم أن أولوية القوات العسكرية الإيرانية «ليست تهديد الآخرين» وقال: «القوات المسلحة خطوتها الأولى ليس تشجيع الصدام العسكري مع أي بلد آخر. أي خطوة منا هي الابتعاد عن الصدام والتوتر، لكن بالوقت نفسه يجب الحفاظ على اليقظة مقابل مؤامرات الآخرين»، حسبما نقلت عنه وكالات أنباء إيرانية.

وفي رسالة موجهة إلى دول المنطقة، بخاصة جيران إيران، قال: «على جيراننا أن يطمئنوا إلى أن قواتنا المسلحة تدافع عن كل منطقة الشرق الأوسط»، مضيفا أن «على الدول الأخرى الاطمئنان بأن قدرتنا دفاعية ورادعة وليست هجومية».

جاءت تصريحات روحاني بعد يوم من حوار قائد القوات البرية في الجيش، العميد كيومرث حيدري مع وكالة أنباء «فارس» الذي كشف فيه عن توجه لتغيير جذري في بنية القوات البرية تتحول بموجبه إلى «قوات هجومية متحركة»، مشددا على أن قواته لن تأخذ القضايا الدفاعية بعين الاعتبار في التحول من الدفاع إلى الهجوم وفق «أوامر المرشد الإيراني علي خامنئي».

في غضون ذلك، أصدر المدعي العام في محكمة رجال الدين ورئيس العتبة الرضوية إبراهيم رئيسي رسالتين احتجاجا على نشاط روحاني الانتخابي، وفي الرسالة الأولى الموجه إلى روحاني قال: «قبل أن نكون حقوقيين، لنا الفخر بارتداء ملابس رجال الدين، وهذا الانتماء يلزمنا برعاية الضوابط الأخلاقية أكثر من أي شخص آخر».

وأعرب رئيسي عن أسفه من أن يؤدي التنافس «من أجل خدمة الشعب» إلى «التلوث بشوائب المسرحيات الانتخابية» حسب ما نقلت وكالة «فارس»؛ المنبر الإعلامي للحرس الثوري.

وتعد هذه المرة الأولى التي يوجه فيها رئيسي رسالة مباشرة إلى روحاني بعد دخوله رسميا إلى السباق الانتخابي. وكان كل من روحاني ورئيسي تقدم بطلب الترشح للانتخابات الرئاسية بفاصل زمني قليل في اليوم الرابع من إطلاق عملية التسجيل. ويملك رئيسي الحظ الأوفر لتمثيل التيار المحافظ في الانتخابات الرئاسية. وبحسب إجماع الأوساط الإيرانية، فإنه المنافس الحقيقي لروحاني في الانتخابات نظرا لإجماع المحافظين على ضرورة دعم مرشح واحد في الانتخابات.

وفي رسالة ثانية احتج رئيسي على هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، في رسالة موجهة إلى رئيس الهيئة علي عسكري. وفي تحذير ضمني من انحياز الهيئة لروحاني، قال: «من المتوقع أن تراعي وسائل الإعلام الوطنية العدالة في الدعاية الانتخابية من أجل تنفيذ انتخابات سليمة ونزيهة وتنافسية».


إيران تشعل السباق مع قطر لاستغلال حقل الغاز المشترك
    جددت الحكومة الإيرانية عزمها إنهاء استئثار قطر بمعظم الإنتاج من الاحتياطات المشتركة في أكبر حقل للغاز في العالم. وأطلقت أمس مراحل جديدة للاستثمار في الحقل، ما ينذر باشتعال سباق لإنتاج أكبر كميات ممكنة في وقت تعاني فيه الأسواق من تخمة المعروض.
طهران – دخل السباق بين إيران وقطر لاستغلال حقل غاز مشترك مرحلة جديدة أمس حين دشن الرئيس الإيراني حسن روحاني 5 مراحل جديدة في مشروع حقل بارس الجنوبي المشترك مع قطر، الذي تطلق عليه اسم حقل الشمال.

ويقول محللون إن إيران وقطر قد تدخلان في سباق لإنتاج أكبر كمية ممكنة من الحقل المشترك وأن ذلك قد يؤدي لإغراق الأسواق المتخمة بالغاز ولمزيد من تراجع أسعار الغاز التي فقدت نحو 65 بالمئة من قيمتها منذ منتصف عام 2014.

ويرجح محللون أن تدخل العلاقات بين قطر وإيران مرحلة جديدة يهيمن عليها سباق إنتاج النفط والغاز من الحقل المشترك. ويمكن أن يعكر ذلك المهادنة التي غلبت على علاقات البلدين وينهي استئثار الدوحة بمعظم إنتاج الحقل لفترة طويلة.

وذكرت تقارير إيرانية إن تلك المراحل تتطلب استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في خطوة لتسريع استثماراتها المتعثرة في الحقل منذ 12 عاما بسبب العقوبات الدولية.

وأكد مسؤولون إيرانيون أن إطلاق المراحل 17 إلى 21 يمهد الطريق أمام إيران لتجاوز مستويات إنتاج الغاز لدى جارتها قطر التي تتشارك معها في الحقل البحري.


وقال روحاني إن إنتاج إيران من ذلك الحقل يبلغ حاليا نحو 575 مليون متر مكعب يوميا، أي ما يعادل نحو 65 بالمئة من مجموع إنتاجها البلغ نحو 885 مليون متر مكعب يوميا. وتهدف المراحل الجديدة لزيادة إنتاج الغاز بنحو 150 مليون متر مكعب يوميا.

ولم يحدد روحاني ولا المسؤولون الآخرون الذين شاركوا في المناسبة إطارا زمنيا للمشروعات. وذكرت وسائل إعلام حكومية أن طهران أطلقت أيضا 4 مشروعات للبتروكيماويات تصل طاقتها الإنتاجية إلى مليون طن سنويا وتقدر قيمتها بنحو ملياري دولار.

وأكد وزير النفط الإيراني بيجان زنغنة أن بلاده “نجحت في ذروة العقوبات الدولية في تطوير 11 مرحلة في حقل جنوب بارس الجنوبي بمساعدة المهندسين والعمال الإيرانيين”.

وكانت قطر قد رفعت التجميد الذي كانت فرضته على تطوير الحقل المشترك بداية الشهر الحالي بعد توقف دام 12 سنة، لتدخل في سباق مع إيران لاستغلال احتياطات الحقل المشترك.

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة قطر للبترول سعد شريدة الكعبي حينها أن القرار لا علاقة له بخطط إيران لتطوير الجزء الخاص بها من حقل الغاز المشترك.

لكن محللين ربطوا بين القرار القطري والخطط الإيرانية لاستغلال الحقل المشترك، الذي استأثرت قطر بمعظم إنتاجه منذ عام 1991، في وقت تعثرت فيه جهود طهران بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وقد تحتاج إيران لسنوات طويلة لاستقطاب الاستثمارات والتكنولوجيا لبلوغ مرحلة الإنتاج الواسع من الحقل المشترك، في حين تملك قطر أحدث المنشآت العالمية لاستخراج وتسييل الغاز ونقله إلى الأسواق العالمية.


وكانت وزارة النفط الإيرانية قد أعلنت في 19 مارس الماضي للمرة الأولى عن بدء الإنتاج من آبار جديدة من الحقل العملاق، الذي تبلغ مساحته نحو 9700 كيلومتر مربع، يقع 6000 كيلومتر مربع منها في المياه الإقليمية القطرية.

وتملك إيران ثاني أكبر احتياطي من الغاز في العالم بعد روسيا ورابع أكبر احتياطي نفطي. وقد وافقت في يناير الماضي على مشاركة 29 مؤسسة دولية نفطية في مشاريع لإنتاج الطاقة.

لكن الحكومة الإيرانية لا تزال تعمل لوضع اللمسات النهائية على عقد جديد للمستثمرين الأجانب، في ظل تجاذبات حادة بين المتشددين والإصلاحين بشأن الحوافز التي يمكن أن تمنح للشركات الأجنبية.

ووقعت مجموعة توتال النفطية الفرنسية في نوفمبر الماضي اتفاقا مبدئيا بقيمة 4.8 مليار دولار لتطوير المرحلة 11 من مشروع حقل بارس الجنوبي لكنها أوضحت أنها ستنتظر مؤشرات من واشنطن قبل وضع اللمسات النهائية على الاتفاق.

ورغم رفع عدة عقوبات ومن ضمنها تلك التي استهدفت قطاع الطاقة بعد اتفاق توصلت إليه طهران مع الدول الكبرى بشأن برنامجها النووي عام 2015، إلا أن واشنطن أبقت على بعض العقوبات التي لا تزال تعرقل الاستثمارات وتثير قلق الشركات الأجنبية.

كما أن القيود المفروضة بشأن الأسواق التي يمكن أن يباع النفط فيها، تشكل نقطة شائكة حيث تقلص من قدرة الشركات على تعظيم هوامش الأرباح وبصفة خاصة في سوق متخمة بالمعروض.

ومنذ تطبيق الاتفاق النووي في يناير 2016، زادت إيران إنتاجها النفطي من 2.6 مليون برميل يوميا إلى 3.9 مليون برميل في وقت تضاعفت فيه صادراتها النفطية من مليون برميل إلى نحو 3 ملايين برميل يوميا.

وحققت قطر عوائد مالية كبيرة من استئثارها بتصدير الغاز ورفعت إنتاجها بوتيرة سريعة. وحرصت طوال تلك الفترة على عدم استفزاز إيران لمواصلة الإنتاج من الحقل المشترك.

وتصل احتياطات الحقل المشترك القابلة للاستخراج إلى 900 تريليون قدم مكعبة ما يعادل نحو 8 بالمئة من احتياطات الغاز الطبيعي المؤكدة في العالم، إضافة إلى احتياطيات نفطية تتجاوز 14 مليار برميل.


اجتماع موسكو يرسّخ العلاقة الروسية - السورية - الإيرانية
في لقاء وزراء خارجية روسيا وسورية وإيران في موسكو، قال وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف ان «أميركا لن تضرب سورية مجدداً وروسيا لن تسمح بحدوث أيّ هجوم على سورية بعد اليوم». قالها الوزير الروسي وهو يشير الى لقائه بوزير خارجية اميركا ريكس تيلرسون بعد ايام قليلة من الضربة التي أَمَر بها الرئيس دونالد ترامب وأُطلق خلالها 59 صاروخ «توماهوك» لضرْب أحد المطارات العسكرية في سورية «كردّ على الضربة الكيماوية» التي اتُهمت السلطة في دمشق بالوقوف خلفها.

وجاء اجتماع الحلفاء في موسكو، أمس، في وقتٍ خرجتْ إشاعات كثيرة مصدرها الإعلام الأميركي عن إمكان تغيير الرئيس السوري بشار الأسد وتَردُّد الموقف الروسي في سورية حيال الهجوم الصاروخي الاميركي الذي مرّ فوق رؤوس القوات الروسية المنتشرة في سورية منذ سبتمبر 2015.

ووضع هذا الاجتماع حداً لكل الأقاويل وثبّت الموقف الروسي الذي ألغى أي تعاون عسكري مع الولايات المتحدة في سماء سورية ما اضطُر أكثر حلفاء واشنطن الغربيين لوقف التعاون العسكري موقتاً وعدم استخدام سلاح الطيران لضرب تنظيم «داعش» كدعمٍ للقوات الكردية التي تتقدم نحو مدينة الطبقة ومن بعدها مدينة الرقة كهدف أساسي بدعمٍ من قوات خاصة اميركية على الأرض، كجزء من المخطط الاميركي لاحتلال شمال - شرق سورية تحت غطاء «إعطاء الارض المحرَّرة للعشائر وأكراد المنطقة».

وبوقف التعاون العسكري فوق سورية، لم تعد تستطيع أي طائرة التحليق فوق بلاد الشام من دون أن تتعرض للإسقاط، سيما أن روسيا قد زوّدتْ دمشق بأكثر من 40 طائرة معدَّلة وصواريخ جو - أرض، وأعطتها - مع الاستعانة بالتكنولوجيا الروسية - الحرية لضرْب أي طائرة تُعتبر «معادية» ما لم تأخذ الاذن بالتواجد في سماء سورية مسبقاً من خلال المكتب التنسيقي الروسي الموجود في قاعدة حميميم العسكرية على الساحل السوري.

وأكد اجتماع موسكو أن أيّ كلامٍ عن تغيير الأنظمة لم يعد مسموحاً وأن موسكو لن تسمح بأحادية أميركا ولن تسمح بتمرير أي قرار دولي ضد سورية، وهو ما لا يتيح للولايات المتحدة اتخاذ أي تدبير يُجمَع عليه في أروقة الامم المتحدة، وستضطر تالياً للعودة الى طاولة المفاوضات للتنسيق حول سورية والبحث في إمكان وقف إطلاق نار جدي في سورية يحترمه أكثر الأطراف المتحاربين.

وهكذا أُلغيت «الصفقات خلف الكواليس» التي تحدّث عنها البعض لتَظهر حقيقة ضربة ترامب «التوماهوكية» لمطارٍ عسكري أُخلي من الطائرات الحديثة قبل بضع ساعات من ضربه بعدما أبلغ الجانب الاميركي روسيا (وهي بدورها أبلغت دمشق)، وهو ما أظهر الأمر على انه رسالة معنوية وليست استراتيجية، وهي ضربة رمزية تساعد الرئيس الاميركي في التذكير ان «لديه صواريخ جيدة جداً ومهمة وتستطيع ضرب أهداف وإصابتها من بعد» وانها «كلها أصابت أهدافها».

فإذا كانت الضربة رمزية، وإذا كان ترامب أبلغ روسيا بالضربة مسبقاً فهل تسويقه لصواريخه يحتاج لعرض مماثل؟ لم يكتف ترامب بهذا بل أرسل «أم القنابل» (GBU-43/B) الى افغانستان لضرْب مركز جبلي لـ«داعش» هناك. وإذا صحّ قتْل 36 من مقاتلي «داعش» (وهو ما أعلنته واشنطن وكابول ونفاه التنظيم)، فهذا يعني أن كل فرد قُتل يشكّل أغلى «هدف» ضربتْه الولايات المتحدة لغاية اليوم، بالنظر إلى تكلفة القنبلة.

وهذا يدلّ على ان ترامب أصبح يسوّق للسلاح الاميركي ويُظهِر «تجربة حية» لما وصفه بالقدرات «الفريدة من نوعها» للأسلحة الاميركية. ومن الواضح أن لا خبرة ترامب السياسية تجعله يفصح عن الكثير - خلال حديثه - من الأسرار والخبايا بلغة بسيطة غير ديبلوماسية، اللغة التي لم يتقنها أبداً لعدم تمرُّسه بها. وقد أفصح عن تناوله قطعة من الشوكولا أثناء لقائه بالرئيس الصيني وانه أخذ القرار بضرب سورية خلالها. وهذا ليس فقط استخفافاً بقرارات عسكرية مهمّة ومصيرية، بل سذاجة واضحة عبّر عنها السيناتور الاميركي ليندسي غراهام عندما قال: «هناك شريف (المسؤول عن الامن في افلام الكاوبوي وقد حافظت اميركا على هذا اللقب منذ مئات السنين لغاية اليوم في المقاطعات والبلدات البعيدة) جديد في المدينة».

ومن المؤكد أن العلاقة العسكرية الروسية - الأميركية ستعود قريباً الى العمل لحاجة أميركا الماسة لوجود طيرانها فوق سورية لمساعدة قواتها على الأرض، ما يعني أن ترامب سيرضخ لشروط بوتين من جديد وان التدخل الأميركي في مصير الاسد لن يأتي بثمارٍ، بعدما اعتقدتْ دول عدة ان الوقت قد حان لتدخل حقيقي اميركي على كامل الخريطة السورية.

وفي سورية، يبقى الرئيس الاسد على سياسته اليومية بتحصين مناطقه، خصوصاً بعد اتفاق الفوعة - كفريا مقابل الزبداني - مضايا الذي كشفت عنه جريدة «الراي» للمرة الاولى في 4 اغسطس 2015 والذي تجري فصوله على أرض الشام. فقد خرجتْ عشرات العائلات من المدن المحاصرة (مضايا - الزبداني محاصرة من «حزب الله» والجيش السوري، والفوعة - كفريا محاصرة من قبل «القاعدة» و«أحرار الشام» وغيرهم)، وخرج أكثر من 5 آلاف مقاتل ومدني من الزبداني - مضايا الى مدينة ادلب.

أما العدد المماثل الذي خرج من الفوعة - كفريا فستكون إقامته في مدن القصير وتلك المحاذية للحدود السورية - اللبنانية ما يعطي «أماناً» للبنان بأنه ليست هناك تنظيمات تكفيرية أو «قاعدة» على الحدود اللبنانية تستطيع الدخول وتوفير بيئة حاضنة لتضرب الداخل اللبناني.

إلا أن هذا تغيير ديموغرافي واضح قبِلت به دمشق وقبِل به تنظيم «القاعدة» لسحب هذه الورقة الضاغطة عن كل من الطرفين. وبخروج اهالي ومسلحي الزبداني - مضايا وكذلك الفوعة - كفريا تصبح الطريق سالكة امام قوات دمشق وحلفائها الى إدلب، الوجهة المقبلة للأعمال الحربية المتوقع حدوثها هذه السنة لضرب آخر معقل ومدينة - بعد حلب - تمثّل ثقل المسلحين على أرض الشام، لاسيما بعد خروج المسلّحين من المناطق كافة بتسويات واتفاقات لتجمّع هؤلاء (عشرات الآلاف) في ادلب، المدينة الشمالية السورية الكبرى.


 هل “تتحقق” معلومات بوتين عن ضربة صاروخية أمريكية جديدة لجنوب دمشق؟ وهل زود الروس الدفاعات الجوية السورية بصواريخ “اس 400″ تمكنها من الرد بفاعلية؟ وهل استوعبت واشنطن مضمون الرسالة وباتت مهيئة لصفقة سياسية للنزول عن الشجرة؟ اليكم الإجابة
لم يجاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحقيقة عندما قال في مؤتمر صحافي مع نظيره الإيطالي سيردجو ماتاريلا “ان الوضع في سورية بات يذكرنا بما حدث في العراق عندما بدأت الولايات المتحدة غزوها لبغداد بعد كلمة لها في مجلس الامن الدولي”.
الفارق الأساسي الذي لم يشر اليه الرئيس الروسي هو ان العراق في حينها كان محاصرا ومجوعا لاكثر من 13 عاما، وحليفه الاتحاد السوفييتي كان منهارا، والحكومات العربية في معظمها كانت أدوات في يد ادارة بوش الامريكية التي كانت تهيمن عليها إسرائيل من خلال عملائها المحافظين الجدد، ومعظمهم من اليهود الصهاينة.
***
تطورات رئيسيان يمكن رصدهما من خلال متابعة الاحداث في المشهد السوري، او المشاهد الأخرى التي لها علاقة مباشرة او غير مباشرة به:

الأول: كشف الرئيس بوتين بأن لديه معلومات مؤكدة حول وجود خطة عسكرية أمريكية لضرب ضواحي دمشق الجنوبية، حيث يجري تدبير خطة لدس “مادة سامة” مجددا كي يتهموا السلطات السورية بالوقوف خلفها، وبالتالي ضربها.
الثاني: استبعاد يوري شفيتكين، رئيس مجلس الدوما لشؤون الدفاع ان ترد روسيا بطريقة مباشرة على ضربة محتملة قد تستهدف منظومة الدفاع الجوي السوري، مؤكدا ان هذه المنظومة بإمكانها التصدي لوحدها لاي تهديد امريكي.

ما يمكن استخلاصه من خلال قراءة ما بين سطور هذين التطورين وتصريحات الرئيس الروسي ورئيس مجلس الدوما، ان الضربات الصاروخية الامريكية على مطارات واهداف عسكرية سورية ما زالت قائمة، وان الجيش السوري بات قادرا على التصدي لها بمفرده دون الاستعانة بحليفه الروسي، وان كان بالتنسيق معه ومباركته حتما.
ما يؤكد كل ما تقدم التصريحات التي نسبت الى مسؤول في وزارة الدفاع الامريكية “البنتاغون”، وقال فيها “ان النظام السوري قام بزيادة دفاعاته الجوية في الأراضي التي يسيطر عليها غرب البلاد، حيث زاد عدد الرادارات الفاعلة مما يعني تمكين جيشه من مراقبة التحركات الجوية عن كثب”.
لا نعتقد ان الرئيس ترامب سيوجه أي ضربة لاهداف سورية من خلال ارسال طائرات حربية بعد تجميد تفاهمات حماية الطائرات في الأجواء السورية من قبل موسكو، ولذلك من غير المستبعد ان تكون عن طريق صواريخ “التوماهوك” على غرار ما حدث يوم الجمعة الماضي، ولكن من الواضح ان الاستعدادات للتصدي للضربة الجديدة تسير على قدم وساق، وقول رئيس مجلس الدوما ان الدفاع الجوي السوري قادر للتصدي بمفرده لاي تهديد يوحي بأنه بات مجهزا بصواريخ “اس 300″ او “اس 400″ المضادة للصواريخ والطائرات، وتعتبر الأكثر تطورا في هذا المضمار.
الدفاعات الجوية السورية، اطلقت صواريخها وياللمفارقة، من قاعدة الشعيرات العسكرية ضد طائرات إسرائيلية مغيرة، وطاردتها حتى العمق الفلسطيني، وسمع دوي انفجاراتها في غور الأردن، ومدينة القدس المحتلة، الامر الذي بث الرعب والهلع في نفوس الإسرائيليين، عسكريين كانوا او مستوطنين، ولا بد انها حصلت على ضوء اخضر روسي لتسجيل هذه السابقة.
لا نستبعد ان تكون تصريحات شفيتكين، رئيس الدوما لشؤون الدفاع بأن إجراءات جرى اتخاذها بعد الضربة الامريكية الأخيرة كافية لتمكين الجيش السوري الرد بمفرده، وهو حق يضمنه القانون الدولي، لا نستبعد ان يكون هذا الكلام هو “ضوء اخضر” ثان، وضد أي عدوان امريكي جديد.
***
علمتنا التجارب ان التفاهمات السياسية تبلغ ذروتها، وتنعكس في صفقات تبدد التوتر بعد كل تصعيد عسكري ميداني، مثلما علمتنا أيضا انه بعد كل ازمة كيميائية هناك اتفاق روسي امريكي، ولعل وجود ريكس تيرلسون، وزير الخارجية الأمريكي، في موسكو حاليا، وحزم السيد وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، حقائبه استعدادا للرحيل الى العاصمة الروسية يوم الجمعة، على رأس وفد يضم السيد فيصل مقداد والدكتورة بثينة شعبان، في تزامن مع وصول وفد إيراني برئاسة السيد محمد جواد ظريف وزير الخارجية، مؤشر على احتمال صدور قرارات ثلاثية مشتركة خطيرة، فاما صفقة سياسية تعيد الهدوء، واما صفقة عسكرية تدفع نحو التصعيد والمواجهة.
لا نستبعد أي من الصفقتين، ولكننا نرجح الصفقة السياسية، تماما مثلما حدث بعد ازمة المخزون السوري من الأسلحة الكيميائية عام 2013، وما يدفعنا الى ذلك ان الوفد السوري وبالتركيبة نفسها، هو الذي تفاوض على الصفقة السياسية الأولى التي نزعت فتيل المواجهة العسكرية الروسية الامريكية، واعادت حاملات طائرات وسفن القوتين العظميين الحربية الى مرابضها التي جاءت منها الى السواحل السورية.. والله اعلم.


الغارة الأمريكية على التاريخ.. بعنوان حمص!


حتى من قبل أن يكمل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المائة يوم من تسلمه القيادة فى البيت الأبيض فإنه قد نجح فى أن يُتوج نفسه ملكا على الديار العربية، ممالك أساسا، وإمارات ومشيخات وبعض الجمهوريات، وإن على استحياء..
لقد أثبت أنه «البطل المرتجى» و«القائد الموعود»، ووضع نقطة النهاية لعهد الميوعة وافتقاد القرار والمبادرة فى مركز الكون، واشنطن، أيام الرئيس السابق الخلاسى والمتردد وكاره استخدام القوة، باراك أوباما.
بضربة واحدة، وفى لحظة غير متوقعة، وفى مكان بعيد داخل سوريا، كان يبدو محصنا بالوجود الروسى، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، والدعم الإيرانى المفتوح، خلق دونالد واقعا جديدا فى أكثر المناطق خطورة وحساسية فى العالم، أعاد معه واشنطن إلى موقعها: مركز القرار الكونى..
وبهذه الضربة المفاجئة والموفقة حقق دونالد ترامب مجموعة من الأهداف دفعة واحدة:
• فهو قد أثبت أولا أنه رجل قرار وليس منظرا يستفيق مع الفجر ليملأ أفق خصومه من أهل السياسة والمال والصحافة بتغريداته التى تريحه وتقلقهم وتجعلهم يتيهون فى محاولة تفسير مقاصده..
• ثم إنه قد أسقط كل اللغط ومحاولات التشكيك بطبيعة علاقته بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين ونسبة بعض الفضل إليه فى الفوز الساحق الذى حققه ترامب فى الانتخابات الرئاسية ملحقا الهزيمة الساحقة بالمرشحة المستكبرة هيلارى كلينتون التى كانت الاستطلاعات تؤكد فوزها، معززة بالتأييد الخارجى الذى كان يخاف منه باعتباره «خارج السيطرة».
• كذلك فهو قد طمأن أصدقاءه العرب، الذين توافدوا عليه مهنئين وفرحين، بأن زمن التردد الأمريكى والامتناع عن المواجهة قد انتهى، وأنهم يستطيعون الاعتماد على قائد شجاع وصاحب قرار.
• الأخطر والأهم أنه طمأن «الأصدقاء فى إسرائيل» إلى أن واشنطن القادرة والحاضرة والمبادرة لن تغفل عن أى تصرف أو إجراء قد تتخذه دمشق (أو طهران)، أو حتى موسكو، يمكن أن يشكل خطرا ولو محتملا على أمن إسرائيل وسلامتها..

***
القدس العربي
أمريكا وروسيا تبحثان عن مصالحهما بلا مبادئ
د. سعيد الشهابي
Apr 10, 2017
الصداقة والعداء نسبيان وظرفيان، وليسا مطلقين او دائمين. تنطبق هذه القاعدة على العلاقات الشخصية، ولكنها اكثر انطباقا على العلاقات بين الدول. فالاشقاء قد لا يكونون اصدقاء، بل تنحصر علاقاتهم بوشائج الدم فحسب، بعيدا عن الاعتبارات الاجتماعية والشخصية. اما على مستوى العلاقات بين الدول فهي اكثر خضوعا للمصالح وطبيعة الانظمة وامزجة الحكام. بل ان الاديان نفسها لا تخلو من ظواهر الصداقة والعداء البينية. ومع ان الإسلام يقر مبادئ الصداقة والعلاقات الدولية الحسنة، إلا ان مصالح الإسلام اقتضت ان يكون اقرب في علاقاته مع قوة دولية في مقابل اخرى. وفي سورة الروم آيات تؤكد ذلك: «ألم، غلبت الروم، في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله». كان توازن القوى آنذاك موزعا بين الإسلام والفرس والروم. ولم تكن من مصلحة الإسلام ان ينتصر الفرس لأنهم كانوا كفارا، بينما كان الروم من أهل الكتاب. فجاءت الآية تنبئهم بان الصراع بين القوتين «العظميين» آنذاك سوف يحسم قريبا لصالح الروم الذين كانوا أقل خطرا على الدولة الإسلامية. كان القرب من الايمان والشرك معيارا للانحياز للقوى المتصارعة.
صراع القوى ظاهرة تاريخية لم تتوقف، والتحالفات في ما بينها كظاهرة الرمال المتحركة في الصحراء العربية، لا تستقر او تدوم، بل هي في حركة مستمرة حسب اتجاه الرياح وقوتها. ومنذ سقوط الخلافة الإسلامية تنازعت الدولتان الكبريان على المصالح في العالمين العربي والإسلامي. فوقعت شعوب مسلمة في دائرة نفوذ الاتحاد السوفياتي وبقيت كذلك إلى ما قبل ربع قرن تقريبا عندما تفكك الاتحاد السوفياتي الذي كان يجمعها. وكانت هناك دول وانظمة تتحرك ضمن الفلك السوفياتي خلال الحرب الباردة. وبقي العالم العربي ينوء تحت الاستعمار الغربي وتصارع شعوبه لنيل استقلالها. يومها كان الشرق يعني «التقدمية» و «الاشتراكية»، بينما كان الغرب يمثل الاستعمار والامبريالية. وتعمقت لدى الشعوب ثقافة رفض النفوذ الغربي بعد ان غرس في جسد الامة الكيان الاسرائيلي وتعهد بالحفاظ على تفوقه الاستراتيجي الاقليمي لضمان استمرار بقاء فلسطين تحت هيمنة الصهاينة. ومن المؤكد ان ايديولوجية النضال التقدمي ساهمت في بث وعي سياسي واجتماعي انتشر في اغلب البلدان العربية، خصوصا في عهد جمال عبد الناصر. ويمكن القول ان الاحزاب الرائدة في العمل السياسي النضالي كانت ذات طابع يساري في اغلبها، ابتداء بالاحزاب الشيوعية بتقسيماتها، والقومية والبعثية. وجميع هذه التوجهات عانى، هو الآخر، من انقسامات داخلية لاسباب شتى. ولا يمكن انكار دور تلك التوجهات في بث الوعي التحرري لدى قطاعات واسعة خصوصا الشباب وطلاب الجامعات. يومها كانت هتافات الشباب تنطلق بحماس: من المحيط الهادر، إلى الخليج الثائر، لبيك عبد الناصر.
لم يكن المزاج العربي على الصعيد الشعبي مركبا على التعاطف مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتستحضر الذاكرة مشاهد الرجال المتقدمين في العمر (واغلبهم من الاميين) في نهاية الستينات، وهم يتابعون اخبار المعارك المحتدمة في فيتنام بين القوات الأمريكية ومجموعات المقاومة الفيتنامية المعروفة بـ «فييت كونغ». كان انحياز الرأي العام العربي، حتى بين الكبار، واضحا ضد الأمريكيين الذين دعموا الاسرائيليين في حرب 1967 واعتبروا الدعم الأمريكي لـ «اسرائيل» من اسباب النكسة التي كانت الاكثر ايلاما في وجدان الجيل الباقي من معاصري تلك الحقبة. لم تكن أمريكا يوما محبوبة لدى الجماهير العربية، وازدادت تلك الظاهرة بعد صعود ترامب الذي فرض سياسة منع المسلمين من دخول أمريكا. هذا لا يعني ان المزاج العربي ينسجم تماما مع روسيا، خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان لديه اطروحة احتذت بها «القوى التقدمية» العربية ردحا من الزمن. وخلال ربع القرن الاخير كانت روسيا غائبة تماما عن المشهد العربي، بعد ان تلاشى بريقها الايديولوجي وسقطت مواقع نفوذها في المنطقة. كانت الايديولوجيا عاملا اساسيا في التحالفات السياسية والاستراتيجية. ومنذ حرب الكويت في 1991 حدث تغير جوهري في المنطقة العربية. ولا بد من استحضار الرفض المطلق للتدخل الانكلو ـ أمريكي لضرب القوات العراقية في الكويت، والمظاهرات التي عمت اغلب البلدان العربية الكبرى خصوصا في شمال افريقيا ضد ذلك التدخل. كانت الرؤية السائدة ان السماح لأمريكا بضرب العراق مناف للقناعات والمبادئ التي يقوم عليها العقل العربي الرافض للاستعمار والامبريالية والصهيونية. ولم تستطع الامبراطوريات الإعلامية المرتبطة بالدول العربية الصديقة لأمريكا تغيير تلك القناعات. ولكن ربع القرن الاخير شهد «هندسة» دقيقة للرأي العام في العالمين العربي والإسلامي. وفي غياب رافعي لواء «التقدمية» و «الاشتراكية» و العداء للامبريالية، أصبح المجال مهيأ لطروحات اخرى فرضت نفسها تدريجيا حتى نجحت في القضاء على الوعي التحرري لدى الشعوب.
بقي الوعي العربي حاضرا، يوجه مواقف الجماهير بشكل فاعل، وان كان آنذاك يمر بمرحلة حاسمة بين البقاء والفناء. وجاءت الحرب الانكلو ـ أمريكية على العراق في 2003 لتنهي حقبة من الوعي وتوجه المشاعر على طريق التطرف والتمذهب، الامر الذي ادى إلى تصدع الكيانين العربي والإسلامي، وتلاشي الوعي التحرري الذي كانت فلسطين نقطة انطلاقه ويرفض التطبيع مع كيان الاحتلال. وساهم في اضعاف التحالف غير المقدس بين القوى المعادية للحرية والاستقلال والتحرير الحروب التي شنتها «اسرائيل» على قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية وفشلها في كسر شوكتها. وهنا كان واضحا ان الشعور الفطري لدى الشعوب العربية اقوى من محاولات التخدير او التضليل. لكن ذلك الشعور لم يستطع الصمود امام الاثارات المصطنعة وفق خطوط التمايز العرقي والمذهبي، فتم التقعيد لايديولوجيات التفتيت والتقسيم والاستسلام للاحتلال والخضوع لحقائق جديدة طالما اعتبرت من المحرمات ومنها عودة الاستعمار من الشباك بعد طرده من الباب، وبناء القواعد العسكرية (هذه المرة بطلب رسمي من بعض الحكومات العربية التي تبرعت بتمويل بناء تلك القواعد مباشرة او بعقد الصفقات المليارية لشراء الاسلحة). فلم تعد قيم التحالفات القديمة مهيمنة على الوضع، لأن المزاج الذي ثار ضد القواعد العسكرية الاجنبية في الستينيات والسبعينيات، تم تطبيعه للقبول بعودة تلك القواعد مجددا، والشعور الشعبي الرافض للاحتلال تعرض للتخدير والتمييع ليقبل ليس بالتطبيع مع قوات الاحتلال فحسب، بل اعتبارها «حليفا» في الصراعات الداخلية المفتعلة بين مكونات الامة نفسها، وهي الامة التي طالما تعايشت مكوناتها بانسجام وتفاهم وحب واحترام بين الاطراف. ولم تعد أمريكا، حتى في عهد ترامب، الذي يمثل اسوأ ما تمخض عن الرأسمالية، مرفوضة، بل اصبحت الاطراف تخطب ودها في النزاعات الاقليمية، برغم تدخلاتها الواسعة في الصراعات التي يصب الزيت عليها بدون انقطاع.
من هو الصديق ومن هو العدو؟ في الحقبة التي كادت تشهد نهاية الوعي، انطلقت ثورات الربيع العربي، تعبيرا عن المشاعر المختزنة لدى الجماهير بضرورة التحرر من الاستبداد وداعميه. لكن هذه الثورات جاءت في الوقت الذي استيقظت فيه قوى الثورة المضادة واستطاعت استرداد قوتها وعنفوانها، فتمكنت من امتصاص الصدمة الاولى، وسرعان ما انقضت على تلك الثورات فمزقتها بدون رحمة. تم ذلك بمساعدة مباشرة من «القوى الامبريالية» التي كانت حتى عهد قريب، تمثل أسوأ أشكال الشيطنة والنفاق. وبكثير من الدهاء والنفاق والخداع استطاعت هذه القوى اظهار نفسها محامية عن الشعوب التي قمعتها انظمة الاستبداد. وتدريجيا غابت الحصانة التي كانت الشعوب العربية تتمتع بها ضد الامبريالية والاستعمار والتدخل الاجنبي، فاذا بالجميع يسترضي أمريكا ويستنجد بها، ويناشدها التدخل في هذا البلد او ذاك. وغاب عن الكثيرين ان أمريكا لم تدخل منطقة إلا دمرتها، كما فعلت في فيتنام ولاوس وافغانستان والصومال والعراق وليبيا واليمن. فأمريكا لا تدعم إلا مصالحها. والامر نفسه ينطبق على روسيا وبريطانيا، هذه الدول لها حساباتها الدقيقة، ولا مكان للمشاعر الإنسانية في تلك الحسابات.

. كاتب بحريني


ترامب تحول الى “بطل” في نظر الكثير من العرب والإسرائيليين معا في توافق ملفت.. هل سيطول امد هذا الاعجاب؟ وهل سيجرؤ على تكرار الضربة؟ وهل القتل بالأسلحة الكيميائية “حرام” وبالتقليدية “حلال” يا معجبين؟
عبد الباري عطوان
خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطلا شجاعا من القصف الصاروخي الذي امر به لمطار شعيرات العسكري في محافظة حمص، انتقاما لما قال انه مجزرة بالأسلحة الكيميائية ارتكبتها طائرات سورية في منطقة خان شيخون على اطراف مدينة ادلب، وراح ضحيتها مئة شخص من بينهم 30 طفلا، ومن يتابع وسائط التواصل الاجتماعي التابعة لدول ايدت القصف خاصة المملكة العربية السعودية ودول خليجية، يجد انها مليئة بالاطراء والمديح لهذا الرئيس الذي فعل ما جبن عن فعله سلفه باراك أوباما الذي وصفه البعض بـ”العبد” الأسود، وعلى الأرضية العنصرية نفسها لمعبودهم الجديد.
هذا الموقف مفهوم، وناتج عن اعتقاد، بأن الرئيس الأمريكي “الشجاع″ سيغير موازين القوى في ميادين القتال في سورية، وسيطيح بالرئيس بشار الأسد ونظامه حتما، مثلما أطاح الرئيس الأسبق جورج بوش الابن بالرئيس العراقي صدام حسين ونظامه، في مثل هذا اليوم 9 (ابريل) قبل 14 عاما، ولكن الرئيس الأمريكي قد لا يذهب حتى نهاية الشوط، ويحقق لمعجبية العرب هذه الأمنية الغالية، وقد لا يكرر الضربة نفسها تجنبا للعواقب، او لمنع الدولة الامريكية العميقة التي باتت تخشى من نتائج تهوره.
***
لأول مرة تلتقي معظم أجهزة اعلام عربية مع نظيرتها الإسرائيلية على “تأليه” رئيس امريكي، ووضعه في مكانة عليا، لم يصل اليها أي رئيس من قبل، حتى ان احد المعلقين الإسرائيليين قال ان الرئيس ترامب “اثبت بهذه الضربة انه لا يخشى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ولا يخشى أي مستمسكات لجهاز مخابراته “كي جي بي” عليه، بما في ذلك تصوره في أوضاع مخلة”.
هذا الالتقاء الإعلامي الإسرائيلي العربي (نتحدث هنا عن اعلام الدول المؤيدة لامريكا” يتوازى مع لقاء رسمي تطبيعي سياسي اقتصادي بات على وشك الانتقال من السرية الى العلنية، وربما يكون تمهيدا محسوبا له.
السيد بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي كان الأكثر وضوحا عندما اكد، وبعد ترحيبه بالضربة، انها لا تكفي لوحدها، ويجب ان تكون واحدة من سلسلة ضربات أخرى، ولا مانع ان تستهدف احداها القصر الجمهوري السوري في دمشق، وربما هذا ما شجع السيدة نيكي هيلي، مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الامن الى طمأنته بأنه من المحتمل ان تكون هناك ضربات أخرى.
لا نجزم، ومن خلال رصدنا للمواقف الامريكية وردود فعل الخبراء، بانه ستكون هناك ضربات أخرى، وليعذرنا البعض الذي ينتظرها على احر من الجمر، لان هذه الضربة لا تأتي في اطار استراتيجية أمريكية، لانها غير موجودة، وهناك من يقول “ان استراتيجية ترامب تتمثل في عدم وجود استراتيجية في سورية تحديدا”، وما شاهدناه حتى الآن، ان الرجل، أي ترامب، “يحب كل من يكرهه أوباما ويفعل كل ما تجنب فعله، والعكس صحيح في الحالتين، وهذه استراتيجية فريدة من نوعها.
القيادة الروسية تلتزم الصمت، وتتقتر في الحديث عن الرد، وكشف اوراقها الاستراتيجية بالتالي، وهذا الصمت ربما يخيف اكثر من التهديدات “العنترية”، ولكن البيان الإيراني الروسي المشترك الذي صدر اليوم، وقال “ان العدوان الأمريكي على سورية فجر الجمعة يتجاوز الخطوط الحمر”، وأضاف “سنرد بقوة على أي عدوان على سورية، وروسيا وايران لن تسمحا لامريكا ان تهيمن على العالم”، وهذا تهديد استراتيجي يتجاوز الضربة الصاروخية الى مناطق ابعد في المنطقة وربما العالم، ويؤكد ان العدوان الأمريكي قرب اكثر بين ايران وروسيا وباعد بين موسكو وواشنطن، أي انه اعطى نتائج عكسية تماما.
الطائرات السورية واصلت اليوم الاحد غاراتها على ادلب وقصفت منطقة “خان شيخون” التي وقعت فيها المجزرة، وفعل الطيران الروسي الشيء نفسه، ولم يصدر أي اعتراض امريكي، وكأن حال ترامب يقول لا مانع من استئناف اعمال القتل بالصواريخ والأسلحة التقليدية، حتى لو كان بين الضحايا العديد من الأطفال، اما استخدام الأسلحة الكيميائية فهو المحرم بالنسبة بالنسبة الينا كأمريكيين.
وزارة الدفاع الروسية سجلت نقطة تستحق التوقف عندها عندما قالت “أمريكا قصفت مطار الشعيرات بـ59 صاروخ توماهوك، وتعمدت استهداف طائرات ومخازن أسلحة، على اعتبار ان الطائرات التي قصفت “خان شيخون” بالأسلحة الكيميائية انطلقت من المطار نفسه، فلماذا لم تتسرب هذه الأسلحة والغازات من المخازن والطائرات في المطار”، ولماذا لم تؤثر على العشرات من الصحافيين والخبراء الذين زاروا المنطقة امس واليوم؟”.
لا نملك إجابة على هذا السؤال لانه موجه الى الأمريكيين والأوروبيين والعرب الذين اكدوا مسؤولية طائرات النظام عن المجزرة، ولا نعتقد انهم سيجيبون عن هذا السؤال، او غيره، لانهم لا يملكون الإجابة، واذا ملكوها فلن يعطوها لنا او غيرنا.
***
اذكر انه عندما خرج الجنرال كولن بأول، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، على العالم في مجلس الامن الدولي حاملا صورا للمعامل الكيميائية والبيولوجية العراقية المتنقلة، وملوحا بها امام العالم بأسره، لتبرير العدوان الوشيك على العراق، كنت ضيفا على قناة “سي ان ان” في مكتبها في لندن على الهواء مباشرة، لكي اقدم وجهة النظر العربية، وأكدت ومن معلومات موثقة، انه يكذب، وان جميع أسلحة الدمار الشامل العراقية دمرها المفتشون الدوليون، وحذرت من اخطار الحرب الزاحفة على العراق، كان معظم العرب عربا في حينها، وكانت محطاتهم التلفزيونية في معظمها تعارض الغزو الأمريكي، رحم الله تلك الأيام.
كولن باول امتلك الشجاعة والرجولة عندما ظهر على شاشة القناة نفسها وغيرها واعتذر للعالم عن هذه الخطيئة متألما، وقال ان المخابرات المركزية الامريكية قدمت له هذه الصور مدعومة بتقارير مضللة، مثلما اعتذر أوباما عن ضرب ليبيا، وقال انه أسوأ قرار اتخذه في فترتي رئاسته، وتبين ان من قدم هذه المعلومات الكاذبة عراقي اسمه رافد الجنابي جندته المخابرات الامريكية بالتعاون مع الدكتور احمد الجلبي، وقابلته في لندن في محطة بريطانية وهو يشارك في فيلم وثائقي، وانتهى به الحال ككل العملاء في العراء، واخر اخباره كان يعمل نادلا في معطم “بيرغركنغ” للوجبات السريعة في مدينة المانية.
نختم بالسؤال التالي: هل سيعتذر ترامب عندما يكتشف لاحقا حقيقة الجهة التي استخدمت الأسلحة الكيميائية في “خان شيخون”؟ وهل سيعتذر الذين ايدوا شجاعته وصفقوا له، ونسوا انه الرئيس العنصري الذي منع السوريين، أيا كان الخندق الذي يقفون فيه، من دخول أمريكا الى جانب مواطني خمس دول عربية وإسلامية أخرى؟
مرة أخرى لا ننتظر إجابة، ولا نتوقع اعتذارا من احد، مثلما لم نتوقع او ننتظر اعتذارا مماثلا من بعض اشقائنا العراقيين والليبيين الذين اكتشفوا الحقيقة متأخرين جدا، وبعد خراب البلدين.. والأيام بيننا.


 هل لقن بوتين نظيره ترامب درسا في ضبط النفس؟ وهل امتص السوريون آثار الضربة الصاروخية فعلا؟ وهل يعتذر الرئيس الامريكي مثلما اعتذر اردوغان؟ وهل تسرعت الحكومات الخليجية بتأييدها للعدوان الامريكي؟
عبد الباري عطوان
بعد مرور حوالي 48 ساعة على القصف الصاروخي الامريكي لمطار الشعيرات السوري في محافظة حمص، هناك العديد من الاسئلة التي تطرح نفسها، ليس على صعيد حصر الارباح والخسائر فقط، وانما عن اسباب عدم الرد الروسي على هذه الصواريخ التي شكلت اختبارا لالتزامها بالدفاع عن حلفائها السوريين، وغيرهم في العالم، والصورة التي ستكون عليها العلاقات بين القوتين العظميين في المستقبل، وانعكاسات الدعم العربي والخليجي بالذات لهذا العدوان الامريكي.
لم يظهر الرئيس دونالد ترامب بمظهر الرئيس القوي الذي يختلف عن سلفه “الضعيف” باراك اوباما، وانما ظهر كرئيس “متهور” يمكن ان يورط بلاده في حروب اقليمية وعالمية، الامر الذي اثار العديد من علاقات الاستفهام حول اهليته لاتخاذ قرارات الحرب والسلام، ودفع اصواتا في الكونغرس تطالب بضرورة العودة الى المشرعين الامريكيين قبل توجيه اي ضربات اخرى في سورية او غيرها.
في المقابل ظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمظهر الزعيم الاكثر حكمة، والاقدر على ضبط النفس من خلال تجنب المواجهة، وهو الذي جرى ابلاغه بالضربة الامريكية وموعدها قبل عشرين دقيقة حسب تأكيدات بوريس اوفياتسوف، رئيس لجنة خبراء الامن في البرلمان الروسي، والذي اكد ايضا ان ثلث الصواريخ، اي 23 من 59 صاروخا اصابت اهدافها فقط، وكان معظمها، اي الصواريخ، قديمة انتهى عمرها الافتراضي، والطائرات التي اصابتها هي ست طائرات فقط، وكانت غير صالحة للطيران اساسا وتحت الصيانة.
***
اهم ما قاله اوفياتسوف في مقابلة مع قناة “روسيا اليوم” ان الصواريخ الروسية من طراز “اس 400″ و”اس 300″ المتطورة هي لحماية الطائرات والجنود الروس، وليس لحماية السوريين، ولهذا لم يتم التصدي للصواريخ الامريكية، ولكنه اكد ان مجلس الامن القومي الروسي قرر تقديم المزيد من الدعم لسورية، دون ان يؤكد ان هذا الدعم يشمل الصواريخ المذكورة المتقدمة.
السيدة نيكي هيلي، مندوبة امريكا في مجلس الامن الدولي تحدثت عن احتمالات الاقدام على ضربات اخرى في سورية، وربما يكون التعاطي معها، اي الضربات، مختلفا عن المرات السابقة خاصة اذا استمرت روسيا على موقفها في تعليق التفاهمات التي توصلت اليها مع الادارة الامريكية حول تأمين الطائرات والحيلولة دون حدوث مواجهة جوية او عسكرية.
عندما اسقطت تركيا طائرة روسية اخترقت اجواءها لثوان معدودة في استعراض تركي للقوة، تحلت القيادة الروسية بضبط النفس، وردت بفرض عقوبات اقتصادية، واجبرت الرئيس رجب طيب اردوغان على الاعتذار بطريقة مهينة، ولذلك ربما يفيد التأني وعدم التسرع في الاحكام، والعبرة في النهايات.
من المؤكد انه سيكون هناك رد روسي على هذه الاهانة، وحتى ولو كانت الخسائر المادية والبشرية السورية محدود، رغم ان المطار المستهدف لم يتضرر بشكل كبير، وعادت الطائرات تواصل استخدام مدرجه ومنشآته كالمعتاد، وقد يأتي هذا الرد في الوقت الملائم اذا لم يتم تطويق الازمة بما يرضي القيادة الروسية.
التأييد العربي الخليجي السريع، ومنذ الدقائق الاولى للضربة الامريكية العدوانية على بلد عربي كان لافتا ايضا، والشيء نفسه يقال عن التهور التركي الذي لم يتوقف عند حد المباركة والاطراء، وانما ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، عندما طالب الرئيس اردوغان ورئيس وزرائه بن علي يلدريم بالمزيد من الضربات لان ضربة واحدة غير كافية.
مثل هذه المواقف المتسرعة قد تنعكس سلبا على اصحابها، فدول الخليج نفسها في الخندق المعادي لروسيا دون مبرر، وتركيا التي وقع رئيسها اتفاقا مع نظيره الروسي يقضي بزيادة التبادل التجاري الى مئة مليار دولار سنويا لتلافي ازماتها الاقتصادية المتفاقمة قبل شهر فقط، ستجد نفسها في موقف حرج للغاية، خاصة ان علاقاتها مع جيرانها الاوروبيين متوترة، ومع واشنطن ضبابية، لان الاخيرة تفضل التعامل مع الاكراد، وتثق بهم كحلفاء يمكن الاعتماد عليهم.
القيادتان الروسية والسورية امتصتا الضربة الصاروخية الامريكية حتما، بغض النظر عن كونها تكتيكية وآثارها محدودة، وابقيتا خياراتهما مفتوحة، ولكن ادارة ترامب بدأت تدخل الآن مرحلة احصاء الخسائر، وتقدير حجمها، او بالاحرى تبعات اليوم التالي للضربة، فالحرب على الارهاب التي تحظى بالاولوية منيت بضربة اكبر، والتنسيق مع الروس انهار جزئيا او كليا، ولوح زجاج الثقة بين القوتين على الارض السورية وغيرها، انكسر وتشظى وقد يصعب اصلاحه.
***
توجية ضربات عسكرية بناء على اخبار ووقائع غير دقيقة، ودون تحقيق دولي محايد، بل وبدون تفويض من الشعب او مشرعيه، ينطوي على الكثير من التهور والحماقة، علاوة على كونه يتناقض مع كل ما ورد في برنامج ترامب الانتخابي حول معارضته التدخل العسكري الخارجي، وسورية بالذات، ورفع شعار “امريكا اولا”.
يتواجد على ارض سورية والعراق اكثر من 7000 جندي امريكي، وعشرات الطائرات، وهؤلاء سيكونون في دائرة الخطر في الايام والاشهر المقبلة، مما يزيد من احتمالا التورط الامريكي الاكبر في اوحال الحرب في البلدين، فهذه القوات قد تواجه اعداء عراقيين وسوريين، الى جانب الجماعات الارهابية التي جاءت تحت عنوان الحرب عليها، ولا ننسى ان ايران التي تملك تفوذا كبيرا في العراق وسورية تقف في خندق التحالف الروسي السوري.
ختاما نقول ان الرئيس ترامب ربما حصل على تصفيق حار من بعض الدول الخليجية التي انتعشت آمالها بإمكانية اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد ونظامه بعد ست سنوات من الاحباط، ولكن هذا التصفيق محدود الاثر، وسيتبخر بسرعة، ولا نستبعد ان تكون هذه الدول هي الخاسر الاكبر، ليس ماديا من حيث تمويل اي حرب، او مواجهات عسكرية بين قوى عظمى على الارض السورية، وانما استراتيجيا ايضا، الم تعض هذه الدول اصابع الندم على تأييدها لامريكا وحربها على العراق، واطاحة نظام الرئيس صدام حسين، والبكاء دما على توسع النفوذ الايراني فيه؟
لا ننتظر جوابا من احد.



 الاخبا ر
مغامرة ترامب: اشتغل الوضوح!
ابراهيم الأمين
ليس بالأمر السهل توجيه الشكر الى عدو على أفعاله المجرمة. لكن، في حالة الولايات المتحدة الاميركية، يبدو من الواجب شكر قيادتها على إعفائنا من بذل جهد كبير، وتمضية وقت طويل في محاولة إقناع الأقربين قبل الأبعدين بأن أميركا، مثل الشيطان، لا تتغير. إنها الدولة التي تعيش على موت الآخرين.

قرار دونالد ترامب بشنّ العدوان على سوريا كان أمراً مريحاً. لقد عانى العالم أياماً عصيبة من الانتظار، حاول خلالها الرئيس المجنون أن يظهر صورة مختلفة عن أسلافه. لكن المشكلة ليست في سلوكه. إنها المؤسسة. إنها مصدر القرار الذي لا يقف عند حسابات رئيس أو حزب أو فريق. إنها غرفة النقاش والتباين حول أي نوع من القتل يراد تنفيذه بحق من لا ينتظم في الصف. وكل تباين يبرز، ولو لبعض الوقت، لا يعدو كونه مساحة إضافية يحتاج إليها صاحب القرار، كي يختار الوسيلة التي تناسبه للقيام بالفعل نفسه: القتل!
ترامب ليس باراك أوباما، بل هو أقرب الى جورج بوش. إنه جنون العظمة الذي يحتاج الى دماء كثيرة، لإثبات الذات بين أهله وبين نظرائه وعند شعوب يعتقد أنه الرجل الذي اختاره الله ليحكمها.
عقلانية باراك أوباما لم تكن هي العنصر المحدد لسياسات أميركا الخارجية. أوباما لم يبادر، فقط حيث لا يمكنه المبادرة. في صيف عام 2013، كان أهل القرار في أميركا يبحثون في عدوان هدفه إطاحة الرئيس بشار الاسد. وهو هدف لم يكن ممكناً تحقيقه بغير طريقة. لكن حسابات بسيطة، جعلت أهل القرار الاميركي، قبل أوباما، يدركون أن المهمة صعبة التحقق.
صحيحة هي الأنباء عن أن ترامب كان أسير حسابات جعلته يغطي المغامرة الاميركية الجديدة في منطقتنا. تبدو حساباته الشخصية متصلة بكسب رضى النخبة الامنية والعسكرية والاعلامية في أميركا نفسها، وفي العالم الابيض أيضاً. اقتنع بأن هؤلاء يقبلون به مجنوناً، شرط أن يقتصر جنونه على أفعال تطابق ما فعله في سوريا أمس. لكن ترامب، وجد نفسه مضطراً، مباشرة بعد تنفيذ العدوان، الى تذكير فريقه الضيق، قبل أهل القرار، بأنه نفّذ ما طلب منه ضمن حدود ضيقة. لكن صراخه سيُسمع فقط داخل أميركا. أما كرة النار التي ألقى بها في بلادنا، فلن تُسحب، كأن شيئاً لم يحصل.
اليوم، تفيد جردة سريعة لعشر سنوات من الحصاد الاميركي في منطقتنا، لتلمس حجم المغامرة، وحجم النتائج:
فشل مشروع احتلال العراق، وتعثر مشروع التغيير في أفغانستان، وسقط مشروع إسقاط الحكم في سوريا، ولم تنجح كل المساعي في استعادة النفوذ في لبنان. وكل جنون الحلفاء في إسرائيل والجزيرة العربية لم يفد في تعديل المشهد. حتى الاتفاق النووي مع إيران لم يكن له أي تأثير على الملفات الشائكة. وسنوات عشر من إطلاق أيدي العملاء والأزلام لم تنفع في شيء، ما جعل أهل القرار في أميركا يعودون الى الحقيقة المرة: علينا أن نقوم بالأمر بأنفسنا!
ما جرى، فتح شهية الاعداء المنتشرين من حولنا على التفكير في أمور كثيرة. في الاردن وإسرائيل وتركيا ودول الجزيرة العربية، يرقص الحاكمون فرحاً بوصلة الجنون. لكن هؤلاء يعرفون أن تورط أميركا المباشر يعطيها الحق الحصري في تحديد هامش المناورة أمام العملاء الذين سيجهدون في محاولة إقناع أميركا بتطابق الأهداف والوسائل. وهذا، بحدّ ذاته، ما سيعزز لدى محورنا الاقتناع بأن المواجهة التي انطلقت شاملة، ها هي تعود اليوم شاملة، لا تحتمل المناورات المطاطة، ولا تحتمل المزيد من الخداع. لقد أراحنا ترامب من مسلسل الاكاذيب المستمر من قبل الأتراك والأردنيين ودول الخليج العربي. كذلك سهّل علينا وضع إسرائيل أمام خيارات الضرورة.
ترامب، ربما، أرادها ضربة محصورة، ومعروفة الإطار والحدود، ويريد من روسيا أن تتفهم حرجه، وأن تغضّ الطرف، وتبلع الضربة، ولا بأس في أن تعود الامور الى ما كانت عليه قبل العدوان. لكن هل هذا ما سيحصل؟
بالتأكيد، لا. وبالجزم ان أراد البعض.
ما حصل، فتح صفحة جديدة في الصراع العالمي القائم فوق بلادنا. وما فعلته أميركا سيجلب رداً واضحاً من روسيا وإيران وسوريا وقوى المحور كافة. وهو ردّ، مهما كان ثمنه، سيبقى أقل كلفة من أي صمت. وهو ردّ لا يجب الذهاب بعيداً في تخيله. إنه الرد الذي يعطّل كل مفاعيل الضربة على صعيد المواجهة الدائرة في سوريا، أو في ما يخصّ الإقليم من حولها. وربما، سيترحم الاميركيون وكل حلفائهم على ما شهدوه في المواجهات السابقة مع المجانين في سوريا والعراق. أما التورط في تدحرج على الساحة السورية، فهذا يقودنا الى اليوم المنشود، يوم تقع المواجهة الشاملة التي لا مفر منها، لتحقيق أي تغيير حقيقي في عالم المجرم الابيض!


لضربة الصاروخية الامريكية لسورية لن تسقط الأسد لكنها ستخلط الأوراق وربما تشعل حربا إقليمية او عالمية.. هل قدمت روسيا صواريخ “اس 400″ للجيش السوري؟ ولماذا كان بعض العرب اكثر المرحبين؟ ومن سيشعل عود الثقاب؟
لم يفاجئنا القصف الأمريكي لمطار الشعيرات العسكري السوري بصواريخ توماهوك، الذي أدى الى تدمير مدرجه وست طائرات حربية، ومستودع للوقود، واستشهاد حوالي 12 شخصا بين عسكريين ومدنيين (بينهم خمسة أطفال).. لم يفاجئنا أيضا لان المبالغات والتحشيد واعمال التحريض التي استمرت طوال اليومين السابقين له، وتتمحور حول مجزرة خان شيخون الكيميائية البشعة كانت توحي بأن الضربة قادمة.
دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الجديد قال انه يدرس خياراته الانتقامية ومن بينها الخيار العسكري، ومندوبته في الأمم المتحدة نيكي هيلي قالت انه عندما يعجز مجلس الامن عن اتخاذ قرار فإن بلادها ستلجأ الى تحرك منفرد.
الادارة الامريكية أصدرت حكمها، وادانت الحكومة السورية بإرتكاب المجزرة الكيميائية في الدقائق الأولى، ولم تنتظر أي تحقيق دولي نزيه وشفاف ومحايد، مما يؤكد النظرية التي تقول ان خطط العدوان كانت معدة قبل هذه المجزرة، وانها جرى توظيفها كغطاء له.
نعم انه عدوان امريكي يذكرنا بنظرائه في العراق وليبيا واليمن تحت ذرائع تبين لاحقا انها مزورة ومفبركة، ولا تستند الى اي تفويض اممي، والهدف منه استعادة “عظمة” أمريكا، وإظهار رئيسها الجديد بمظهر الرجل القوي من خلال العدوان على دولة ضعيفة تمزقها الحرب.
***
لا نقبل من دولة مثل أمريكا، اعتدت على اربع دول عربية على الاقل وحولتها الى دول فاشلة ممزقة وساحة للحروب الدموية والإرهاب، ان تتحدث عن الإنسانية وحقوق الانسان، فهذه الدولة التي ارتكبت مجازر راح ضحيتها اكثر من مليون عراقي، ومئة الف ليبي، وشاركت في قتل 300 الف سوري، من خلال دعم حلفائها بالمال والسلاح والتدريب، وهي آخر دولة يجب ان تتحدث عن الانسانية.
قلنا ونكرر بأننا ضد المجزرة الكيميائية وندين من تسبب فيها، ونعتبره مجرم حرب، أيا كان، ولكننا نريد حقائق دامغة، يأتي بها تحقيق دولي محايد، بعد ان عانينا كثيرا من الأكاذيب والفبركات الامريكية في العراق وليبيا، ودفعنا ثمنا باهظا جدا من أرواح شهدائنا ودمائهم.
هذا العدوان ربما يتحول الى “كرة ثلج” تغرق المنطقة العربية في حروب إقليمية، او حتى دولية، فموسكو التي ادانته بقوة على لسان رئيسها فلاديمير بوتين، واكد وزير خارجيتها سيرغي لافروف “انه عدوان جرى الاعداد له مسبقا، وجاء ليعزز مكانة الجماعات الإرهابية المسلحة، ويذّكر بما حدث في العراق عام 2003″، هذا العدوان سيخلط كل الأوراق، ويعيد الازمة السورية الى المربع الأول، وينسف كل جهود السلام ومبادراته، ويصعد من احتمالات الحرب والصدامات الدموية الاوسع نظاما.
القيادة الروسية أعلنت تعليق العمل بالتفاهم الروسي الأمريكي حول ضمان امن العمليات الجوية في سورية، وقررت تعزيز الدفاعات الجوية السورية، مما يوحي انها ربما قدمت او ستقدم صواريخ “اس 300″ و”اس 400″ المضادة للطائرات للجيش السوري، وبما يؤهله لاسقاط أي طائرة أمريكية او إسرائيلية، تخترق الاجواء السورية.
هذا العدوان الأمريكي لن يسقط النظام السوري، مثلما فشل نظيره على أفغانستان، الذي جاء ردا على هجومين انتحاريين لـ”القاعدة” على سفارتي امريكا في نيروبي ودار السلام عام 1998 في القضاء على تنظيم “القاعدة”، بل جعله اكثر قوة، ودفعه للتحضير لهجوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، مع الفارق الكبير في المقارنة.
كان مؤسفا ان تكون المملكة العربية السعودية اول المرحبين بهذا العدوان، وتليها دولة الاحتلال الإسرائيلي ثم تركيا، وهذا ليس مستغربا، فالدول الثلاث يجمعها قاسم مشترك واحد وهو الانخراط في اعتداءات ضد جيرانها، الأولى في اليمن (السعودية)، والثانية في سورية (درع الفرات)، والثالثة في قطاع غزة ولبنان وسورية (إسرائيل).
***
المنطقة العربية باتت بعد هذا العدوان، تقف على فوهة بركان، وتنتظر عود الثقاب الذي قد يُحدث الانفجار الكبير، وسيكون ضحاياه العرب والمسلمين وامنهم واستقرارهم واجيالهم القادمة التي قد لا تجد الا الدمار والافلاس والجوع.
هذا ليس وقت التحليل وصف الكلام، وانما وقت الفرز بين من يقف في خندق العدوان، ومن يقف في الخندق المواجه له.. خيارنا واضح لا لبس فيه ولا غموض، نحن مع سورية، ومع شعبها بكل فئاته ومشاربه ومذاهبة واعراقه دون تفريق، وضد هذا العدوان.. تماما مثلما وقفنا ضد العدوان على العراق وليبيا واليمن، ولن نغير ولن نبدل.. والحياة وقفة عز.


 لقاء السيسي – ترامب: تحضيرات لقمة إقليمية ساخنة
تصدّر لقاء عبد الفتاح السيسي ودونالد ترامب اهتمام المحللين الإسرائيليين. فالزيارة الأولى من نوعها تأتي ضمن «طبخة» تُعدّها واشنطن للمنطقة، بدءاً من زخمة لقاءات بين ترامب وزعماء عرب، قد تنتهي في الصيف بقمة «ساخنة»... تضم بنيامين نتنياهو
بيروت حمود

لم يحتج الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تصريحاً خاصاً لدخول الولايات المتحدة الأميركية. فبلاده ليست ضمن قائمة الدول الست التي يُحرَم مواطنوها الحج إلى «مكة الغرب»، إضافة إلى كونه معروفاً كصديق للرئيس دونالد ترامب. هكذا رأى معلق الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس»، تسافي برئيل، زيارة السيسي، التي بدأت رسمياً أول من أمس لواشنطن، قبل أن يشدد على أنها «مهمة جداً لكونه زعيماً قادماً من الشرق الأوسط، إضافة إلى أنها الأولى من نوعها».

برئيل رأى أنَّ مكانة السيسي «تزعزت» على المستوى الدولي في خلال السنتين الماضيتين، وأنه برغم زيارته لبتّ قضايا سياسية، ولمحاولة تحسين مركز القاهرة، «عرف أن صداقته المتينة مع ترامب من شأنها اختصار حسم الصراع داخل الأجهزة السياسية المتنازعة في بلده، لمصلحته».
وفي رأيه، بدأ الخلاف بين مصر والولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، الذي «تعامل بشك مع الرئيسين السابقين، جورج بوش الابن، وباراك أوباما»، على أنهما «جاهلان غير عارفين بالشرق الأوسط جيداً، ويفتقران إلى المهارة والحكمة المطلوبتين لإدارة صراعات المنطقة»، ولذلك نبذ مبارك واشنطن لمدة خمس سنوات، رغم «تودد» الأخيرة.
كذلك، لم يدعُ أوباما السيسي إلى زيارة بلاده، كذلك استغرقت الولايات المتحدة عاماً كاملاً لتعترف بشرعية حكم الأخير، الذي أطاح جماعة «الإخوان المسلمون». وبرغم أن نتائج الانتخابات المصرية، التي فيها فاز السيسي، «هوّنت» على أميركا تقبّل حكمه، فقد استمرت الصعوبات، إذ رأت مصر وإسرائيل أنَّ أوباما هو «الابن غير الشرعي» لتقدم مكانة إيران، وأنه صديق لـ«الإخوان»، إضافة إلى كونه زعيماً «منافقاً» يتحدث عن محاربة تنظيم «داعش»، وإسقاط نظام بشار الأسد، وتقديم مسار السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكنه في الحقيقة لم يفعل أيّاً من ذلك كله.
ثم جاء ترامب... «ربّت الأخير كتفَ السيسي، (الرجل الرائع) كما وصفه»، وذلك بعد لقائهما الأول في نيويورك في أيلول الماضي، يقول برئيل، لافتاً إلى أن ذلك «كان علامة فارقة لبداية جديدة في العلاقات». وأضاف: «فيما فضلت هيلاري كلينتون مخاطبة السيسي في حقوق الإنسان، دخل منافسها ــ الرئيس الحالي ــ إلى صلب المسائل التي تعني السيسي، فكان الأخير أول زعيم يبارك لترامب فوزه». أمّا الليبراليون وناشطو حقوق الإنسان في مصر، الذين يقبع غالبهم في الزنازين، أو تحت الملاحقات، فأدركوا وفق المعلق الإسرائيلي، أن «ما من شيء جيد قد ينتج لمصلحتهم من الصداقة الحميمة مع أميركا ترامب».
في المقابل، كان للسيسي ثلاثة طموحات مركزية يريد تحقيقها بعلاقته بالولايات المتحدة، هي: «زيادة الدعم المالي السنوي، وزيادة الدعم العسكري للجيش المصري في معركته ضد الإرهاب، وتصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية».
يتابع برئيل: «لترامب أيضاً طموحاته، فهو يسعى إلى أن تكون مصر ذات دور فعال أكثر على صعيد مسار السلام... ويريد أيضاً أن يطمئن إلى أنَّ القاهرة لن تحيد شرقاً باتجاه خط موسكو وطهران». وبذلك، إن «اللقاء في واشنطن ليس زيارة مهمة على مستوى دولي فقط، بل هو من نوع الزيارات التي يغمس فيها الرئيسان الصديقان بسكويتاً جافاً في كوب شاي فاخر». فالسيسي يأتي إلى واشنطن بعد قمة عربية، حضرها مبعوث ترامب الخاص إلى المنطقة، جيسون غرينبلات، بصفة «مراقب على المجريات»، كذلك بعدما حادث ترامب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، والملك الأردني عبد الله الثاني، وملك السعودية، سلمان.
إذاً، هو يدخل البيت الأبيض «رئيساً ومستشاراً رفيع المستوى»، و«لا يطلب منه ترامب فقط إمطاره بالنصائح وبالتقديرات، بل أيضاً بوجهات نظره واقتراحاته لمبادرات ممكنة لدفع الصفقة التاريخية بين الإسرائيليين والفلسطينيين». لكن، هل الدول العربية، خاصة مصر والسعودية، على استعداد لتصميم اتفاق جديد يتضمن جزءاً من المستوطنات كقسم من «دولة» إسرائيل، وصيغة متفقاً عليها للقدس؟ وماذا يمكن أن يكون دور مصر في حل أزمة غزة؟ هذه بعض الأسئلة الساخنة التي تضمنها لقاء السيسي ــ ترامب، وفق برئيل.
وأضاف المعلق الإسرائيلي: «مسؤولون في الولايات المتحدة حوّلوا مسبقاً مسوَّدة الاجتماع للقاهرة، ومعها قائمة تتضمن أسماء الرؤساء الذين سيحضرون (في الاجتماع أو القمة الإقليمية المرتقبة)، «طالبين من السيسي الحضور... مع اقتراحات علمية»، مثل هل هو «مستعد لعقد قمة مشتركة مع نتنياهو... بمشاركة نتنياهو، وعباس، وعبد الله الثاني».
يخلص برئيل قائلاً: «إذا استطاع ترامب تطبيق صيغته الذهبية على قاعدة كل من تمنحه الولايات المتحدة دعماً مالياً عليه أن يدفع مقابله في السياسة، فمن المتوقع بعد هذا اللقاء أن يمارس السيسي ضغوطاً على أبو مازن». ويضيف: «الواضح حتى اللحظة أنَّ ترامب هجر فكرة إسقاط الأسد، وترك الحرب في اليمن لتدبير السعودية، وغيّب المشهد الليبي الهائج... (لذلك) سيحظى الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني بالاهتمام، لأنه الورقة الأهم بالنسبة إلى ترامب».

يريد ترامب دوراً مصرياً أكبر في مسار التسوية

وبينما اكتفت صحيفتا «يديعوت أحرونوت» و«معاريف» الإسرائيليتين، بما نقلته الصحافة عن ديبلوماسيين أميركيين حول «أفكار» بشأن عقد «مؤتمر حول عملية السلام» تجهز له الولايات المتحدة وتشارك فيه مصر في الصيف المقبل، بعث موقع «واللا»، بموفد خاص إلى واشنطن لنقل مجريات الزيارة.
وكتب موفد الموقع، عمري نحمياس، أنه «بالنسبة إلى التعاون العسكري بين الولايات المتحدة ومصر، ناقش ترامب والسيسي تجديد المناورات السنوية المشتركة التي تجري تحت اسم النجم الساطع، وكانت قد توقفت منذ إطاحة الرئيس السابق محمد مرسي».
وأضاف نحمياس، نقلاً عن باحث العلوم السياسية في معهد «FDD»، أورن كسلير، قوله: «إنّ من يتابع المجريات سيعرف أن اللقاءات بين الزعماء العرب وترامب، من بينها زيارة أبو مازن المرتقبة، التي يجري ترتيبها عن قصد». وأضاف كسلير: «هناك طبخة تُعدّها واشنطن والقاهرة»، مع ذلك، «هناك شك في تحققها، لأن مبادرة السيسي تتضمن توقفاً كاملاً للبناء خارج الخط الأخضر، ومن ضمنها شرق القدس، وهذه نقطة لن تتنازل عنها تل أبيب».
وأشار كسلير إلى أن ترامب على خلاف أوباما «الذي صوّر نفسه داعماً للديموقراطيات، وهذا ما يفسر تعاون ترامب مع قادة عسكريين كالسيسي والملك عبد الله»، كما «يحاول بتقربه منهما اختصار إنجازين مهمين: الأول محاربة داعش، والثاني الدفع بالسلام».


السيسي يعود من واشنطن كرجل أمريكا الأول في المنطقة.. وسيقود تحالفا سنيا في مواجهة ايران.. والسعودية تعود الى المقاعد الخلفية.. ودور مصري “قيادي” في اليمن وليبيا وسورية.. و”الاخوان المسلمون” ابرز الضحايا
عبد الباري عطوان
لم يحظ زعيم عربي بالاطراء والمديح من ساكن البيت الأبيض مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، منذ توقيع نظيره محمد أنور السادات اتفاقات كامب ديفيد عام 1978، فالرئيس دونالد ترامب قال بشكل واضح ومتعمد “نقف بقوة خلف الرئيس السيسي.. لقد أدى عملا رائعا في موقف صعب للغاية.. نحن نقف وراء مصر وشعب مصر بقوة”، وأضاف “أقول للسيد الرئيس ان لديك صديقا وحليفا قويا في الولايات المتحدة.. وانا أيضا”.
هذا المديح والاطراء يعني عدة أمور، ابرزها ان الرئيس الأمريكي الجديد يريد ان يتوج ضيفه المصري حليفا رئيسيا في الشرق الأوسط، يكون وبلاده، محور ارتكاز السياسة الخارجية الامريكية الجديدة في المنطقة في موازاة المحاولات الروسية رسم خريطة جديدة للمنطقة محورها ايران.
الرئيس ترامب اكد على تفعيل الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة خاصة في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون العسكري، وهذا امر متوقع من رئيس يعطي الأولوية لاجتثاث الإرهاب حتى لو جاء ذلك على حساب حقوق الانسان.
***
الرئيس السيسي سيعود الى القاهرة وقد اصبح مندوبا ساميا للولايات المتحدة في المنطقة، والفائز يثقتها ودعمها في آن، مما يعني انه سيكون رأس الحربة في كل حروبها السياسية او العسكرية المقبلة، والزعيم المتوج للحلف السني الذي تسعى لتكوينه في مواجهة ايران.
انها بداية مرحلة ونهاية أخرى، والأيام المقبلة ستشهد تحالفا عربيا إسرائيليا ضد الإسلام السياسي، بشقيه “المعتدل” او “المتطرف”، السني او الشيعي، وتجاوز الثوابت العربية في فلسطين، واحياء صوريا لعملية سلمية متعفنة، وعودة لمفاوضات عقيمة بين السلطة الفلسطينية ورئيسها من ناحية، ودولة الاحتلال الإسرائيلي من ناحية أخرى.
المملكة العربية السعودية التي كانت تحلم بالجلوس امام مقعد القيادة في المنطقة بمباركة الرئيس الأمريكي الجديد، تراجعت الى المقاعد الخلفية، وباتت مضطرة لقبول الزعامة المصرية الجديدة، والتصالح معها، والتعايش مع صعودها المتسارع، ولذلك عندما سيزور الرئيس السيسي الرياض تلبية لدعوة العاهل السعودي التي جاءت تتويجا للمصالحة “المرتبة” بين الرجلين على هامش قمة عمان العربية، سيزورها من موقع القوي وليس من موقع الضعيف التابع الذي يبحث عن مساعدات مالية، فالسعودية لم تعد تملك المليارات الفائضة، وان امتلكتها فإنها ستذهب الى ترامب في محاولة لإرضائه وامتصاص غضبته والتجاوب مع أسلوبه الابتزازي، ايثارا للسلامة.
اتفاق ترامب ـ السيسي على تفعيل الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، سينعكس على شكل دور مصري في مواجهة حركة “الاخوان المسلمين”، وافرعها في ليبيا واليمن، وانخراط حقيقي في حرب ضروس ضد تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية”، ومحاربة التمدد الإيراني في العراق وسورية واليمن أيضا.
***
الرئيس السيسي راهن على ترامب حتى قبل ان يفوز في انتخابات الرئاسة عندما التقاه في أيلول (سبتمبر) العام الماضي على هامش اجتماعات الجمعية العامة، ليس حبا به، وانما كرها بسلفه باراك أوباما، الذي رفض دعوته، وجمد المساعدات المالية الامريكية لمصر لاكثر من عامين بسبب معارضته لإطاحة رئيس منتخب بإنقلاب عسكري، ومن حسن حظ الرئيس السيسي انه كسب الرهان، واصبح الصديق الصدوق للرئيس الأمريكي الجديد، وعزز هذه الصداقة عندما لم يتردد لحظة، أي الرئيس السيسي، في سحب مشروع قرار كانت ستتقدم به مصر الى مجلس الامن الدولي بإدانة الاستيطان الإسرائيلي ووقفه فورا، بمجرد تلقيه مكالمة من الرئيس ترامب حتى قبل ان يتسلم الأخير مهامه كرئيس، فحصل الرئيس السيسي، بهذه الخطوة على “رضائين” بحجر واحد، الرضاء الأمريكي والرضاء الإسرائيلي.
المرحلة المقبلة ستكون مرحلة استقطاب طائفي واقليمي، وعرقي، ربما تتطور الى حروب مدمرة وظهور دول جديدة، وإعادة رسم لخريطة المنطقة، وسيكون دور “مصر السيسي” محوريا فيها، وفي مواجهة ايران خاصة، وبالتنسيق مع “الحليفة” إسرائيل.. اما كيف ستكون النتائج.. ومن الرابح والخاسر.. فهذا يحتاج الى الكثير من الانتظار.. والأيام بيننا.


 ترامب يتجاوز كل خطوط الوقاحة والابتزاز الحمراء عندما يطالب دول الخليج بتمويل “مناطق آمنة” في سورية واليمن.. ويهددها علنا بالصوت والصورة “اموالكم مقابل بقائكم”.. فهل هذا حليف يوثق فيه؟ وهل سيكون مصير سورية مثل مصير العراق والبوسنة وليبيا وبأموال عربية؟
تجاوز دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الجديد كل خطوط الوقاحة الحمراء، عندما ادلى بتصريح مساء السبت اكد فيه أنه “يريد انشاء “مناطق آمنة” في سورية وغيرها للاجئين وان تتحمل دول الخليج التكاليف كاملة”، ونسب اليه أيضا قوله “وماذا عندكم غير المال”.
اللافت في هذا التصريح ليس فقط نظرته الدونية الى هذه الدول العربية، المفترض انها حليفته، وانما أيضا حديثه عن عزمه إقامة مناطق آمنة أخرى في غير سورية، وانه سيرسل “الفاتورة” الى الدول الخليجية لتسديدها كاملة، وربما فوقها “اكرامية” أيضا.
فعندما يقول ترامب، ونحن ننقل عنه حرفيا من “الفيديو” الذي سجل تصريحاته هذه “الأموال الخليجية مقابل البقاء.. لا تملكون غير المال ولا وجود لكم بدوننا” فهذا يشكل ابشع أنواع الابتزاز والبلطجة، والنظرة الفوقية العنصرية.
انتظرنا ان نسمع أي رد او تعليق من قادة الدول الخليجية، او حتى امبراطورياتهم الإعلامية واذرعتها الضاربة على مثل هذه الاهانات، ولكن انتظارنا طال، ولا نعتقد ان بيانا سيصدر في هذا الصدد، فالصمت هو الخيار الذي جرى اعتماده باعتباره الاسلم، وهناك امثلة عديدة في هذا المضمار.
ترامب يتحدث حاليا عن مناطق آمنة في كل من سورية واليمن، واكد المتحدث باسمه انه وجد موافقة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز على هذا التوجه اثناء المكالمة التي جرت بين الطرفين قبل أسبوعين، وهذه الموافقة تعني استعدادا لتحمل التكاليف كاملة “من اجل البقاء”.
***
هناك ثلاثة سوابق تتعلق بإقامة مناطق آمنة، القاسم المشترك بينها جميعا هو التقسيم وتغيير الأنظمة:

الأولى: كانت في العراق، عندما فرضت كل من بريطانيا وامريكا مناطق حظر جوي في شمال العراق وجنوبه عام 1991، ودون الحصول على قرار من الأمم المتحدة لتوفير غطاء “شرعي اممي” على هذه الخطوة، وكانت هاتان المنطقتان مقدمة لغزو العراق واحتلاله وتقسيمه على أسس طائفية وعرقية تحت اسم الفيدرالية، واكد بطرس غالي امين عام الأمم المتحدة في حينها ان هذه المناطق “غير قانونية”، وكلفه هذا الموقف عدم التجديد له لولاية ثانية.
الثانية: في البوسنة عام 1992 في ذروة الحرب البوسنية الصربية، حيث اصدر مجلس الامن الدولي قرارا يحمل رقم 781 يحظر الطلعات الجوية غير المصرح بها في المجال الجوي البوسني، وادى هذا القرار الى تقسيم البوسنة.
الثالثة: استطاعت الإدارة الامريكية بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا استصدار قرار عن مجلس الامن الدولي في آذار (مارس) عام 2011 بفرض حظر جوي لحماية المدنيين في ليبيا، الامر الذي فسرته هذه الدول الثلاث على انه خط اخضر لإطاحة النظام الليبي واعدام رئيسه، وقتل اكثر من 30 الف ليبيا من جراء الغارات الجوية لطائرات حلف الناتو، وتحويل ليبيا الى دولة فاشلة تسودها الفوضى الدموية، وتعيد تقسيمها الى ثلاث ولايات.

إقامة “منطقة امنية” في سورية على مساحة خمسة آلاف كيلومتر، ربما يؤدي الى تحويلها الى منصة لتقسيم سورية الى كانتونات طائفية وعرقية متقاتلة في المستقبل، تدخل بعضها في تحالف استراتيجي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي طلبا للحماية، على غرار ما يحدث حاليا من قبل دول خليجية متخوفة من ما تصفه بالتمدد الإيراني المتصاعد في المنطقة.
تركيا ضالعة في هذا المخطط، وقواتها التي تحتل حاليا جرابلس والباب، وتخطط للتقدم نحو منبج، وبعدها الرقة، ربما تزحف لاحقا نحو العاصمة السورية دمشق، وفال ذلك الرئيس اردوغان صراحة قبل ان يتراجع بضغط روسي، وبما يكفل له، أي اردوغان، تحقيق امنيته في الصلاة في المسجد الاموي، اذا لم يتم ايقاف زحف قواته.
إدارة ترامب تخطط لاقامة تحالف خماسي عربي بمشاركة إسرائيلية مباشرة، ولكن عبر التنسيق الاستخباري والعسكري، حسب تقارير شبه رسمية أمريكية تحت عنوان محاربة ايران، ومنعها من تطوير أسلحة نووية وتهديد جيرانها، ومن غير المستبعد ان تكون المهمة الأولى لهذا التحالف في سورية، أي ارسال قوات وطائرات لفرض الحظر الجوي بالقوة، ولكن السؤال هو عن موقف روسيا من هذه الخطوة، فهل تقبل بخدعة جديدة على غرار الخدع السابقة في العراق والبوسنة وليبيا؟ ثم كيف سيكون رد سورية وحلفائها في ايران ولبنان، وهي التي اعتبرت وجود القوات التركية (درع الفرات) في أراضيها يشكل انتهاكا لسيادتها، واحتلالا لاراضيها.
***
إقامة مناطق آمنة ستكون عملية مكلفة جدا ماليا بالنسبة للدول الخليجية قد تصل الى عشرات الآلاف من المليارات، لان أمريكا وتركيا سترسل اليها فواتير كل طلعة طيران، وكل تحرك لدبابة، وكل جندي سيقتل، وطلقة ستطلق، ولتر وقود سيستخدم في تشغيل العربات المصفحة والدبابات، فهل تستطيع هذه الدول تحمل كل هذه النفقات في وقت يقترض بعضها المليارات من الأسواق المالية العالمية لتسديد العجز في الميزانيات، وتفرض إجراءات تقشف على مواطنيها؟
سورية توضع حاليا على طاولة التقسيم والتجزئة بأموال عربية، وسواطير تركية، وخرائط امريكية، انها جريمة حرب بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وصفعات مهينة لكل شيء اسمه عربي.
ترامب سيجني حتما ثمار ابتزازه المخجل والصلف هذا، وسيدفع بالدول الخليجية الى حافة الإفلاس، والمنطقة العربية الى التفتيت الواحدة تلو الأخرى، وقالها صراحة، وبكل وضوح “لا تملكون غير المال ولا وجود لكم بدوننا”.
مبروك عليكم هذا الحليف الجديد الذي سيحلبكم حتى آخر دولار، ثم يعود للتفاوض مع ايران، ويتوجها زعيمه للمنطقة تعين الولاة والحكام.. تماما مثلما كاد ان يفعل أوباما.. لولا ان الوقت داهمه وانتهت ولايته الثانية.. والأيام بيننا.


 February 18, 2017
التحالف “السني” الاسرائيلي الجديد الذي يريد ترامب ونتنياهو اقامته اكثر خطورة من القنبلة النووية الايرانية.. والدولة الفلسطينية المقترحة في سيناء ستدمر مصر ولن تكون بديلا.. ووضع “الاخوان” على قائمة الارهاب سيدفعهم الى الحاضنة الايرانية مثلما انضموا الى الحاضنة العراقية ايام صدام حسين
عبد الباري عطوان
من يتابع التصريحات المتلاحقة التي تصدر هذه الايام عن الرئيس الامريكي دونالد ترامب ونائبه مايك بنس حول “الخطر الايراني” الذي يهدد امريكا وحلفاءها في المنطقة، يعتقد ان الحرب باتت وشيكة جدا، وان صواريخها المجهزة برؤوس ذرية، جاهزة للانطلاق لضرب اهداف في المملكة العربية السعودية ودولة الاحتلال الاسرائيلي.
فاجأنا السيد بنس اليوم عندما “اكد” ان ادارته ستبذل كل جهد ممكن لمنع ايران من امتلاك اسلحة نووية تهدد اسرائيل، ولا نفهم كيف ستملك ايران هذه الاسلحة وهي ملتزمة بإتفاق مع الدول الست العظمى، يحظر عليها تخصيب اليورانيوم لمدة 15 عاما مقبلة؟
السؤال الذي يحيرنا، ويصعب علينا ايجاد اجابة عليه يتعلق بالاسباب والمبرارات، التي تدفع الادارة الامريكية الجديدة لقرع طبوب الحرب، وتشكيل التحالفات العسكرية والسياسية في المنطقة لمواجهة ايران، وهي التي لم يمض عليها في الحكم غير ثلاثة اسابيع فقط، فهل ترى هذه الادارة اخطارا لم ترها الادارة السابقة، ومعها كل الدول الاوروبية، التي تفاوضت لاكثر من عامين لتوقيع الاتفاق النووي؟
***
لا نعتقد ان هناك خطر ايراني، وانما هناك محاولة لاحيائه وتضخيمه من قبل الادارة الحالية، وبتحريض من بنيامين نتنياهو، من اجل قيام “شرق اوسط” جديد على اسس مختلفة، عنوانه الابرز هو تشكيل حلف جديد يضم الدول العربية السنية الرئيسية، وهي معظم دول الخليج، علاوة على مصر والاردن وتركيا، وبما يؤدي الى “تذويب” القضية الفلسطينية، او تخفيضها الى مراتب دنيا على سلم اولويات المنطقة والعالم.
بنيامين نتنياهو “فيلسوف” هذا الشرق الاوسط الجديد ومنظّره، قال في مقابلة مع محطة تلفزة امريكية (سي ان ان) انه يريد سلام شامل في الشرق الاوسط بين اسرائيل والدول العربية، واضاف بأن دولا عربية كثيرة لم تعد تعتبر اسرائيل عدوا، بل حليفا في مواجهة ايران و”الدولة الاسلامية”.
الرئيس الامريكي ترامب اعلن تبنيه لما سماه بـ “المقاربة الاقليمية” التي يتحدث عنها نتنياهو، واكد سفيره الجديد في تل ابيب ديفيد فريدمان الداعم الاكبر لسياسة الاستيطان الاسرائيلية، “ان العرب والاسرائيليين يوحدهم القلق من ايران وهي دولة داعمة للارهاب”.
لان نعرف من هم هؤلاء العرب الذين لا يذوقون طعم النوم بسبب القلق والرعب من ايران، فهل الجزائريون، والمغاربة والمصريون والاردنيون والليبيون والسودانيون، ومعظم السوريين والعراقيين، اي الغالبية الساحقة من العرب يقلقهم فعلا الخطر الايراني، ويرون في اسرائيل المنقذ والمخلّص مثلا؟
لا ننكر مطلقا ان بعض الاسر الحاكمة في الخليج، وعلى رأسها الاسرة السعودية، تشعر بهذا القلق، وتحاول تصديره الى شعوبها، تماما مثلما شعرت بالقلق نفسه، او اخترعته، من الرئيس الراحل صدام حسين، وقبله الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت في ذروة الاطمئنان والسعادة والاسترخاء اثناء وجود الشاه محمد رضه بهلوي الذي كان يتباهى بفارسيته، واحتقاره للعرب وعلاقاته الاستراتيجية باسرائيل.
ترامب وحليفه نتنياهو سيوحدان طرفي المعادلة المذهبية الاسلامية، اي السّنة والشيعة ضدهما، والحلفاء العرب الذين سينضوون تحت شرقهما الاوسطي الجديد الذين يريدان اقامته، مثلما سيوحدان “ارهاب” الطرفين ايضا الذي يمكن ان ينشأ كرد فعل على هذا التحالف الجديد، الذي لا نعتقد انه يملك اسباب القوة والمنطق التي تعتبر ضرورية لاستمراره ونجاحه في تحقيق اهدافه، ويذكرنا بالمصير الذي آل اليه حلف بغداد المشابه.
كان لافتا الحملة الشرسة التي شنتها المملكة العربية السعودية لاجهاض الزيارة المزمع ان يقوم بها الرئيس الايراني حسن روحاني الى الجزائر عبر اذرعتها الاعلامية الضاربة على “التويتر”، ووسائط التواصل الاجتماعي الاخرى، ولكنها تبخرت وبسرعة فور وصول السيد روحاني الى عاصمتين خليجيتين هما الكويت وسلطنة عمان، مما يعكس صعوبة هذه المهمة التحريضية في المستقبل.
***
ما يجعلنا اكثر يقينا بأن هذا الحلف العربي الاسرائيلي الجديد سيجد مقاومة شرسة، هو عدم ارتكازه على اسس عادلة لحل القضية الفلسطينية، وطرح بدائل ربما تفجر الدول المرشحة للانضمام اليه، ونقصد هنا كل من مصر والاردن خصيصا.
فالحل المطروح كبديل لحل الدولتين هو ما تردد على استحياء مؤخرا، وهو اقامة دولة فلسطينية في سيناء لتوسيع قطاع غزة، وضم الضفة الغربية للاردن، ولا نعتقد الشعب المصري الذي يعارض بقوة وبأغلبية ساحقة التنازل عن جزيري “صنافير” و”تيران” المهجورتين في مدخل خليج العقبة للمملكة العربية السعودية سيقبل بهذا الحل، كما ان الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يقبل مثل هذه الحلول البديلة.
اما الحديث عن وضع حركة “الاخوان المسلمين” على قائمة الارهاب من قبل الادارة الامريكية كمكافأة لحلفاء اسرائيل الجدد من العرب، فان هذا سيصب في مصلحة ايران، وسيجعل الحركة تقوي علاقاتها معها، وهي علاقات كانت قوية في السابق، تماما مثلما وقفت الحركة في خندق الرئيس العراقي صدام حسين ايام حرب الكويت في مواجهة العدوان الامريكي، ونجزم بأن هذه الحركة ستقف في اي خندق مناهض للخندق الذي يقف فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
ان قمة الغباء في رأينا ان يراهن بعض الحكام العرب على الرئيس ترامب الذي تحاربه اقوى مؤسستين في امريكا، وهما الاعلامية الامنية، وتعملان بشراسة على تقويض اسس حكمه، علاوة على التحالف مع نتنياهو الذي يجسد العنصرية الاسرائيلية في ابشع صورها، ويعمل ليل نهار على تهويد مدينة القدس المحتلة.
هذا التحالف العربي الاسرائيلي الجديد في حال قيامه سيكون قنبلة تفجير للمنطقة، وربما للدول المنضوية تحت لوائه، وهي قنبلة اكثر خطورة من قنابل ايران النووية الوهمية بكثير.. وسيكون لنا اكثر من عودة الى هذا الموضع في الايام المقبلة.التحالف “السني” الاسرائيلي الجديد الذي يريد ترامب ونتنياهو اقامته اكثر خطورة من القنبلة النووية الايرانية.. والدولة الفلسطينية المقترحة في سيناء ستدمر مصر ولن تكون بديلا.. ووضع “الاخوان” على قائمة الارهاب سيدفعهم الى الحاضنة الايرانية مثلما انضموا الى الحاضنة العراقية ايام صدام حسين


 الحيات
إسرائيل راقبت عن كثب انتخاب سنوار وعلاقته بإيران تقلقها
آخر تحديث: الأحد، ١٩ فبراير/ شباط ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) القدس المحتلة –
آمال شحادة
تابعت القيادات السياسية والعسكرية في إسرائيل، الانتخابات الداخلية في «حماس» خطوة خطوة. لا بل حاولت التأثير فيها من الخارج. وهي تعترف الآن بأن انتخاب هذا الرجل، الذي أمضى قادة مخابراتها ساعات طويلة في الحوار معه داخل السجون الإسرائيلية، يخلق وضعاً جديداً، ترد عليه بطريقتها الشهيرة: عصوَان وجزرة واحدة. فمن جهة تعرض عليه هدنة طويلة الأمد وإغراءات حقيقية تتمثل في بناء ميناء بحري وتفعيل المطار وتوفير 40 ألف فرصة عمل لعمال من غزة في إسرائيل ومن جهة ثانية تهدد حياته شخصياً وتهدد أهل غزة به.
الحكاية بدأت مع انطلاق مسار الانتخابات الداخلية في «حماس». فعندما أعلن رئيس المكتب السياسي والرجل الأول فيها، خالد مشعل، أنه سينهي مهماته ويعتزل، اهتمت إسرائيل جداً بمعرفة من سيحل محله. فهي تدرك أن من سيحتل هذا المنصب سيكون طرفاً في العلاقات المركبة بينهما. وعندما بدأت الانتخابات الداخليةللحركة في السجون، تابعتها. وليس سراً أنها أتاحت لرجال «حماس» الأسرى في سجونها إجراء هذه الانتخابات من دون عراقيل. فلم تمنع الأسرى من الحراك. وأتاحت اللقاءات والاتصالات بينهم. وانتظرت نتائج الانتخابات في المناطق الأخرى: قطاع غزة والضفة الغربية والخارج. وعندما بدا أن إسماعيل هنية هو المرشح الأقوى للحلول محل خالد مشعل، في قيادة «حماس» القطرية، راحت تهتم بمن سيحل محل هنية في القطاع، باعتباره الساحة المركزية التي تدخل في احتكاك معها.
وعندما علمت أن يحيى سنوار هو أحد المرشحين الأقوياء لهذا المنصب، راحت تطلق تهديداتها. وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، وزعيم المستوطنين، وزير المعارف، نفتالي بينت، وكذلك رئيس أركان الجيش، غادي آيزنكوط، صرحوا بأن الحرب المقبلة مع «حماس» ما هي إلا مسالة وقت. واعتمدوا في ذلك على ما اعتبروه «جهوداً كبيرة من حماس للإعداد للحرب المقبلة بواسطة شق شبكة أنفاق ضخمة تحت الأرض في القطاع وكذلك على الحدود مع إسرائيل».
وعندما تم إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل من القطاع، قبل أسبوعين، ردت إسرائيل بقصف جنوني على القطاع. ومع أنها تعرف أن من أطلق الصاروخ جماعة سلفية، وأن «حماس» ليست راضية عن هذا الإطلاق بل تحاربه، اختارت إسرائيل أن تقصف نحو 20 موقعاً لـ «حماس» بالذات على مدار ساعات عدة.
وحاول المعلقون معرفة سبب هذا الرد غير المألوف. منهم من اعتبره تغييراً في السياسة الإسرائيلية يفرضه ليبرمان بوصفه وزير دفاع جديداً. ومنهم من رآه رداً على تعاظم قوة «حماس». وهناك من رآه محاولة لجرها إلى مواجهة. لكن أحداً لم ينتبه إلى أن هذا القصف هو رسالة إلى أعضاء مجلس الشورى الذين يجتمعون لانتخاب قادتهم الجدد.

سنوار في عيون الإسرائيليين
إسرائيل تعرف سنوار منذ اعتقاله أول مرة في سنة 1982، وهو ابن 20 عاماً. متابعة نشاطه جعلته مطلوباً دائماً لها، وحتى عندما لم تجد ما تتهمه به اعتقلته إدارياً مرات عدة. وفي المرة الأخيرة، اتهمته بالمسؤولية عن سلسلة عمليات ضدها، وحكمت عليه بالمؤبد 4 مرات . تعلّم اللغة العبرية وبات يتقنها حديثاً وكتابة. وكان يفاوض إدارة السجون حول حقوق الأسرى. وتم ضبطه مرات عدة وهو يحاول الهرب من السجن. وقال للمحققين أنه يفضل الموت على البقاء في السجن.
فوضعوه داخل زنزانة ضيقة.
شقيقه محمد سنوار كان مسؤولاً عن إحدى جبهات القتال في «كتائب شهداء القسام»، الجناح العسكري للحركة. ويقال أن له دوراً أساسياً في أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شليط، سنة 2006، وغرضه من ذلك هو التفاوض على إطلاق سراح شقيقه. ونجح في هذه المهمة. وأطلق سراح يحيى فعلاً ضمن صفقة شليط لتبادل الأسرى.
اعتبرت إسرائيل انتخابه نقلة غير مسبوقة في الحركة، إذ إن تعيين قائد عسكري في القيادة السياسية، يعكس، بالنسبة لإسرائيل، تغييراً ملموساً في التوجهات الداخلية لـ «حماس» وتعزيز قوة الخط المتطرف. وبالنسبة للقيادات العسكرية والاستخبارية في إسرائيل، فإن سنوار أقوى الشخصيات في الجناح العسكري. وهو شخصية متطرفة لكنه معروف بنظافة اليد، ما أكسبه شعبية كبيرة من جهة، وأتاح له متسعاً من الحرية ليضرب بيد من حديد كل من يتهم بالسرقة والفساد. وهو أسس جهاز الأمن الداخلي في حركة «حماس» «مجد»، الذي شكل ذراعاً استخبارية للحركة. ولم يتردد في إعدام أحد القادة البارزين، محمود إشتيوي، بدعوى سرقة 6 ملايين دولار.
وقد اعتمدت إسرائيل في حملة التحريض على «حماس»، عموماً، والسنوار، في شكل خاص على تصريحات مسؤول فلسطيني يقول فيها أنه يتوقع قيام سنوار بإجراء تغييرات داخلية وهيكلية كثيرة، وتوجيه سياسة تختلف عن سياسة سابقه إسماعيل هنية. لكن الجانب الأكثر أهمية لإسرائيل من هذه التصريحات أن السنوار يرى في «حزب الله» نموذجاً له وأنه يقيم علاقات وثيقة مع إيران.

العصا والجزرة
المقولة الأكثر اقتراناً بسنوار وأخطاره على إسرائيل، هي «الحرب على الصهاينة». وهي مقولة جعلت الإسرائيليين مختلفين في سبل التعامل معه.
الداعون إلى عدم التهاون يصفونه بـ «الفلسطيني الذي خلق تعاوناً مع تنظيم الدولة الإسلامية - داعش»، وهؤلاء على قناعة بأن تعيين مسؤول عسكري في القيادة السياسية لـ «حماس» هو الدليل على ضرورة تغيير قواعد اللعبة، ولكن هناك من رأى أن شيئاً لن يتغير من جهة إسرائيل، فإن عداء سنوار لإسرائيل، لا يزيد عن عداء إسماعيل هنية أو خالد مشعل وهو الذي وقع، على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في العامين الأخيرين، وحرص على سريان الهدوء على امتداد الحدود.
مستشار الأمن القومي السابق، غيورا إيلاند، اقترح على الحكومة الإسرائيلية والأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية استخدام سياسة العصا والجزرة في غزة وإحداث تغيير في السياسة، وليس فقط الاستعداد حسب الطريقة القديمة للمواجهة غير المستحيلة. غير أن إيلاند تبنى لهجة الإسرائيليين التحريضية الدموية ضد الفلسطينيين فوصفه بصاحب «الأيدي الملطخة بالدم الذي يفاخر بقتل 12 متعاوناً مع إسرائيل» و «القائد الفلسطيني الذي سيضع مسألة اختطاف الجنود الإسرائيليين على رأس أولوياته لتكون ورقة المساومة القوية لتحقيق إنجاز كبير له في تحرير أسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وفق إيلاند فإن سياسة «حماس» باتت اليوم متشددة أكثر. فبينما كانت تعمل وفق تسوية بين الجناح المدني، الحذر نسبياً، بقيادة إسماعيل هنية، وبين الجناح العسكري، باتت اليوم قيادة عسكرية متشددة وسيكون هدفها الأول مواصلة السيطرة على غزة.
بالنسبة لإيلاند فإن سياسة العصا والجزرة هي الأنجح تجاه سنوار، من دون استخدام القوة العسكرية ويقول: « في جانب العصا، وبمساعدة الإدارة الجديدة في واشنطن، يمكن إجراء تغيير حاد في الطريقة التي تم اتباعها في الماضي، والتوضيح لحماس، عبر وسيط ثالث كتركيا، بأنه إذا لم يتم الحفاظ على الهدوء، فسيتم منع وصول أي مساعدات اقتصادية إلى غزة».
توجه إيلاند في هذا الجانب يكمل موقف نتانياهو الذي رفض الصمت أمام حرب استنزاف من «حماس» في غزة. ووفق إيلاند على «حماس» أن تدرك تماماً أن إطلاق قذائف وصواريخ على إسرائيل يعني حرمان غزة من أدنى المتطلبات الحياتية. وفي الخطوات العملية التي يطرحها إيلاند «عندما سيبدأ إطلاق الصواريخ والقذائف تجاه إسرائيل يُتخذ قرار بإغلاق معبر كرم أبو سالم فوراً. وإغلاق المعبر يعني عدم وصول الوقود والغذاء وحتى الدواء. أما في جانب الجزرة، فيمكن إسرائيل، وفق إيلاند، تشجيع مشاريع ترميم البنى التحتية في غزة، بخاصة إقامة ميناء، وكل ذلك بالتعاون مع حكومة غزة. كما سيتم استثمار مئات الملايين في بناء محطات للطاقة ومنشآت لتحلية مياه البحر، الأمر الذي سيوفر لسكان غزة الكهرباء المتواصلة لمدة 24 ساعة يومياً، وليس كما يحدث اليوم – ست ساعات فقط.
وقد زاد الوزير ليبرمان على ذلك، فقال في مقابلة موجهة إلى أهل غزة عبر موقع الإنترنت الجديد، الذي يديره منسق شؤون المناطق الفلسطينية في الجيش الإسرائيلي، بولي مردخاي، أنه مستعد للسماح لحكومة «حماس» ببناء ميناء بحري وإعادة فتح مطار غزة وإقامة مصانع على الحدود مع غزة تؤمّن 40 ألف فرصة عمل وحل مشكلة الكهرباء والماء، ولكن بشرط أن تحرر المواطنين الإسرائيليين المحتجزين لديها (عربي من النقب ومواطن من أصل إثيوبي) وجثتي الجنديين المحتجزتين أيضاً لدى «حماس» وشطب البند الذي يتحدث عن إبادة إسرائيل في ميثاق «حماس».

توافق كويتي - إيراني على التنسيق والتضامن الإقليمي واتخاذ خطوات لإرساء الاستقرار وتجنّب الخلافات
فيما أكد سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد على «ضرورة التنسيق والتضامن بين دول المنطقة في الظروف الاقليمية الراهنة واتخاذ الخطوات في مسار ارساء الاسلام والاستقرار»، دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني كذلك من جهته إلى «ضرورة التنسيق والتضامن بين دول المنطقة وتجنب الخلافات، والوقوف جنباً الى جنب والتصدي للأفكار المثيرة للخلافات، وحل أي مشاكل بالحوار».

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (ارنا) عن سمو الأمير وروحاني خلال لقائهما أول من أمس تشديدهما على «أهمية الوحدة والتضامن بين الدول المسلمة والجارة، وضرورة تبادل الرأي والتعاون والتنسيق لإيجاد الأمن والاستقرار والتنمية بين دول المنطقة».

وذكرت الوكالة ان سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد اعتبر ان «الاوضاع الراهنة في المنطقة تتطلب من جميع الدول ان تكون لها علاقات جيدة في ما بينها».

واشار سمو الأمير - وفقا لـ «ارنا» - الى العلاقات الطيبة والوثيقة بين البلدين، مؤكدا «استعداد الكويت لتوسيع وتعميق العلاقات مع ايران في جميع المجالات»، ومعرباً سموه عن شكره لمواقف ايران خلال احتلال الكويت من قبل نظام صدام، موضحا ان «ايران وقفت الى جانب الكويت ابان احتلال صدام، ومن هذا المنطلق فانها تعرب عن تقديرها للشعب الايراني».

ومن جهته، أشار الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى المشتركات الثقافية والتاريخية والدينية بين ايران والكويت والعلاقات الاخوية والودية بين الشعبين على مر التاريخ وقال «هنالك الكثير من الطاقات لتعميق وترسيخ العلاقات بين ايران والكويت في مختلف الابعاد حيث يمكن تفعيلها كلها في مسار مصالح الشعبين وكذلك المنطقة».

ودعا الرئيس الإيراني إلى «تفعيل اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي لاسيما لتعريف الناشطين الاقتصاديين في القطاع الخاص بالبلدين على الامكانات المتبادلة للتعاون»، معربا عن امله في «إقامة روابط متينة بين المستثمرين والقطاع الخاص في البلدين للاستفادة من الفرص المتاحة في اطار تطوير العلاقات الثنائية».

واضاف ان «البلدين تربطهما علاقات وثيقة من الناحية السياسية، ومن الضروري تنمية وتوسيع ورفع العلاقات الاقتصادية كذلك الى مستوى العلاقات السياسية، كما ان لإيران والكويت فرصا كبيرة للتعاون في مجال الترانزيت وممر الجنوب - شمال، حيث يمكن الاستفادة من الامكانات المتبادلة لتحقيق مصالح البلدين وشعوب المنطقة».

واعتبر روحاني ان «العلاقات بين ايران والكويت ليست مجرد علاقات اقتصادية، وانما ثمة امكانات كثيرة للتعاون في المجالات الثقافية والعلمية والتقنيات الحديثة»، مشيراً إلى ان «تطوير العلاقات المصرفية يعتبر ركيزة اساسية لتنشيط التعاون الاقتصادي بين البلدين»، ومبدياً استعداده التام «لتنمية العلاقات مع الكويت على جميع الاصعدة، ومن ضمنها الاستثمارات المشتركة في مختلف المشاريع».

وتطرق الى القضايا الاقليمية لاسيما خطر الارهاب، وقال ان «المشاكل الكبيرة في المنطقة مثل الارهاب تشكل خطرا عالميا وشاملا، وان السبيل الوحيد لمواجهته والقضاء عليه، هو وقوف جميع دول المنطقة والجوار الى جانب بعضها بعضا، ومن الضروري ان تتحد في مواجهة الارهاب». واكد الرئيس الايراني على «ضرورة التنسيق والتضامن بين دول المنطقة وتجنب الخلافات»، وقال: «على الجميع اليوم بصفتهم اخوة في الدين والاسلام الوقوف جنبا الى جنب والتصدي للأفكار المثيرة للخلافات، ومن الضروري متابعة رسالة القرآن الكريم بقوة والتي تؤكد على الاخوة الاسلامية»، مجدداً تأكيده على ان «جميع الخلافات القائمة في المنطقة بالامكان تسويتها عبر الحوار»، وقال: «اننا نعتبر الحوار السبيل الوحيد لحل المشاكل وسوء الفهم بين دول المنطقة».

الجارالله: زيارة روحاني ناجحة وبكل تأكيد ستسهم في الحوار


وصف نائب وزير الخارجية خالد الجارالله، زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني بأنها كانت ناجحة، متطلعا أن تسهم في ترسيخ أسس الحوار الخليجي - الإيراني، وفق ما تضمنته رسالة سمو الأمير إلى القيادة الإيرانية، والتي حملها النائب الأول لسمو رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ صباح الخالد، وتضمنت أسس الحوار الذي يجب أن ينطلق بين دول التعاون وإيران.

وأضاف الجارالله على هامش حفل تخريج دفعة من الديبلوماسيين في المعهد الديبلوماسي أمس «اعتقد أن هذه الزيارة تصب في هذا الإطار وستسهم في بلورة رؤى مشتركة وتوافق مشترك بين الجانب الخليجي والإيراني في ما يتعلق بالحوار الذي نأمل به ونتطلع إليه، والذي يشكل أساسا لأمن واستقرار هذه المنطقة».

وعما إذا حملت زيارة روحاني ردا إيرانيا ايجابيا على رسالة سمو الأمير في شأن الحوار، قال إن «الزيارة ايجابية وناجحة وهي بكل تأكيد ستسهم في هذا الحوار»، مضيفا في شأن تطرق القيادتين خلال الزيارة إلى العلاقات الثنائية، أن «أساس الزيارة وهدفها هو الحوار وتمركزت الزيارة حول الحوار وأسسه».

السفير الإيراني لـ«الراي»: لا علاقة للتصريحات الأميركية بتوجهنا للحوار


| كتب خالد الشرقاوي |

أكد السفير الإيراني لدى الكويت الدكتور علي رضا عنايتي، أن تبادل الزيارات والرسائل بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكويت، كان تأكيدا على الرغبة الصادقة بين الطرفين الإيراني والخليجي للتعاون، وإزالة كل ما يعكر صفو العلاقات، يعود عمرها إلى أكثر من سنة أي قبل إجراء الانتخابات الأميركية، ونجاح الإدارة الجديدة، ما يدحض ما يقال إن التوجه الإيراني للحوار جاء بسبب التصريحات الأميركية الأخيرة تجاه إيران.

وأضاف عنايتي في تصريح لـ«الراي»، أن«الرسائل بين إيران ودول المجلس كانت بهدف استمرار الحوار البناء بين دول المنطقة بما يعود بالنفع على شعوب المنطقة الجارة الأقرب لإيران»، لافتا إلى أن«ما يجمع إيران بجاراتها أكثر مما يفرقهما لأنهما أمة إسلامية واحدة».

وتابع أن«علاقاتنا الإقليمية أكبر من تتأثر بمثل هذه الأمور، حيث إننا جيران منذ آلاف السنين».


 الشرق الاوسط
طهران تدعو الخليج إلى «تثمين فرصة» زيارة روحاني
مسؤول إيراني: التقارب مع عُمان والكويت مؤشر على ضرورة عودة العلاقات الإقليمية الودية
الأربعاء - 19 جمادى الأولى 1438 هـ - 15 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13959]
لندن: عادل السالمي
بعد نحو ثلاثة أسابيع من تسلم الرئيس الإيراني حسن روحاني رسالة من أمير الكويت عادت الحركة للمياه الراكدة في العلاقات الخليجية الإيرانية، وأعلنت طهران أنه سيقوم اليوم بجولة سريعة يبدأها من عمان قبل أن تهبط طائرته في الكويت في إطار سعي الحكومة الإيرانية لترميم العلاقات مع دول مجلس التعاون، ودعا المساعد السياسي في مكتب روحاني حميد أبو طالبي «الدول الصديقة» في الخليج إلى استغلال الفرص، وذلك في ظل المخاوف المتزايدة من طهران من شهور صعبة مقبلة مع الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.

وأعلن مكتب الرئيس الإيراني على لسان الناطق باسمه برويز إسماعيلي في وقت متأخر أول من أمس أن روحاني سيتوجه على رأس وفد رسمي رفيع يضم عددا من ممثلي القطاع الخاص، وتهدف الزيارة لبحث العلاقات الثنائية وإبرام اتفاقيات تجارية. قبل أن يوضح المساعد السياسي في مكتب الرئيسي الإيراني حميد أبو طالبي، أمس عبر خمس تغريدات نشرها في حسابه الرسمي على شبكة «تويتر» تطلعات روحاني في زيارة اليوم ومحاور مفاوضاته مع كبار المسؤولين في مسقط والكويت.

وقال أبو طالبي عبر حسابه في «تويتر» إن «مبادرة» روحاني بزيارة عمان والكويت جاءت تلبية لدعوة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وسلطان عمان قابوس بن سعيد، معتبرا الزيارة «مؤشرا على ضرورة الصداقة والأخوة الإسلامية والعودة للعلاقات الإقليمية الودية»، كما اعتبرها «إنذارا» على ضرورة «إنهاء الخلافات الدينية والصراعات الطائفية والعنف الإرهابي وقتل الأبرياء والمشردين والتوتر الإقليمي المتزايد في المنطقة».

في ثالث تغريدة قال: يمكن أن تكون زيارة روحاني «بداية» تؤكد ضرورة «وقف تدمير البلاد الإسلامية وتدمير اقتصاد المنطقة وضياع رأس المال والرفاهية في دول المنطقة». وكتب في الرابعة أن الزيارة «بشارة» على تفاهم كل الدول المحيطة بالخليج العربي في تأمين الأمن المشترك والقتال الموحد والإرهاب والعنف والتطرف. وطالب أبو طالبي دول المنطقة بـ«تثمين فرصة» زيارة روحاني، وفضل المسؤول الإيراني ختام رسائله الموجهة للجيران العرب باللغة العربية قائلا إن «الفرص تمر مر السحاب فاستغلوا فرص الخير».

ويزور روحاني مسقط، في حين لم تعرف بعد هوية السفير الإيراني منذ انتهاء مهمة السفير السابق علي أكبر سيبويه، إلا أن الحكومة الإيرانية أشادت في عدة مناسبات بدور مسقط في التوسط بين طهران وواشنطن حول الملف النووي، والذي توج بعد ثلاث سنوات في يوليو (تموز) 2015 بالتوصل إلى الاتفاق النووي.

وتنظر طهران إلى خطوة زيارة روحاني اليوم في الكويت أنها مقدمة لخطوات مقبلة قد تؤدي إلى الانفراج في الاجتماع مع جيرانها في الخليج لبحث الخلافات على طاولة المفاوضات.

وتقول إيران إنها تريد علاقات طبيعية ومتوازنة مع دول الخليج في وقت تعرضت لإدانات متزامنة من مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بسبب التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.

ويأتي توقيت الزيارة بعد مرور أسبوع من التلاسن بين الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترمب وإيران إثر تجربة صاروخ باليستي، وقالت مصادر أميركية إن البيت الأبيض يدرس الخطوات المقبلة التي يمكن أن تتبعها الإدارة من الاتفاق النووي بعدما وعد ترمب خلال حملته الانتخابية بإعادة النظر في الاتفاق، وتزامن ذلك مع مشروع أميركي يصنف الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية.

وخلال مقابلة مع القناة الرسمية قال نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي: «على الإدارة الأميركية أن تأخذ مصالحها الإقليمية بعين الاعتبار».

ورجحت أوساط إيرانية أن يكون اختيار توقيت الصواريخ مع بداية ترمب ردا من الحرس الثوري الساخط تجاه ضمانات قدمتها طهران للجانب الكويتي حول وعود إيرانية بالتعاون مع الدول العربية في العراق وسوريا من أجل تخفيف التوتر، ومن ضمن الوعود إعادة النظر في تعيين مستشار قائد فيلق «القدس» إيرج مسجدي في منصب السفير الإيراني لدى العراق. كما رجحت مصادر إعلامية إيرانية أن يكون المسؤول الكويتي ناقش قضية التوسط بين طهران والرياض، إلا أن المتحدث باسم الخارجية الإيراني رفض تأكيد أو نفي ذلك قبل أن يعود في آخر مؤتمر صحافي له الأسبوع الماضي وينفي وجود وساطة كويتية بين طهران والرياض.

وتعول طهران على علاقاتها مع عمان والكويت لتطبيع العلاقات مع دول مجلس التعاون ومنها السعودية والإمارات، رغم أنها أعلنت في وقت سابق عدم الحاجة للوساطة بينها وبين جيرانها لبحث الخلافات والعودة إلى العلاقات الطبيعية.

وخلال زيارة وزير الخارجية الكويتي صباح خالد الصباح قال وزير الخارجية الإيراني إن دول المنطقة بحاجة إلى الحوار والتعاون من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتسلم روحاني رسالة من أمير الكويت في نهاية يناير (كانون الثاني) ولم تنشر تفاصيل الرسالة بعد لكن خلال هذه الفترة تبادل الطرفان رسائل تعبر عن ترحيب البلدين. وأثار تحفظ الجانبين والتصريحات المتباينة بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والمتحدث باسم الخارجية بهرام قاسمي أسئلة حول الرسالة الكويتية إلى طهران. وفي اليوم نفسه قال قاسمي إن طهران منفتحة على علاقات مع السعودية شرط أن تتخذ الرياض خطوات من أجل ذلك.

وتتعامل الحكومة الإيرانية بحذر مع الملفات الساخنة على صعيد السياسة الخارجية خشية تدخل جهات داخلية متنفذة قبل حصولها إلى نتائج.

داخليا، يحظى تخفيف التوتر مع الجوار العربي خاصة مع دول الخليج العربي أهمية بالغة لروحاني، نظرا لتأكد مشاركته في الانتخابات الرئاسية المقبلة من أجل تولي رئاسة ثانية.

ورغم وعوده بخروج إيران من العزلة الإقليمية والدولية لكن روحاني أخفق خلال السنوات الأربع الماضية من تخفيف التوتر، واتخذت علاقات إيران بدول مجلس التعاون مسار التراجع في ظل الرفض الإيراني للتجاوب مع مطالب الدول العربية بوقف تدخلاته في شؤونها الداخلية.

وكانت الصحف الإيرانية المقربة من روحاني أعربت عن تفاؤلها تجاه تصدع السور الذي ارتفع بمقاييس غير مسبوقة في جيرانها العرب منذ تفجر الربيع العربي، والعودة إلى مشاريع تصدير الثورة التي تمثلت بإطلاق مشروع «الصحوة الإسلامية» برعاية مستشار خامنئي في الشؤون الدولية علي أكبر ولايتي.

خلال الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الإيراني دعمه لمقترح الزعيم الإصلاحي محمد خاتمي. وفق ما ذكرته وسائل إعلام إصلاحية فإن المبادرة جاءت نتيجة إحساس في البيت الإصلاحي بضرورة التوصل إلى انسجام داخلي بعودة شبح الحرب إلى إيران مع وصول الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب، والتحرك البريطاني في تعزيز العلاقات مع دول الخليج.

من جانب آخر، فإن الرئيس الإيراني لا يرغب في أن يكون صاحب أسوأ سجل في العلاقات مع الجيران في مجلس التعاون الخليجي، ويتطلع روحاني لإضافة ورقة أخرى إلى ملف ترشحه في ظل مخاوف الشارع الإيراني من مواجهة إيرانية أميركية تلوح في الأفق.

ويأمل روحاني في تحسين العلاقات مع الجيران وتعزيز فرص حكومته الاقتصادية قبل توجيه أول خطاب انتخابي له خلال حملة الدفاع عن كرسي الرئاسة لأربع سنوات مقبلة. وترى حكومة روحاني أن طريقها لتشجيع الاستثمار الأجنبي في الدخول إلى الاقتصاد الإيراني يمر عبر التهدئة مع دول الخليج.


عبدالعزيز التويجري
بوادر انتكاسة أميركية؟
النسخة: الورقية - دولي الثلاثاء، ١٤ فبراير/ شباط ٢٠١٧ (٠٠:٠ - بتوقيت غرينتش)
حينما وصفت في مقال سابق كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطاب التنصيب، بأنه يتعارض مع الدستور الأميركي ويخالف القوانين الأميركية (الحياة، 1/2/2017)، فإنني كنت واثقاً أن الشعب الأميركي لن يرضى به أو يسكت عنه، فها هو، بطوائفه وأعراقه ومكوناته، وبقياداته القضائية والديبلوماسية والسياسية والإعلامية، وبنخبه الأكاديمية والفكرية والثقافية، يقف في وجه الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي الجديد بحظر مواطني سبع دول من العالم الإسلامي من دخول الولايات المتحدة، وها هي قيادات دول أوروبية نافذة تعرب عن رفضها هذا الإجراء، وتعتبره من قبيل السياسات العنصرية البالغة الخطورة. بل ذهبت جريدة «نيويورك تايمز» بعيداً في رفضها لأمر الرئيس ترامب، فخصصت موضوع افتتاحيتها لعدد يوم الإثنين (30/1/2017) للتنديد القوي به، تحت عنوان صريح للغاية يختصر الكلام في هذا الموضوع: «حظر ترامب للمسلمين جبان وخطير». و قالت فيه باختصار شديد، إن الأمر يعكس «كراهية الأجانب والخوف من الإسلام».
ولا شك في أن أمر الرئيس ترامب هذا، هو ترجمة عملية لما قاله في خطاب التنصيب من عزمه على «محاربة الإرهاب الإسلامي المتطرف ومحوه من الأرض»، فضلاً عن أنه استكمال للأقوال المتطرفة والأفكار المتناقضة مع روح القانون الأميركي التي عبر عنها خلال حملته الانتخابية، مما يجوز معه أن نقول إنّ هذا الأمر الرئاسي ما هو إلا مقدمة للسياسة التي سيتبعها هذا الرئيس الأميركي الجديد الذي ظهر على العالم فجأة، ليزعزع الاستقرار في السياسة العالمية والعلاقات الدولية، وليدفع بسياسة بلاده نحو التطرف الغارق في اليمينية المتوحشة، التي لا تلقي اعتباراً للقيم المثلى التي قامت عليها الولايات المتحدة الأميركية في أول عهدها بالتأسيس. ولذلك يصح أن نقول، تبعاً للواقع الحالي، إن ما خفي سيكون أعظم خطراً وأبعد تطرفاً، وإن العالم سيرى في المواقف التي ستتخذها الإدارة الأميركية الجديدة شراً كثيراً، وإن المستقبل قد لا يكون مأموناً في ظل هذا الوضع الدولي المستجد.
وفي ظل هذه الأجواء الملبدة بسحب التطرف اليميني الشرس الجارف والنزعة الشعبوية المتعجرفة الجانحة، يتعاظم الخطر الإرهابي الذي يهدد الولايات المتحدة في المقام الأول، قبل غيرها من دول العالم. فمن شأن هذه الأوامر الرئاسية التي يصدرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شكل يومي، أن تخلق بؤراً جديدة للتوتر، وأن تؤدي إلى تأجيج الكراهية وإذكاء العنصرية والتحريض على التمييز العرقي والديني، وأن تدفع في اتجاه توسيع مساحات الاضطرابات في شتى المناطق، التي ستمهد لاندلاع أزمات قد لا يكون من السهل السيطرة عليها. فهذه السياسة لا تليق بدولة عظمى تتربع على قمة دول العالم، وأخطارها الصادمة للرأي العام الأميركي أولاً ثم الرأي العام العالمي، تتزايد باستمرار. وتلك مخاطرة ستكون لها عواقب جسيمة، ليس على المستوى الداخلي فحسب، ولكن على المستوى الخارجي أيضاً. وهو الأمر الذي يعني بصريح العبارة، أن شعوب العالم ستخسر كثيراً، وأن الشعوب العربية والإسلامية سينالها من تلك الخسارة النصيب الأكبر، ما لم تتهيأ وتعدّ العدة لمواجهة أسوأ الاحتمالات.
إن العالم بعد صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة غيره قبله. ويخشى من انتكاسة وشيكة في السياسة العالمية، سيكون لها انعكاسات خطيرة على الأمن والسلم الدوليين. فهذا الرئيس يوصف داخل بلاده بأنه «هجومي وشعبوي وانتقامي»، وتدل ردود الفعل التي صدرت عنه تجاه الانتقادات الواسعة لأوامره على أنه «مندفع، معاند، ومتعجرف، ولا يأبه بالانتقادات التي توجه لسياسته الجديدة». وتلك علامات الخطر الذي بات يحدق بأكبر دولة في هذا العالم. فقد وصف الرئيس ترامب حكم القاضي الفيدرالي لمحكمة سياتل (ولاية واشنطن) الذي قضى بتعليق الأمر التنفيذي الرئاسي، الذي أصدره في شأن منع دخول مواطني سبع دول عربية وإسلامية إلى أميركا، وصف هذا الحكم القضائي بأنه سخيف. وتلك سابقة تضع صاحبها تحت طائلة القانون. فأول ما يعرف طلاب كليات الحقوق أن أحكام القضاء واجبة الاحترام ولا يقدح فيها. ولكن يظهر أن الرئيس الأميركي الجديد تغيب عنه هذه المعلومات الأولية. وتلك مصيبة مضاعفة.
وإذا نظرنا إلى هذه الأزمة، وهي فعلاً أزمة بكل المقاييس، من منظور الفكر الحضاري، متجاوزين الفكر السياسي، سنجد أننا نواجه تراجعاً معيباً في الموقف الأميركي الذي يترتب على السياسة التي تتبعها الإدارة الأميركية الجديدة، مما ينبئ بانتكاسة بالغة الخطورة، ستضر بسمعة أميركا وبمصالحها لا محالة، وستضعف هذه الدولة العظمى، ولربما ستدفع إلى تمزيق النسيج المجتمعي الأميركي. ذلك أن ثمة نذراً تجمعت خلال الفترة الأخيرة، تؤكد للمراقب الحصيف المتأمل بعمق في الحالة الأميركية في عهد الرئيس الجديد، أن بوادر «الانتكاسة الحضارية» بدأت تلوح في الأفق، وأن الاستقرار الأميركي صار مهدداً، وبالتالي فإن الرخاء الذي يعيش المواطنون الأميركيون في كنفه، بات معرضاً للخطر، وأن السياسة العالمية، تبعاً لتلك المتغيرات، ستدخل منعطفاً لم تدخله من قبل، وأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على وجه الخصوص، ستكون أكثر مناطق العالم تضرراً من هذه الانحرافات والتحولات العنيفة التي ستقع في الدولة العظمى الأولى.
وليست هذه مجرد سياسة عنصرية ينهجها الرئيس دونالد ترامب، ولكنها سياسة ضد الدستور الأميركي، وميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقبل ذلك كله هي سياسة تتعارض كلياً مع روح الرسالات السماوية، والمبادئ الإنسانية، والقيم التي بشر بها حكماء العالم وقادة الفكر والرأي عبر العصور. وهو الأمر الذي يثبت، بصورة قاطعة، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يقود سفينة جانحة وسط أمواج صاخبة. وفي ليل دامس. فهل ينقذ عقلاء أميركا وحكماؤها هذه السفينة من الغرق؟
لو قال الرئيس الأميركي إنه سيحارب الإرهاب والإرهابيين لصفّقنا له وأيدناه، لكنه قرن هذا الإرهاب بالإسلام، والإرهاب جريمة لا دين لها. وهذا هو موطن رفضنا لتصريحاته وتوجّهاته التي تدلّ على أن وراء الأكمة ما وراءها.


* أكاديمي سعودي


 الاخبار لبنان
لقاء نتنياهو ــ ترامب: «التهديد الإيراني» أولاً
يلتقي غداً الرئيس الأميركي دونالد ترامب و«صديقه القديم» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. اللقاء «التاريخي» الذي يتوّج «فرحة» إسرائيلية بساكن البيت الأبيض الجديد، سبقته توصيات كثيرة تدعو إلى التروّي ووضع سقف توقعات معقول، خصوصاً أن تصريحات الرئيس «النارية» بدأت تبرد
بيروت حمود
قُبيل المغادرة إلى واشنطن أمس، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه على «قيادة التحالف التاريخي بين البلدين، لصالح المصلحة الإسرائيلية الوطنية»، مؤكداً أن هناك تشاركاً في الرؤية بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن التهديدات الكبيرة في المنطقة، ولكن أيضاً بشأن الفرص التي تكمن فيها.
وقال «سنتحدث عن هذين الأمرين وعن توسيع هذا التحالف المتين بين إسرائيل والولايات المتحدة في مجالات كثيرة للغاية».
وذكر نتنياهو أن «التهديد الإيراني» سيكون على رأس برنامج لقائه مع ترامب، مشدداً على أنه «حتى لو كان ذلك على حساب البناء في المستوطنات». وهو ما أشارت إليه أيضاً صحيفة «معاريف» التي قالت إن «نتنياهو سيبحث مع الرئيس الأميركي الملف النووي الإيراني ومستقبل الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني».
ولفتت الصحيفة إلى أنّ نتنياهو أجرى في الأيام الأخيرة مناقشات كثيرة حول اللقاء مع رؤساء الأجهزة الأمنية وهيئة الأمن القومي ووزارة الخارجية، وأنه خرج بخلاصة أن الاعتبار الأول هو الاهتمام قبل كل شيء «بأمن إسرائيل وتعزيز التحالف المتين مع الولايات المتحدة».
مع ذلك، أكد نتنياهو لوزراء حزبه أنه «يخطئ من يظن أنه لا توجد قيود في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب»، قبل أن يضيف مؤكداً «بالرغم من أن الوضع في هذه المرحلة أسهل وأفضل مقارنة بولاية الرئيس السابق باراك أوباما، لا يعني ذلك أن نفكر أنه لا توجد قيود».
تصريح نتنياهو الذي سيجتمع غداً مع ترامب في البيت الابيض، جاء بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» كردّ على مطالبة زعيم حزب «البيت اليهودي» نفتالي بينت، ووزيرة القضاء إيليت شاكيد، بإقناع ترامب بإزالة حل الدولتين عن جدول أعمال الأخير، وتكثيف البناء في المستوطنات، وضم مستوطنة «معاليه أدوميم».
واللافت أنه قبيل انطلاق رحلته أمس، أوضح نتنياهو أنه «يجب أن نأخذ في الحسبان شخصية ترامب الخاصة، ومن الأفضل أن نتعامل معه بحذر لا أن نواجهه».
فرغم أن نتنياهو نفسه ومعه وزراء حكومته سارعوا، بحسب الصحيفة، إلى «فتح زجاجات الشمبانيا قبل ثلاثة أسابيع، احتفالاً بدخول ترامب البيت الأبيض»، معتبرين أن فوزه بالرئاسة يشكّل «فرصة لتكثيف الاستيطان ودفن حل الدولتين»، سعى نتنياهو خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) إلى التوضيح أن التوقعات من ترامب حول هذه المسائل قد تكون «مبالغاً فيها» أو حتى «غير واقعية»، علماً بأن مستشار نتنياهو السياسي، يوناتان شيختر، أوضح لوزراء الكابينت أنه بعد الفحص تبيّن له أن معظم التصريحات المنسوبة لمقربين من ترامب حول البناء في المستوطنات «قيلت من دون موافقة الرئيس الأميركي».
ورداً على مطالبات وزرائه بإزالة حل الدولتين من جدول أعمال الرئيس الأميركي، قال نتنياهو إنه «ينبغي استغلال الفرصة بانتخاب ترامب، إلا أن الأخير ليس موجوداً في جيب إسرائيل»، في إشارة إلى أنه لا يخضع للإملاءات الإسرائيلية. وأضاف نتنياهو شارحاً أنه «خلال محادثة هاتفية بيني وبينه، بعد يومين من تنصيبه، سألني عن كيفية التقدم في العملية السياسية مع الفلسطينيين، فأجبته بأنهم لا يريدون الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية... وردّ بأنه بالإمكان إقناع الفلسطينيين بتقديم تنازلات لأنهم يريدون السلام».
في السياق، لفت المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، الى ما سمّاه حرباً كلامية تدور في «الكواليس» بين الرئاستين الأميركية والإيرانية: ترامب قال الجمعة الماضي إن «من الأفضل للرئيس الايراني حسن روحاني أن يكون حذراً في كلامه»، وذلك رداً على خطاب الأخير الذي ألقاه لمناسبة ذكرى الثورة الإسلامية، وقال فيه إنه «يجب التحدث باحترام إلى الشعب الإيراني»، وأن «من يخاطب الإيرانيين بلغة التهديد والوعيد سيندم على ذلك».
وأضاف أنّ ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، قبل أسبوع، عن سعي ترامب لدق إسفين في التحالف المتنامي بين إيران وروسيا، وإقناع الأخيرة بالعمل جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة للحدّ من نفوذ طهران، «لن يكون بالأمر السهل». فبحسبه، فرص نجاح هذه السياسة مقارنة مع واقع الأمور على الأرض «ضعيفة جداً، إذ إن إيران وروسيا تعاونتا معاً في الحرب السورية وحققتا انتصاراً كبيراً ساهم في بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة». وأضاف «يمكن الافتراض أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتقد أنه يمكنه الاستمرار في المناورة بين الايرانيين وصديقه الجديد ترامب من دون الانحياز لأحد الطرفين».
ففي مقابلة نشرت أول من أمس في صحيفة «يسرائيل هيوم»، نفى ترامب أنه يريد عزل إيران عن روسيا، ورفض التعليق على إمكانية العودة إلى نظام العقوبات الدولية على طهران، كذلك تجنّب الإشارة بصورة مباشرة إلى أي موقف تجاه الإيرانيين، مكرراً فقط أنه «على إيران أن تكون شاكرةً لمعاهدة فيينا... لأن الاتفاق المدهش الذي حصلت عليه كان نتيجة لإرادة مجموعة من الأشخاص العديمي الخبرة وليس لديهم أدنى فكرة عمّا فعلوه»، في إشارة إلى الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
بناءً على ذلك، رأى هرئيل أن التوقعات التي وضعتها حكومة نتنياهو بشأن الخطوات الحاسمة ضد إيران من قبل ترامب يجب أن تكون ضمن «السقف الواقعي والمعقول». وأضاف أنه بالرغم من وعوده لاستعادة عظمة أميركا، ترامب بعد أسابيعه الثلاثة في الحكم بدأ يتراجع عن تصريحاته العدوانية تجاه الصين، أمّا نقل السفارة الأميركية إلى القدس فقد تأجل إلى أجل غير مسمى، أضف إلى ذلك تحدّي كوريا الشمالية له بإعلانها نهاية الأسبوع الفائت اختبار صاروخ باليستي.
وتساءل المحلل الإسرائيلي، إذا كان الرئيس الأميركي تراجع عن كل ذلك، فهل سيستمر في حربه الكلامية ضد الإيرانيين؟ والأهم هل سيتخذ خطوات فعلية ضدهم؟
وفي هذا الإطار، رأى رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي عاموس يدلين أنه «يجب أن تتحول الكلمات والتصريحات إلى أفعال، وأن على نتنياهو الذي وضع الموضوع الإيراني على رأس سلم أولويات اللقاء مع ترامب، العمل بالتوصيات التي قدمها المعهد في هذا الخصوص منذ عامين»، لافتاً إلى أن «إيران وحليفها حزب الله هما التهديد الاستراتيجي الأعظم لإسرائيل، ولذلك يجب العمل على تشكيل جبهة إقليمية تقودها الولايات المتحدة ضد الأنشطة الايرانية في المنطقة، الامر الذي من شأنه أن يحقق استقراراً في الشرق الأوسط».
ورأى يدلين في تقريره بعنوان «اختبار للرئيس ترامب في ثلاث جبهات مقابل إيران» أن إنشاء مثل هذه الجبهة الإقليمية «سيدخل تعديلات جوهرية في الموضوع الفلسطيني». وأضاف «بإمكان ترامب توقيع اتفاقيات مع الحلفاء، تمهد لعقد مؤتمر إقليمي بمشاركة الولايات المتحدة والدول الخليجية السنيّة وإسرائيل تحت هدف مشترك هو إقامة جبهة إقليمية لمواجهة التهديدات الإيرانية والتقدم في عملية السلام».
وشدد رئيس المعهد على من شأن هذه الخطوة أن «تعزز المصالح الإسرائيلية على النحو الامثل والأكثر أهمية على المدى الطويل... هذا يمكن أن يكون فرصة تاريخية استراتيجية لاثنتين من أهم قضايا الأمن القومي الإسرائيلي: التهديد الايراني والاتفاق مع الفلسطينيين».

العدد ٣١٠٤ الثلاثاء ١٤ شباط ٢٠١٧


 ماذا يجري في مصر؟.. ومن الذي يقف خلف مسلسل التسريبات الذي تتناسل حلقاته؟ ولماذا جزيرتا “صنافير” و”تيران” هذه المرة؟ وما هو تفسير هذا الصمت المصري الرسمي تجاهه؟
عبد الباري عطوان
أثار التسريب الاحدث لمكالمة هاتفية بين وزير الخارجية المصري سامح شكري، واسحق مولخو،   المستشار القانوني والسياسي لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول مسألة السيادة على جزيرتي “صنافير” و”تيران” المتنازع عليهما بين مصر والمملكة العربية السعودية، العديد من علامات الاستفهام حول كيفية وصول هذا الشريط الى محطة تلفزيونية مصرية معارضة تبث من اسطنبول “مكملين”، وحجم التنسيق الامني والسياسي بين الحكومتين المصرية والاسرائيلية في هذا الملف.
النقطة الاهم الواردة في هذه المكالمة، تلك التي اكد خلالها السيد شكري الذي ناقش بعض بنود الاتفاقية مع المستشار الاسرائيلي، ان مصر لن تقبل اي تعديلات عيلها دون موافقة مسبقة من الحكومة الاسرائيلية.
لا نفهم لماذا يتم مثل هذا التنسيق والتشاور بين الحكومتين المصرية والاسرائيلية حول جزيرتين عادتا الى السيادة المصرية بمقتضى اتفاقات كامب ديفيد، فما دخل الطرف الاسرائيلي في اي اتفاقات تتعلق بشأنهما، سواء ارادت السلطات المصرية ان تحتفظ بهما ام لا، ولماذا تكون الموافقة الاسرائيلية المسبقة على هذه الاتفاقات، او اي تعديل لها شرطا لتطبيقها واعتمادها، وبين بلدين عربيين تكرران مسألة السيادة الوطنية ليل نهار.
***
عندما تتكرر حلقات مسلسل هذه التسريبات لمكالمات هاتفية لوزير خارجية دولة بحجم مصر، سواء كانت بينه وبين رئيسه، مثلما هو الحال في مكالمة سابقة، او بينه وبين مستشار رئيس الوزراء الاسرائيلي، فإن هذا يشكل اختراقا امنيا واخلاقيا على درجة كبيرة من الخظورة، اللهم الا اذا كانت جهة استخبارية مصرية تقف خلفه من اجل ايصال رسائل الى اطراف متعددة، وهذا التصرف تقدم عليه اجهزة مخابرات عربية واجنبية اذا رأت انه يخدم مصالح حكوماتها.
ايا كانت السبب، او الجهة التي تقف خلف هذه التسريبات فانها في كل الاحوال تسيء الى مصر، وحكومتها، وسمعتها العربية والدولية، وتظهر مدى هشاشة جبهتها الداخلية الرسمة، الامنية والسياسية معا، فاذا كانت مكالمات وزير الخارجية، وقبله رئيس الجمهورية، فان هذا يعني عدم وجود اي حماية لاسرار الدولة المصرية، وان الاختراق الامني وصل الى رأس الهرم، ومكتبه الشخصي.
ومن المفارقة اننا، والشعب الصري بطبيعة الحال، لم نسمع عن اجراء تحقيقات حول كيفية حدوث هذه التسريبات، ومن يقف خلفها، حتى كتابة هذه السطور، كما لم نسمع او نقرأ عن مثيلاتها اثناء حدوث تسريبات مماثلة، معاقبة المتورطين فيها، اللهم الا اذا كانت سرية، ولكن استمرارها، وبالوتيرة نفسها ربما ينفي حصولها اصلا، سرية كانت او علنية.
فتح ملفي الجزيرتين، “تيران” و”صنافر”، وفي مثل هذا التوقيت الحق اضرارا ضخمة جدا بالبلدين اللذين يتنازعان السيادة عليهما، الامر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول هذه المسألة برمتها، ولا نعتقد ان هناك مكاسب كبيرة تعود الى مصر من جراء الاحتفاظ بهما، مادية او استراتيجية خاصة في ظل اتفاقات السلام المصرية الاسرائيلية والتنسيق العسكري بين البلدين، كما اننا نجزم بأن استعادة المملكة العربية السعودية لهما سيضيف لها الكثير، وهي التي تملك آلاف الجزر في البحر الاحمر وحده، وتدرك جيدا انها صخرية غير مأهولة، ولا يوجد في جوفها او جوارها البحري، اي نفط او غاز او معادن ثمينة او غير ثمينة.
***
مصر تواجه صداعين حاليا، “صداع″ الجزيرتين ومستقبلهما، وما ترتب عليه من توتر في العلاقات مع السعودية، و”صداع″ التسريبات الذي قدم ويقدم لمعارضي الحكومة اوراقا ثمينة للتشكيك في شرعية الحكم، والاهتراء الخطير في مؤسساته، والامنية من بينها خصوصا.
نجزم بأن معظم، ان لم يكن كل، انواع الاسبرين ومشتقاته، والادوية المماثلة له، لن تنجح في القضاء عليهما، لانهما اصبحا صداعين “مزمنين”، وبأعراض حانبية تتضخم يوما بعد يوم، وتستعصي على الاحتواء ناهيك عن العلاج.


 الشرق الاوسط
إيران تتوعد ترمب: سنجعلك تندم ولا تفاوض على «الاقتدار الصاروخي»
مظاهرات في ذكرى الثورة على وقع هتافات «الموت لأميركا»... وروحاني يزعم مشاركة 80 مليون شخص
السبت - 15 جمادى الأولى 1438 هـ - 11 فبراير 2017 مـ رقم العدد [13955]
لندن: «الشرق الأوسط»
استغلت طهران احتفالات الذكرى الثامنة والثلاثين للثورة، أمس، لتصعيد لهجتها ضد الولايات المتحدة، وتأكيد تمسكها بعدم التفاوض على «الاقتدار الصاروخي»، في إشارة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الذي أعلنت بسببه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقوبات جديدة الأسبوع الماضي.
وتوعد الرئيس الإيراني حسن روحاني أمام المتظاهرين في وسط العاصمة على وقع هتافات «الموت لأميركا»، بـ«جعل من يستخدم لغة التهديد (ضد إيران) يندم على ذلك»، في إشارة إلى ترمب. وقال «نعيش ظروفًا خاصة في المنطقة والعالم... تسلم مبتدئون مقاليد الحكم في العالم وفي أميركا، وليعلم هؤلاء جميعًا أنهم يجب أن يكلموا الشعب الإيراني باحترام وأدب، وإن الشعب الإيراني سيرد على التهديدات. ليعلم من يهددون حكومتنا وقواتنا المسلحة أن شعبنا متحد ومتعاون وسيقف بوجه المعتدين حتى النهاية»، بحسب وكالة «تسنيم» الإيرانية.
وأكد أن «إيران لا تسعى إلى تأجيج الوضع والتوتر في المنطقة والعالم، لكنها ستقف بقوة في وجه من يطمعون بأرضها، وسترد بصوت واحد على تسلط جميع التيارات، وسنقول هنا إيران عرين الأسود». وأضاف: «في الأشهر المقبلة سيعرض الشعب الإيراني قوته عند صناديق الاقتراع أمام الأعداء والاستكبار العالمي. وستكون صناديق الاقتراع صوت الشعب».
وزعم روحاني في تصريحات لصحافيين نقلتها وكالة «إرنا»، أن عدد المشاركين في المظاهرات أمس «تجاوز 80 مليونا»، على رغم أن هذا العدد يفوق قليلاً التعداد الرسمي لكل الإيرانيين في داخل البلاد. ورأى أن هذه المشاركة «دليل على قوة إيران الإسلامية... ورد على أكاذيب المسؤولين الجدد في البيت الأبيض».
ورفع متظاهرون في مدن عدة لافتات كُتب عليها: «الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، الموت لبريطانيا»، وداس بعضهم أعلامًا أميركية كبيرة، حاملين صورًا ساخرة لترامب ولرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولنظيرته البريطانية تيريزا ماي. وكتب على صور الثلاثة: «نحن لا نخشى التهديدات». كما رفعوا صورًا للمرشد علي خامنئي الذي كان دعا إلى «الرد» على تهديدات ترمب بالتظاهر. وشوهد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري»، قاسم سليماني، في مظاهرة طهران.
وخصص خطيب جمعة طهران المؤقت محمد إمامي كاشاني خطبته لمهاجمة ترمب، معتبرًا أن قراره حظر السفر من إيران و6 دول أخرى «يدل على حرب أميركية وإسرائيلية ضد الإسلام».

البرنامج الصاروخي «خط أحمر»
وشدد «البيان الختامي» الذي يُقرأ عادة في نهاية المظاهرات الرسمية، على أن «الشعب الإيراني الثوري الواعي ما زال يعتبر أميركا العدو الأول له... وعلى استعداد للجهاد في مواجهة مخطط العدو للتغلغل في مؤسسات النظام وإضعاف الإرادة الوطنية».
وقال البيان، الذي نقلت نصه «وكالة أنباء فارس» الإيرانية، إن «الشعب في إطار عدم ثقته المطلقة بالقوى السلطوية، وعلى رأسها أميركا المجرمة، يعبر عن غضبه حيال نقض العهود ونقض فحوى الاتفاق النووي من قبل أميركا، ويدين محاولات البيت الأبيض بالتعاون مع الدول الرجعية لوضع حظر جديد». ودعا «المسؤولين وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي ولجنة الإشراف على تطبيق الاتفاق النووي، إلى اتخاذ مواقف حازمة وآليات وقائية مؤثرة على جدول أعمالهم للرد بالمثل بشجاعة».
وأكد أن «أمن إيران مبدأ غير قابل للمساومة والتفاوض، والاقتدار الصاروخي هو رمز قدرة الردع وضمانة للأمن الوطني وخط دفاعي أحمر»، معتبرًا أن «استمرار تعزيز القدرة الصاروخية وتطوير القدرات الدفاعية حق للشعب الإيراني، على أساس الحقوق الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ونرفض أي تدخل في هذا المجال باعتباره نقضًا لقواعد القانون الدولي، وخارج عن أهلية أي دولة أو منظمة».
واعتبر وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان، أن «هيبة الولايات المتحدة سقطت»، وأنها «لا تجرؤ حاليًا على إرسال جيوشها إلى البلدان الأخرى». وقال أمام المشاركين في المظاهرات في مدينة رشت (شمال إيران): «لن نتوانى عن أي خطوة من أجل تطوير قدراتنا الدفاعية، بما يتناسب التهديدات التي تتعرض لها مسيرتنا».
وعن التجارب الصاروخية الإيرانية، قال إن «رسالتنا لهؤلاء الأجانب هي أننا لا نسمح لأحد بأن يعمل ضد مصالحنا الوطنية... شعبنا لن يسعى أبدا إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة الجرثومية والكيماوية، لكنه أيضًا لا يضع حدودًا أمام تطوير قدراته الفضائية والبحرية والسايبرية وغيرها».

تماهٍ إصلاحي
وكان لافتًا تكرار النائب الإصلاحي مصطفى كواكيبيان، لدى مشاركته في مظاهرة طهران، رسالة روحاني، لكنه سمى الرئيس الأميركي. وقال، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، إن «مشاركة الشعب هي رسالة إلى ترمب: إذا ارتكب خطأ، فإن الشعب سيجعله يندم».
وكان الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي الذي يخضع نشاطه لقيود، دعا الإيرانيين إلى المشاركة بكثافة في المظاهرات «لإفشال المؤامرات». وقال: «في مواجهة أي تهديد يستهدف النظام أو وحدة الأراضي أو المصالح الوطنية، لن نتردد لحظة في المقاومة»، داعيًا إلى «المصالحة الوطنية».
وتشهد العلاقات الإيرانية - الأميركية تصعيدًا متزايدا، منذ أطلقت طهران صاروخًا باليستيًا الشهر الماضي. وأعلنت واشنطن فرض عقوبات جديدة على طهران وكيانات مالية مرتبطة بها، كما وجه إليها ترمب وأركان إدارته تهديدات وانتقادات شديدة.

إحباط خطة مزعومة لـ«داعش»
وزعم المدعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري «اعتقال مجموعة من عناصر (داعش) على أطراف طهران»، من دون الإشارة إلى عددهم، قال إنهم «كانوا يخططون لزعزعة الأمن خلال الاحتفالات». وأضاف خلال مسيرة في مدينة كاشان، بحسب وكالة «فارس»، إن «هذه المجموعة كانت تخطط لتنفيذ أعمال تخريبية... لدينا معلومات كاملة عن أن (داعش) لديها مخططات في إيران، وسنطلع الجماهير على تفاصيل أكثر عن مؤامرات (داعش) خلال الأيام المقبلة».


موسكو «تتخلّى» عن ترامب وتعود إلى... طهران
لم يدم شهر العسل الاميركي الروسي طويلا بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا، وهو الذي اجمعت وكالات الاستخبارات الاميركية ان موسكو سعت بجهد لانجاحه في الانتخابات. وعلى اثر وصول ترامب الى البيت الابيض، اعتبرت روسيا ان الولايات المتحدة انقلبت في سياستها الخارجية، وان الانقلاب الاميركي من شأنه تعديل موازين القوى في العالم، بما في ذلك في الشرق الاوسط، فيسمح لموسكو بسط سيطرتها، على حساب حلفائها، مثل ايران، خصوصا في سورية.

وانتظرت روسيا الانقلاب في الموقف الاميركي تجاه موسكو، لكن الانقلاب لم يأت، بل جاء تكريس ترامب لسياسة سلفه باراك أوباما، خصوصا تجاه الروس، فأطلت الموفدة الاميركية الجديدة الى الأمم المتحدة نيكي هايلي لتقول ان بلادها لن ترفع العقوبات عن روسيا ما لم تتخل الاخيرة عن احتلالها وضمّها لشبه جزيرة القرم الاوكرانية.

تصريح هايلي كان بمثابة الرصاصة القاتلة التي انهت الود الموجز بين واشنطن وموسكو، فتراجعت روسيا عن آمالها في الاستيلاء على سورية، بمباركة أميركية، وعاد الروس لاعتبار انهم والايرانيين في صف واحد في مواجهة الاميركيين.

هكذا، تحين الروس فرصة لم تتأخر، وجاءت على لسان ترامب نفسه، الذي وصف ايران بأنها الراعية الاولى للارهاب في العالم. وعلى رغم قول ترامب في المقابلة نفسها ان واشنطن تسعى للتعاون مع موسكو، الا ان الروس تلقفوا كلام ترامب لتقديم افتراقهم عن أميركا في الموضوع الايراني، فقال المسؤولون الروس انهم لا يعتبرون ايران دولة ارهابية، بل انهم يرونها «شريكة تجارية وديبلوماسية وعسكرية» لروسيا.

وتصريح ترامب ضد ايران لم يكن الاول من نوعه، لكن ردة الفعل الروسية ضد تصريحات ترامب بخصوص ايران والارهاب كانت الاولى من نوعها، وهي تصريحات على الارجح سببها موقف أميركا في الأمم المتحدة حول القرم، لا تصريحات ترامب تجاه ايران. لكن موسكو استغلت تصريحات ترامب الاميركية لاظهار ان روسيا عادت للافتراق عن أميركا، وربما ادرك الكرملين ان انتخاب ترامب لن يعود على الروس بالفوائد التي كانوا يعتقدونها.

الافتراق الاميركي - الروسي، خصوصا في سورية، لا يعني بالضرورة عودة الرئيس بشار الأسد والقوات المتحالفة معه الى الهجوم، خصوصا في محافظة ادلب، الوحيدة المتبقية تحت السيطرة الكاملة للمعارضين للأسد ونظامه، اذ ان حسابات موسكو في سورية ليست مرتبطة بالاميركيين وحدهم، بل بالاتراك كذلك، وتحسن العلاقة الروسية - التركية يشي بأن وقف النار الساري في غالبية المناطق السورية قد يستمر، وان بهشاشة.

والافتراق الروسي - الاميركي يصب في خانة «الاخبار الجيدة» بالنسبة للايرانيين، فهم كانوا سيجدون انفسهم في وجه جبهة عالمية موحدة ضدهم، يقودها ترامب المتهور بتحريض من الاسرائيليين. لكن توزيع ترامب عداءه على الايرانيين والروس يعني ان موسكو وطهران ستستمران في تحالف الضرورة الذي يسيران فيه، منذ فترة، لاخراج الاميركيين من الشرق الاوسط واضعاف حلفاء واشنطن، قبل ان تجد القوتان الروسية والايرانية نفسيهما في مواجهة من اجل تقسيم المكاسب في المنطقة.

صحيح ان الايرانيين كانوا في موقع افضل في زمن الرئيس السابق باراك أوباما، الذي حقق تقاربا غير مسبوق بين واشنطن وطهران، الا انه مازال يمكن لنظام الجمهورية الاسلامية مواجهة ترامب، الذي يستعديها، بسبب استعداء ترامب روسيا كذلك.

ختاما، اسرائيل تحرّض ترامب وادارته على خوض مواجهة ضد ايران، لكن لا يبدو ان ترامب مستعد للانخراط في مواجهة فعلية مع الايرانيين، غير التهديدات الكلامية، بسبب المزاج الشعبي الاميركي المعارض للحروب على انواعها. لذا، رأينا سقف تهديدات ترامب ومجموعته ضد ايران يتمثل باعلان عقوبات على بعض الكيانات المرتبطة بنظام طهران، ولكنها عقوبات تعرف ادارة ترامب انها لا تؤثر في الايرانيين، ولا في مجرى المواجهة المزعومة التي ينوي الرئيس الاميركي، او اسرائيل، شنّها.


JANUARY 2, 2017
ما هو “الجديد” الذي حمله بيان “الدولة الإسلامية” عن هجوم إسطنبول؟ ولماذا يطالب “البغدادي” خلاياه النائمة بالتحرك الآن؟ ولماذا التحريض على استهداف المنشآت النفطية والمصالح الغربية في الدول العربية؟ ولماذا هذا الحقد على اردوغان؟
عبد الباري عطوان
اثبتت التفجيرات والهجمات الإرهابية “المتعددة” التي أعلنت “الدولة الإسلامية” مسؤوليتها عنها، واستهدفت في الأيام القليلة الماضية أماكن متفرقة في المنطقة العربية واوروبا، ان هذا التنظيم ما زال قويا رغم الحروب التي تشن في العراق وسورية للقضاء عليه، وان خلاياه النائمة ما زالت تشكل خطرا لم يتوقعه، وحجمه، الكثيرون مما يطلقون على انفسهم “الخبراء في شؤون الإرهاب”.
تكاثر الهجمات، ونجاح معظمها، ان لم يكن كلها، يثير حالة من الخوف والرعب في مختلف انحاء العالم، فلا يوجد أي دولة محصنة، مهما امتلكت أسباب القوة الأمنية والعسكرية، لان زعيم هذه الدولة اعلن بكل وضوح، ودون أي مواربة، ان المدنيين هم الهدف، خاصة في الدول التي تشارك في الحرب ضد “الدولة الإسلامية”، عربية كانت او أوروبيةـ وهذا من اسهل الأهداف، ولا تحتاج الى عبقرية في القدرة على التنفيذ.
زعيم “الدولة الإسلامية” ابو بكر البغدادي وجه تعليماته، وحسب ما جاء في قناة “السومرية العراقية”، الى قادته من المهاجرين (خارج حدود الدولة) لاحياء الخلايا النائمة، في الدول العربية والأوروبية، وتنفيذ هجمات نوعية على المدنيين، ردا على هجمات التحالف الدولي على “ارض الخلافة والمسلمين”، وخص بالذكر “المنشآت النفطية والمصالح الأجنبية التابعة للدول المشاركة في التحالف، وايقاع اكبر عدد ممكن من القتلى والخسائر البشرية”.
***
 
للوهلة الأولى يمكن القول ان تحديد استهداف المنشآت النفطية يعني المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، وربما ليبيا أيضا، التي توجد فيها هذه المنشآت، اما التحريض على ضرب المصالح الغربية، فإنه إشارة الى تنفيذ هجمات ضد السفارات والشركات الغربية في الدول العربية والإسلامية، جذبا للاعلام، واحتلال عناوين صحفه ومحطاته التلفزيونية الى جانب وسائط التواصل الاجتماعي.
ولعل اخطر ما جاء في تعليمات وتوجيهات زعيم تنظيم “الدولة” الى اتباعه، وقد تأكد انهم مثل اذرع الاخطبوط يتواجدون في معظم الأماكن، “مطالبته للمهاجرين المسلمين سواء في العراق وسورية، او دول أخرى، بالعودة الى بلدانهم وإعلان قيام “ولايات إسلامية فيها”، على غرار سيناء وسرت وأفغانستان وباكستان واوروبا، مما يوحي انه لا يستبعد القضاء على “دولة الخلافة” في نهاية المطاف، وبعد مقاومة شرسة.
السيد حيدر العبادي قال في تصريحات سابقة انه يحتاج الى شهرين للقضاء على “الدولة” في الموصل، بينما رأى فرانسوا هولاند، الرئيس الفرنسي اثناء زيارته الى بغداد امس، ان هذا الإنجاز قد يستغرق أسابيع، وتنبأ بأن عام 2017 “سيكون عام الانتصار على الإرهاب”، ولكن قائد قوات التحالف الدولي في العراق الجنرال ستيفن تاوسند يعتقد ان تحقيق هذا الهدف ربما يحتاج الى عامين، فأي منهم الأكثر صدقا؟
لا نتفق مع معظم هذه التنبؤات، ان لم يكن كلها، ولا نتردد في القول بأن الرئيس الفرنسي مغرق في التفاؤل عندما قال ان العام الجديد سيكون عام الانتصار على الإرهاب، فقد استقبلته “الدولة الإسلامية” بثلاثة تفجيرات متزامنة في بغداد وسامراء، وهجوم على ملهى ليلي في إسطنبول، وآخر في طرطوس قرب حاجز للجيش في شمال سورية، ورابع قبل أيام في برلين، والله وحده يعلم اين سيكون الهجوم المقبل.
هزيمة “الدولة الإسلامية” في الموصل ربما لن تكون اسدال الستار على وجودها، ومؤشر على القضاء على “دولة خلافتها”، وانما نهاية مرحلة “التمكن”، وبدء مرحلة “التمدد إرهابيا”، والأخيرة التي تعني العمل السري تحت الأرض، اقل كلفة واكثر خطورة في الوقت نفسه.
من يتمعن في بيانات “الدولة الإسلامية” الأخيرة التي تتبنى فيها المسؤولية عن الهجمات، يمكن ان يجد الأدلة الدامغة عما نقول، فالادبيات تغيرت، وكذلك اللهجة، وأسلوب التحريض، فالبيان الذي صدر عن عملية الهجوم على الملهى الليلي في إسطنبول الذي اودي بحياة أربعين شخصا قال “مواصلة للعمليات المباركة التي تخوضها “الدولة الإسلامية” ضد تركيا حامية الصليب دك احد جنود الخلافة الابطال احد اشهر الملاهي الليلية حيث يحتفل مسيحيون بعيدهم الشركي”، وتوعد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي تقتل طائراته المسلمين في مدينة الباب بالمزيد من الهجمات الانتقامية.
قبل بدء التحالف الدولي غاراته ضد تنظيم “الدولة” في العراق وسورية، وتجفيف منابعها المالية، وتشديد الحصار على المدن التي تسيطر عليها مثل الموصل والرقة، لم تنفذ “الدولة” عمليات إرهابية في الخارج، واكتفت في الدفاع عن أراضيها، ومحاولة التمدد جغرافيا في محيطها، لكن الآن وبعد ان باتت مسألة الحفاظ على “دولة الخلافة” صعبة وشبه مستحيلة، بدأت “الدولة” تنتقل الى المرحلة “ب” دفعة واحدة، وتعطي الضوء الأخضر لخلاياها النائمة بالتحرك.
تركيا قد تكون الأكثر تضررا من هذا التحول، خاصة بعد انخراطها الكامل في الحرب ضد “الدولة الإسلامية” بعد تلكؤ استمر لسنوات، وشكلت قوات “درع الجزيرة” لاخراجها من مدنية الباب بعد جرابلس في شمال سورية.
عندما كنت اجري الأبحاث، واللقاءات، تمهيدا لاصدار احدث كتبي الصادر بالانكليزية، وترجم لعدة لغات عالمية، قال لي احدهم بالحرف الواحد “تركيا لن تجرؤ على محاربتنا، فهناك اتفاق غير مكتوب بيننا، اذا هاجمتمونا سننقل الحرب الى عمقكم الجغرافي، وسندمر صناعة السياحة التي تدر عليكم 36 مليار دولار سنويا”.
***
 
التفجيرات التي وقعت في إسطنبول وانقرة والمنتجعات التركية الجاذبة للسياح، ربما كانت تنفيذا لهذه التهديدات، ووجود 24 اجنبيا بين قتلى الملهى الليلي في إسطنبول، ونسبة العرب من بينهم هي الأكبر، يؤكد جدية ما نقول، والرسالة واضحة تقول ان تركيا لم تعد آمنة لأهلها او زوارها، ونعتقد انها وصلت.
الأعوام المقبلة، وليس العام الحالي 2017 فقط، ربما تكون أعوام “الدولة الإسلامية”، او داعش، مثلما يصر البعض على تسميتها، فهذا التنظيم اخطر مما يتوقعه الكثيرون لان حواضنه ما زالت موجودة، وأسباب صعوده لم تختف، وقنوات الدعم ما زالت مستمرة، وان خفت حدتها في الفترة الأخيرة.
لا نريد ان نرسم صورة حالكة السواد ممزوجة بالتشاؤم، في وقت الاحتفال بالعام الجديد، ولكن هذه هي الحقيقة، وهذه هي بضاعتكم ردت اليكم، نقولها بكل مرارة، واللبيب بالإشارة يفهم.


 معركة “تعطيش” دمشق هل تنسف اتفاق وقف اطلاق النار؟ وما هو بديل الفصائل التي جمدت مشاركتها في مؤتمر الاستانة؟ ولماذا بدأ القصف لأدلب قبل تدمر؟ أسئلة تحدد اجاباتها ملامح المشهد السوري في العام الجديد
من الصعب على أي مراقب، يتابع الشأن السوري منذ بداية الازمة قبل ست سنوات، ان يتوقع صمود أي اتفاق لوقف النار يتم التوصل اليه، دون حدوث خروقات، طفيفة كانت او جوهرية، ومن الطبيعي ان يكون الاتفاق الروسي التركي الأخير الذي بدأ تطبيقه عمليا يوم الجمعة الماضي استثناء.
اليوم الثلاثاء أعلنت اكثر من عشرة فصائل سورية معارضة أيدت الاتفاق “تجميد” مشاركتها في مفاوضات السلام المرتقبة أواخر الشهر الحالي في الاستانة عاصمة كازاخستان المقرر نهاية الشهر الماضي، واتهمت قوات النظام بخرق الاتفاق في منطقة وادي بردى خزان المياه الرئيسي الذي يغذي العاصمة دمشق، بينما اعلن تنظيمان لهما وجود قوي في ريف دمشق وهما “جيش الإسلام”، و”فيلق الشام” ان “الاتفاق في حكم المنتهي”.
الحكومة السورية اتهمت قوات المعارضة المسلحة بتلويث مياه النهر بالمازوت، ثم قطع مياهه كليا مما يعني “تعطيش” كل سكان العاصمة، الامر الذي لا يمكن لاي سلطة السكوت عنه، حسب البيانات الرسمية، وما يضفي المصداقية على هذه الاتهامات اعتراف المرصد السوري لحقوق الانسان الموالي للمعارضة بإنقطاع المياه، وقال ان ذلك جاء نتيجة تعرض احدث المضخات في عين الفيحة لانفجار بفعل المعارك بين الطرفين، دون أن يشير بأصبح الاتهام الى أي طرف، بالوقوف خلف هذا الانفجار، مما يوحي بأن المعارضة الأكثر ترجيحا.
***
المتحدث باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة حذر بدوره بأن هناك أربعة ملايين شخص في العاصمة ما زالوا محرومين من المياه، الامر الذي سيؤدي الى امراض، وربما وفيات في صفوف الأطفال.
في الحروب هناك قيم واخلاقيات يتم الالتزام بها من الأطراف المتحاربة كافة، وابرزها احترام الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للمدنيين، ولا نعرف لماذا جرى انتهاك هذه القاعدة في ريف دمشق، وقطع شريان المياه الابرز الذي يغذي العاصمة السورية، أيا كانت الجهة المسؤولة.
الهدنة تمر بمرحلة حرجة للغاية، ولكن ما يجعلنا اكثر تفاؤلا هذه المرة بأمكانية صمودها بالمقارنة بالاتفاقين السابقين المماثلين، انه لا يوجد أي بديل لفصائل المعارضة غير الالتزام بها، وعدم الدخول في أي صدامات مع الضامن التركي، لانه بدون دعم تركيا اللوجستي ربما سيكون من الصعب على هذه الفصائل البقاء.
هناك جهات عديدة جرى استثناؤها من المشاورات التي أدت الى اتفاق وقف اطلاق النار، وتملك نفوذا على فصائل في المعارضة السورية، ليس لها مصلحة في نجاحه، وربما تعمل على تخريبه، او حتى انهياره بالكامل، ونحن نتحدث هنا عن الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج، والسعودية (يعتبر تنظيما جيش الإسلام وفيلق الشام من حلفائها)، وقطر خاصة، وكأن لسان حالها يقول، اما ان أكون طرفا في اللعبة والا سأعمل على تخريبها.
الهجوم الذي شنه التحالف الروسي السوري اليوم الثلاثاء على مدينة ادلب، أدى الى مقتل 25 عنصرا مقاتلا من جبهة “فتح الشام”، “النصرة” سابقا، يعتقد ان من بينهم عددا من قيادات الصف الأول هو رسالة الى الفصائل السورية المسلحة التي جمدت التزامها بوقف اطلاق النار، والمشاركة في محادثات استانة.
صحيح ان كل من جبهة “فتح الشام” و”الدولة الإسلامية” لا ينطبق عليهما الاتفاق لانهما مصنفتان على قائمة الارهاب، ولكن الصحيح أيضا انهما على علاقة طيبة مع بعض الفصائل التي توصف بأنها معتدلة، ولعل اهم ما في هذه الرسالة ان معركة ادلب قد تكون بدأت قبل معركة استعادة تدمر، وان الفصائل لا تبتعد عن هذين التنظيمين ستواجه المصير نفسه، و”فتح الشام” و”احرار الشام” و”جيش الفتح”، الذي يعتبر الداعية السعودي عبد الله المحيسني ابرز قادته، تتمركز في هذه المدينة باعتبارها ملاذها الأخير.
***
جميع اتفاقات وقف اطلاق النار كانت عبارة عن هدن مؤقتة، للسماح للمتحاربين بالتقاط الانفاس، وإعادة التموضع، وكسب الوقت، ولا نستغرب ان يكون هذا هو حال الاتفاق الحالي أيضا، مع فارق أساسي وهو ان الضامنين له يملكان اوراق ضغط قوية كل على حلفائه، وان استعادة التحالف السوري الروسي الإيراني لمدينة حلب بالكامل، وبتواطؤ تركي، غّير الكثير من المعادلات على الأرض في سورية، مما يجعل فرص استغلال هذا التحالف الثلاثي للاتفاق شبه مؤكد.
احتمالات صمود وقف اطلاق النار ما زالت كبيرة، ورغم الخروقات وتبادل الاتهامات، وفصائل المعارضة المسلحة التي جلست على مائدة المفاوضات لأول مرة، بهذه القوة التمثيلية، وتقدمت على معارضات المنفى، لن يكون امامها أي خيار آخر غير الذهاب الى الآستانة، فتركيا التي كانت مصدر الدعم الرئيسي لها تعيش ظروفا صعبة، اقتصادية وامنية وعسكرية، وتفجير اسطنبول الأخير، وانهيار الليرة احد الأمثلة، والسعودية باتت تعطي الاولوية القصوى لحرب اليمن، وكيفية الخروج من مصيدتها بأقل الخسائر، وتريد التخفيف من العبء السياسي والمالي الذي تفرضه عليها الازمة السورية والمعارضة المسلحة.
اسدار الستار على فصول الحرب، وفتح أخرى لبدء المفاوضات والحوار، قد يكونا ابرز ملامح المشهد السوري في العام الجديد.


  مشروع “دستور بريمر” الروسي ينسف هوية سورية العربية والإسلامية ويمنع جيشها من أي دور في فلسطين.. ولهذا يجب تعديلة جذريا.. المحاصصة الطائفية “فتنة” دمرت العراق ولا نريدها ان تجهز على سورية.. واليكم قراءة مختلفة
عبد الباري عطوان
يعيد الروس، بطرحهم مسودة دستور جديدة لسورية، تجربة بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي للعراق، التي بذرت بذور الطائفية في البلد، وقسمته الى أقاليم، في اطار صيغة الفيدرالية، واسست لحكم ذاتي كردي بصلاحيات رئاسية توفر كل أسس وركائز “الاستقلال” والانفصال لاحقا.
السيدة ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم زارة الخارجية الروسية، نفت هذا “الربط” او “المقارنة” في لقائها الصحافي الأسبوعي، وأكدت ان بلادها لا تحاول فرض شروط التسوية، او دستور على السوريين، انما الهدف من هذه الخطوة تحفيز الحوار السياسي في اطار قرار مجلس الامن الدولي رقم 2254.
من الطبيعي ان تردد السيدة زاخاروفا هذا الكلام، ولكن واقع الحال مخالف لاقوالها تماما، فإختيار مؤتمر الاستانة لتوزيع مشروع الدستور على الوفود المشاركة وباللغة العربية، يوحي بأن موسكو جادة في طرحه، وسيكون العمود الفقري للتسوية وتحديد ملامح “سورية الجديدة”، ونظامها السياسي، ولا مانع من ادخال بعض تعديلات على بعض المواد، لكنها من المرجح ان تكون تعديلات هامشية.
***
كان لافتا ان المعارضة السورية المسلحة، كانت البادئة برفض هذه المسودة الروسية بشراسة، حيث اكد السيد يحيى العريضي المتحدث باسمها “ان تجربة بول بريمر في العراق واضحة”، محذرا الكرملين من تكرار الغلطة نفسها، “فالشعب السوري هو الوحيد الذي يملك حق كتابة الدستور، وأثبتت تجربة العراق بأنه عندما تعد دولة خارجية الدستور فان فرص نجاحه معدومة”، وربما تتجنب الحكومة السورية الصدام مع حليفها الروسي علانية، وفضلت ادخال تعديلات جوهرية على هذه المسودة، جرى تسريبها لبعض الصحف، واكتفت بذلك حتى الآن على الأقل.
اخطر ما في هذه المسودة، التي نؤمن بأنها “بالون اختبار” لقياس ردود الفعل، واغراق طرفي الازمة السورية في جدل وخلافات سياسية، حتى لكأنهم بحاجة الى خلافات جديدة، هو تحويل سورية الى دولة “غير عربية” إرضاء للاقلية الكردية، وإقامة حكم ذاتي للاشقاء الاكراد في شمال البلاد، على غرار نظيره في العراق، واعتماد اللغة الكردية كلغة رسمية الى جانب شقيقتها العربية، وإدخال نظام الأقاليم او اللامركزية، وتكريس المحاصصة الطائفية في المناصب العليا، والنص على ذلك صراحة في الدستور المقترح.
اذكر انني شاركت في برنامج يحمل اسم “مناظرة” يحظى بتمويل غربي في شهر حزيران (يونيو) الماضي في تونس، وكان البرنامج النقاشي يتناول النص على حقوق الأقليات في الدستور، ورفضت ذلك بشدة، وقلت ان هذا يعني التمييز ضدها، وجعل هويتها الوطنية منقوصة، وطالبت بالنص صراحة على المساواة الكاملة في الدستور لكل أطياف الشعب الطائفية والدينية والعرقية في الدستور والقوانين معا في اطار التعايش والدولة المدنية، وفاز هذا الطرح عندما جرى طرحه على الحضور للتصويت بأغلبية كبيرة، رغم انه جرى اختياره بعناية فائقة للتصويت لصلح الطرح الآخر.
اعترف انني ذهلت عندما قرأت معظم فقرات مشروع الدستور الروسي المقترح لسورية، وادركت ان عملية التمهيد له بدأت مبكرا، وفي اطار منظومة من الفعاليات السياسية والإعلامية في بعض ارجاء الوطن العربي، وها هو يتبلور تدريجيا.
الأقليات الطائفية والعرقية والدينية كانت، وما زالت، تتعرض للظلم والاضطهاد من الأغلبية الحاكمة، في بعض الدول العربية، وهذا طرح ينطوي على الكثير من الصحة، ولكن هذا الاضطهاد يأتي في ظل أنظمة ديكتاتورية، ومن المفترض ان ينتهي عندما تترسخ الديمقراطية، فالدستور الأمريكي، ومعظم الدساتير الغربية، ان لم يكن كلها، لا تنص على حقوق حصرية للاقليات، وعلى المحاصصة العرقية والدينية والمذهبية، انما على المساواة في المواطنة والحقوق والواجبات، وتحتكم الى الإعلان العالمي لحقوق الانسان كمرجعية أساسية في هذا الصدد.
روسيا تريد تطبيق نظامها اللامركزي على سورية دون النظر الى الفوارق الكبيرة في المساحة، والخريطتين الديمغرافية والجغرافية، فسورية بلد صغير، بالمقارنة الى الاتحاد الروسي العملاق، وتجربتها مختلفة، وتقع في جوار إقليمي غير الجوار الاقليمي الروسي، وعليها التزامات دينية ووطنية وقومية لا يمكن شطبها “بجرة دستور”، والا لما عادت سورية التاريخية التي نعرفها وتمتد جذورها لاكثر من ثمانية آلاف عام.
وقد يجادل البعض ان هذه المسودة للدستور التي تحرم رئيس الجمهورية، أي رئيس جمهورية سوري، من معظم صلاحياته، وتحوله الى “وسيط”، وتمنع أي دور للجيش السوري خارج حدوده، وتشطب هوية البلاد العربية، وتسقط بند الشريعة الإسلامية كأساس للتشريع، هذه البنود تأتي، ويا للمفارقة، في وقت يسيطر فيه الرئيس فلاديمير بوتين على كل الصلاحيات، ويعدل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان دستور بلاده بحيث يصبح رئيسا مطلقا بصلاحيات كاملة، والشيء نفسه يقال عن دونالد ترامب في أمريكا أيضا، والامثلة عديدة.
***
لسنا مع الديكتاتورية، وحصر الصلاحيات في يد الرئيس، ونعارض أي دور للجيش، أي جيش في قمع شعبه، ونطالب، وسنظل، بالفصل الكامل بين السلطات، والحقوق غير المنقوصة للمواطن، سواء كان ينتمي الى الأغلبية او الأقلية، وفي اطار سيادة القانون، ولكننا لا نريد تكرار تجربة العراق واليمن وليبيا في سورية، او أي بلد عربي آخر، مثلما لا نريد ان تتحول بلادنا الى حقل تجارب للتفتيت والحروب الاهلية والطائفية والعرقية.
الملامح الأولية لهذا الدستور تؤشر الى محاولة لعزل سورية عن محيطها العربي، ومنع أي دور لها في التصدي للاحتلال الإسرائيلي لاراضيها أولا، وفلسطين التاريخية ثانيا، ولا نعتقد ان السلطة السورية، او المعارضة الشريفة يمكن ان تقل به.
سورية الجديدة التي يجب ان تنهض من وسط هذا الدمار الذي الحقته بها المؤامرة الخارجية، بهوية عربية إسلامية اكثر تجذرا وصلابة، واذا كان هيمنة الأكثرية على الأقلية وحرمانها ابسط حقوقها خطأ لا يغتفر، فأن محاولة تغيير هوية البلاد الوطنية والتاريخية، ومن اجل إرضاء الأقلية خطيئة اكبر، ومشروع فتنة، وعدم استقرار وحروب مستقبلية.
للمرة المليون نؤكد اننا مع المساواة والتعايش ونبذ الطائفية والعنصرية، ونرجوكم اعطونا دستورا مثل الدساتير المحترمة، والمعمول بها في الغرب والشرق، التي توحد ولا تفرق، وتحترم الهوية الجامعة، والكرامة الوطنية.

عبدالباري عطوان/راي اليوم/27 ژانويه 2017





   January 24, 2017

اربع نقاط رئيسية تلخص “جديد” مؤتمر الآستانة واسراره.. وترسم ملامح “اليوم التالي” في المشهد السوري.. هل تَصدُق نبوءة الجعفري وتقاتل فصائل المعارضة المسلحة تحت جناح الجيش السوري للقضاء على “الدولة الإسلامية” و”النصرة”؟
عبد الباري عطوان
انتهى مؤتمر الآستانة بلقاء مباشر، وللمرة الاولى بين وفد الحكومة السورية من جهة، ووفد المعارضة المسلحة من جهة أخرى، صحيح انه كان لقاء صامتا، انتهى ببيان ختامي غير موقع الا من الدول الثلاث الضامنة لاتفاق وقف اطلاق النار، أي روسيا وتركيا وايران، لكنه كسر الجليد، واسس لمرحلة جديدة تقف على اعتابها الازمة السورية.
النقاط الأهم والابرز التي يمكن استخلاصها من وقائع المؤتمر، وتصريحات المسؤولين المشاركين فيه، وتحتم على كل مراقب او محلل ضرورة التوقف عندها، يمكن تلخيصها كالتالي:

أولا: بدأ المؤتمر فكرة ثنائية، وتطبيقا لاتفاق روسي تركي، وانتهى ثلاثيا، يضم ايران كضامن رئيسي لتطبيق بنوده المتعلقة بوقف اطلاق النار، بينما جرى استبعاد كل الأطراف العربية الأخرى، الى جانب أوروبا وامريكا، ونحن نتحدث هنا عن دولتين لعبا دورا رئيسيا في دعم المعارضة السورية المسلحة ماليا وتسليحيا.. كيف تم هذا الاستبعاد ولماذا، هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.
ثانيا: حدث فصل كامل، ارادته موسكو دائما، وعملت من اجله، بين فصائل المعارضة المسلحة وبين نظيرتها الموضوعة على قائمة الإرهاب أولا، وبين هذه الفصائل وهيئات المعارضة السياسية المشكلة في معظمها من شخصيات تقيم في المنفى، وتعهد هذه الفصائل المسلحة بالانخراط في الحرب الرامية الى تصفية تلك المصنفة إرهابية، ونحن نتحدث هنا عن “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة”، وربما “احرار الشام” لاحقا.
ثالثا: انتقلت روسيا من دولة احتلال لسورية وداعم أساسي للحكومة السورية الى “وسيط محايد” ضامن لوقف اطلاق النار والحل السياسي، حتى ان السيد محمد علوش رئيس الوفد المعارض المفاوض، وقائد “جيش الاسلام” تحدث بــ”حميمية” عن روسيا، وأشاد بلقاءاته مع وفدها، واعرب عن ثقته بهم.
رابعا: اعلان الكسندر لافرنتييف، رئيس الوفد الروسي في مؤتمر استانا، عن تسليم موسكو مشروع الدستور الجديد لسورية الى وفد المعارضة المسلحة، وهو الدستور الذي قال ان مجموعة من الخبراء الروس اشرفوا على اعداده، ولا نعرف ما اذا كان الوفد الرسمي السوري قد تسلم نسخة منه أيضا ام لا، ثم ما هو رد فعله تجاهه، وما هي ابرز المواد الواردة فيه؟

***
بالنظر الى النقاط الأربع السابقة يمكن القول ان المؤتمر المذكور (الآستانة) حقق “اختراقات” كبيرة، ورسمت صورة جديدة للمشهد السوري، وبتحديد هوية اللاعبين الأساسيين في الجانب السوري من ناحية (الحكومة والمعارضة المسلحة)، وفي الجانب الإقليمي (تركيا وايران)، وروسيا كقوة عظمى، مثلما وحد جميع الأطراف الضامنة والمشاركة في جبهة واحدة، رغم الخلافات بينها، في مواجهة “عدو مشترك” هو الجماعات الاسلامية المتشددة.
الحرب بين الفصائل المسلحة المصنفة كمعتدلة، والمنضوية تحت الخيمة التركية، وبين الحكومة السورية، قد تكون تقترب من نهاياتها، لتبدأ حرب أخرى، ربما تكون اكثر شراسة بين هذه المنظمات، و”الدولة الإسلامية” وجبهة “النصرة” او “فتح الشام”.
من غير المستبعد ان تقوم الأطراف العربية والدولية التي جرى تهميشها واقصاؤها من “طبخة” الآستانة، ببذل محاولات لافشالها، من خلال تقديم دعم مباشر او غير مباشر للفصائل الأخرى المستهدفة، او غيرها التي ينضوي آلاف المقاتلين تحت لوائها، كردية كانت او إسلامية، كرد على محاولات الاقصاء والتهميش، وتبني اجندات تتعارض مع اجنداتها الاصلية، في تعزيز الدور الإيراني، وارتكاز أي حل سياسي للازمة على بقاء الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته.
***
عبارة على درجة كبيرة من الأهمية وردت في المؤتمر الصحافي للسيد بشار الجعفري، رئيس الوفد السوري في ختام اعمال المؤتمر وهي “ننتظر من المعارضة المسلحة الانضمام الى الجيش العربي السوري في قتال النصرة وداعش”، لا بد من التوقف عندها لانها تلخص الهدف الحقيقي من مؤتمر الآستانة، وترسم خريطة التحرك المستقبلي، في رأينا على الأقل.
هناك مثل شامي شهير ربما يعبر عن الانقلاب الذي حدث ويتطور في مواقف جميع الأطراف ابتداء من الحكومة ومرورا بالاتراك وانتهاء بالمعارضة المسلحة ويقول “اول الرقص حنجلة”، فعندما يجلس السيد الجعفري وجها لوجه مع السيد علوش، على مائدة واحدة، وتحت سقف واحد، فإنه من الحكمة عدم استبعاد أي شيء في الأيام والاسابيع المقبلة، بما في ذلك قتال قوات المعارضة المسلحة تحت جناح الجيش السوري ضد الفصائل المصنفة إرهابيا.
الملاسنات الحادة بين السيد الجعفري والسيد علوش يمكن تصنيفها في خانة “المشهيات” او “المفتحات” التي تسبق الطبق الرئيسي، وهي أمور معتادة في قواميس المفاوضات عموما.
المفاوضات عادت الى “المربع الأول”، أي التفاوض بين النظام ومعارضة الداخل، سلمية كانت او عسكرية، اما معارضة المنافي فهناك اتفاق فيما يبدو على خروجها من المشهد التفاوضي تدريجيا، او جعل دورها استشاريا هي والدول الداعمة لها، ولافروف اعلم.


«مؤتمر باريس» و«اجتماع موسكو» و«مؤتمر أستانا»
.. وميزان القوى
تعود المنطقة مرة أخرى بؤرة للاهتمام الدولي بعد غياب، ودليل ذلك انعقاد «مؤتمر باريس» للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لأول مرة بعد صدور القرار الأممي رقم 2934، الذي يدين إسرائيل ومستوطناتها غير الشرعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. جاء «مؤتمر باريس» بمشاركة سبعين دولة وخمس منظمات إقليمية وبمخرجات تتبنى حل الدولتين كمخرج من الأزمة. دعا المؤتمر إلى عودة التفاوض بين الأطراف مرة أخرى، وإن افتقر إلى آليات التنفيذ. وترافق المؤتمر مع «اجتماع موسكو»، الذي ضم الفصائل الفلسطينية المختلفة والمتنافسة بغرض تشكيل حكومة وحدة وطنية وتجاوز الانقسام الفلسطيني. والشاهد أن اجتماع موسكو ربما يمتاز عن سوابقه من الاجتماعات الفلسطينية لكون الرأي العام الفلسطيني والمنظمات المدنية الفلسطينية ستمنع «صفقة» بين حركتي فتح وحماس على حساب باقي الفصائل والمنظمات، وهو ما ساهم في إفشال جلسات الحوار الوطني الفلسطيني سابقا. ويعني انعقاد الاجتماع في موسكو أن الأخيرة لن تكتفي بالانخراط في الميدان السوري سياسيا وعسكريا فحسب، بل ستشارك قدر الإمكان في التعاطي مع ملفات المنطقة المشتعلة. في ظل موازين القوى الراهنة تحتفظ إسرائيل بالأرجحية على الشعب الفلسطيني وقواه السياسية التي تساهم بانقسامها في زيادة التدهور في موازين القوى، كما تحتفظ إسرائيل بأرجحية على الدول العربية المشتتة على أكثر من جبهة والمتصدعة على أكثر من محور.
ما زالت القضية الفلسطينية حاضرة في المحافل الدولية، على الرغم من التبدلات الجيو-سياسية في الإقليم والعالم، وعلى الرغم من حكومة اليمين العنصري في إسرائيل ورئيسها بنيامين نتانياهو.
ماذا يعني ذلك؟ تمنع موازين القوى الراهنة من فرض حل سياسي على دولة الاحتلال الإسرائيلي، لكنها لا تمنع تفكك تحالفاتها الخارجية، والدليل تبني فرنسا للمؤتمر ومشاركة سبعين دولة فيه، وتبلور حركة المقاطعة لإسرائيل دوليا وفي الأوساط الأكاديمية والسياسية على حد سواء.
ومع انعقاد «مؤتمر باريس» و«اجتماع موسكو» يأتي «مؤتمر أستانا» لحل النزاع في سوريا ليتمم قائمة المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بالمنطقة، لا سيما أن الأزمة في سوريا تستقطب اهتماما دوليا كبيرا بسبب تداعياتها المباشرة على الجوار وأوروبا.
ينعقد المؤتمر تحت مظلة توافق روسية-تركية للبحث في الأزمة السورية بعد تغير موازين القوى على الأرض لمصلحة النظام السوري وروسيا وإيران؛ بفضل التدخل العسكري الروسي الذي أنقذ النظام السوري من السقوط، بحيث يختلف عن مؤتمرات سابقة لحل الأزمة السورية لم تكن فيها موازين القوى بهذا القدر من الوضوح. ستضغط موسكو وأنقرة على الأطراف المختلفة للوصول إلى نتائج إيجابية، وستعمل إيران على تقليل خسائرها من تصدر روسيا وتركيا وحدهما المشهد، مثلما سيعمل النظام السوري على المناورة بين موسكو وطهران.
الغائب الحاضر في المؤتمرين والاجتماع هو الولايات المتحدة الأميركية، ليس لأنها لم تحضر، ولكن لأن ثقلها لم يكن حاضرا في أروقة التحضير لهذه المناسبات – كما جرت العادة – وصولا إلى تشكيل الأجندة لهذه الاجتماعات عبر وسائل مختلفة.
علمتنا التجارب الماضية أنه لا يمكن لأي حلول سياسية مستدامة لقضايا إقليمية حول العالم أن تقوم ويتم الاعتراف بها دون موافقة أميركية، وفي الوقت نفسه يخبرنا ميزان القوى العالمي الراهن أن أميركا تمثل وحدها أقل قليلا من ربع الاقتصاد العالمي ونصف الإنفاق على التسلّح دوليا وأن وضعيتها كقطب أوحد لم تعد مضمونة على المدى المنظور.
تتسارع الأحداث في المنطقة والعالم من القوى الدولية المختلفة مثل روسيا والصين لرسم خطوط سياسية وعسكرية جديدة، مع تولي الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مقاليد السلطة في واشنطن، ومعرفة الطريقة التي سيرسم بها سياساته الدولية والشرق أوسطية!


لماذا يربككم حكم ترامب؟ الا يذّكرنا بسلوك بعض حكامنا؟ وهل سيقتل او سيدمر اكثر مما قتل ودمر هؤلاء من أهلنا طوال السنوات الست الماضية؟ وماذا ستفعلون اذا نفذ تهديداته بنقل السفارة الى القدس واغلق الأبواب في وجه المسلمين؟
اليوم تتجسد امام العالم بأسره لحظة الحقيقة، ونجد أنفسنا مضطرين للتعايش مع رئيس امريكي جديد، لا احد يستطيع التنبؤ بما يمكن ان يفعله ببلاده، واكثر من مئتي دولة، هي مجموع أعضاء الأمم المتحدة.
القلق هو القاسم المشترك الذي يسيطر على الجميع تقريبا، والاستثناء هو القلة العنصرية التي تحمست للرجل، وحملته على اكتافها عبر صناديق الاقتراع الى البيت الأبيض، معتقدة انه سيكون بطل التغيير، وسيهزم المؤسسة الحاكمة، ويعيد العظمة الى الولايات المتحدة.
رجل طاردته الفضائح والتحرشات الجنسية، لانه سعى اليها، في سنوات حياة انشغل فيها بالصفقات التجارية، وتكديس المليارات، ولم يتصور انه في أي يوم من الأيام سيصبح رئيسا للدولة الأعظم في العالم، فهو الوحيد بين 44 رئيسا أمريكيا سبقوه، لم يخدم في الجيش الأمريكي، ولم يتول أي منصب حكومي، وعاش بين أحضان جميلاته في ابراجه العاجية الفخمة، متنقلا بطائرته “البوينغ” العملاقة بين العواصم العالمية بحثا عن المزيد من الثراء والجميلات معا.
الا يذكرنا ترامب ببعض زعمائنا وشيوخنا العرب؟ الا يبدو واحدا منا في سلوكه ووعوده وتناقضاته، فلماذا نكن له، او معظمنا، كل هذه الكراهية؟
 
***
من يكرهه ليس الفقراء والمعدمين والمهمشين العرب، وانما الحكام الاثرياء الذين يتوعدهم بدفع الجزية، وثمن حمايتهم بأثر رجعي، ومقاضاتهم امام المحاكم الامريكية بتهم التورط في الإرهاب، وتقديم الدعم المباشر او غير المباشر، لمهاجمي برج التجارة الأمريكي في الحادي عشر من سبتمبر 2001، هؤلاء الذين اوصلونا وشعوبهم الى الحالة المزرية التي تعيشها المنطقة، وبددوا ثرواتها في حروب عبثية ولدوافع انتقامية شخصية.
الرجل لا يكن أي حب لنا كعرب ومسلمين لا جدال في ذلك، ويتعهد بإغلاق أبواب بلاده في وجه المهاجرين المسلمين، ونقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة لإرضاء اصهاره من اليهود والإسرائيليين، ولكن هل يشرفنا الحب من رجل مثله؟ وهل نستحقه من غيره، في ظل حاضرنا المخجل، واوضاعنا المؤسفة، حيث تحولنا الى ادوات في يد غيرنا لقتل مئات الآلاف من أبناء جلدتنا وتدمير اوطاننا، ووضعها على مائدة التفتيت والتقسيم؟
نلوم ترامب، ونصرخ من آلام عنصريته، ونحتج على اغلاق أبواب بلاده في وجه مهاجرينا وأبناء عقيدتنا، هل قدمنا نحن، او بالأحرى، حكوماتنا الثرية المتخمة النموذج الأفضل، وفتحت أبوابها امام اشقائنا السوريين الاحدث على درب النكبة؟ وهل قدم معظمها لهم غير المليارات من اجل تمزيق بلدانهم واغراقها في هذه الفوضى الدموية التي نراها تتجسد امام اعيننا؟
***
لا احد يعرف ماذا سيفعل ترامب عندما يتربع على مقعده في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، ونتحدى ان يقول لنا العرّافون وضاربوا الرمل كيف ستكون سنواته الأربع، وهل سيكملها؟ وهل سيعيش حتى نهايتها؟ ام سيواجه العزل مثل نيكسون او الاغتيال مثل جون كيندي؟
ثلث أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين سيقاطعون حفل التنصيب، ومعهم رهط من الفنانين والحقوقيين والنخبة المثقفة، وسيتظاهر ما يقرب المليون امام البيت الأبيض احتجاجا، لكن السيدة هيلاري كلينتون التي نافسته على الزعامة ستكون في المقاعد الأولى جنبا الى جنب مع رؤساء سابقين سينضم اليهم باراك أوباما بعد دقائق من خطاب العرش، أمثال بيل كلينتون، جورج بوش الابن، وجيمي كارتر.. انها التقاليد الامريكية الرسمية، ولكن ما قد يحدث في غرف المؤسسة الحاكمة المغلقة شيء آخر اذا ما حاول الرئيس الجديد الخروج عن نصوص سياساتها.
لم يخف ترامب المرشح الرئاسي، اعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي بادله الاعجاب نفسه، واذا صحت الرواية الامريكية التي تقول بأن المخابرات الروسية (كي جي بي) هي التي سربت الرسائل البريدية الالكترونية للمرشحة كلينتون، ولعبت هذه التسريبات دورا كبيرا في هزيمتها، فإن الرئيس الروسي يستحق هذا الاعجاب من قبل صديقه الجديد.. انها صفقة سياسية من رجل “ادمن” الصفقات التجارية.
اذا كان أصدقاء ترامب بين الزعماء قلة، فإن اعداءه كثيرون جدا، ينتشرون في مختلف انحاء العالم، فقد شكك في قيمة الاتحاد الأوروبي، وسخر من حلف الناتو، وتحدى الصين، وكانت اول مكالمة هاتفية اجراها بعد فوزه مع زعيم جزيرة تايوان، ولمحّ الى رفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا، وتعهد ببناء سور المكسيك العظيم على الحدود الامريكية، وتوعد بترحيل 11 مليون لاجيء غير شرعي معظمهم من امريكا اللاتينية، وإلغاء الاتفاق النووي مع ايران، أي انه نجح في استعداء العرب والإيرانيين معا، فهل هناك عبقرية سياسية افضل من ذلك؟
***
ترامب يظل تاجرا، ويرى كل شيء من منظور الربح والخسارة، والصفقات هذه هي سنة حياته.. والمال ثم المال ثم المال هو عقيدته التي ستحكم تصرفاته وسياساته وعلاقاته.. ولذلك لن نستغرب ان يحوّل البيت الأبيض الى مكتب عقاري.. في زمن هذا الرجل لا شيء مستبعد.
لن نفاجيء مطلقا اذا كان اول قرار يتخذه ترامب، وهو الرجل المتخصص في العقار والبناء، ان يكون نقل السفارة الامريكية الى قطعة الأرض المحجوزة بإسمها في القدس المحتلة، ولماذا لا.. هل سيخاف العرب او المسلمين وردة فعلهم.. وماذا فعلوا أساسا عندما اُحتلت القدس والأراضي الفلسطينية برمتها، او عندما حرقوا المسجد الأقصى، ناهيك عن احتلاله، وتقويض اساساته بحثا عن الهيكل المزعوم، فهل ستحركون عواصف حزمكم وطائرات حلفكم العسكري الإسلامي لمنع نقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة؟ او اغلاق السفارات الامريكية في بلدانكم على الأقل.
ترامب له حسنة واحدة ورئيسية من وجهة نظرنا، تتلخص في انه سيزيل ما تبقى من اقنعة على وجوه معظم حكامنا العرب، ويكشف الوجه الحقيقي لامريكا، وهذا امر جيد سيحسب له من قبل الملايين من العرب، وربما شعوب العالم، ونحن من بينهم.


أسوأ رئيس في الذاكرة الأمريكية
لست صاحب العنوان أعلاه، ولا المقصود به الرئيس الأخير الذي تم تنصيبه رسميا أمس (الجمعة ٢٠/١)، لكن صاحب العنوان هو معلق الواشنطن بوست، أيوجين روبنسون، وقد كتبه منتقدا أداء الرئيس بوش الابن في مقالة استوقفتني واحتفظت بها منذ نشرتها الصحيفة الأمريكية في شهر نوفمبر عام ٢٠٠٧. ولست أخفي أنها أعجبتني لأسباب مهنية. إذ قدرت فيها شجاعة الكاتب في انتقاد رئيس الدولة في مجتمع ديمقراطي يستطيع فيه الصحفي أن يجهر برأيه في إنكار ما يراه منكرا في أداء ولي الأمر وسياساته، ثم يعود إلى بيته مطمئنا بعد ذلك، ويظل رأسه في مكانه فوق كتفيه، الأمر الذي يسمح له بأن يعود للكتابة مرة أخرى، إلى غير ذلك من غرائب وعجائب المجتمعات الديمقراطية.

قال صاحبنا إن الرئيس جورج بوش تسبب في إحباط ونقمة مواطنيه على نحو لم يسبقه إليه رئيس آخر منذ ظهور استطلاعات الرأي في أمريكا، باستثناء الرئيس ريتشارد نيكسون (صاحب فضيحة ووترجيت). وهو من وصلت نسبة الرافضين لسياسته إلى ٤٨٪ من الأمريكيين، وقد بنى رأيه على نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب تبين منه أن ثلثي الأمريكيين غير راضين عن سياسات الرئيس. وعلق على ذلك قائلا إنه عندما يرى ثلثا المواطنين أن زعيم البلاد يفتقر إلى الكفاءة التي يؤدي بها عمله (وتلك عجيبة أخرى) فإن ذلك يصبح أمرا سيئا للغاية ينبغي أن يدرس جيدا وأن تعالج عواقبه.

"انظروا فقط إلى الوضع الذي سيرثه الرئيس الذي سيخلف بوش". قالها روبنسون ثم استعرض المواقف التي تبناها بوش على الصعيدين السياسي والاقتصادي. من غزو العراق ومساندته لنظام ديكتاتور باكستان برفيز مشرف وفضائح تعذيب المشتبه في تورطهم بالإرهاب في العراق، وصولا إلى الوضع الاقتصادي الذي نضبت فيه الخزينة جراء الحروب، وازداد فيه الأثرياء ثراء، في حين يعيش ٤٠ مليون أمريكي من دون تأمين صحي.

أضاف الكاتب أن سجل الرئيس الحافل بالإخفاقات إن لم يرشحه كأسوأ رئيس في التاريخ الأمريكي فهو على الأقل من أسوأهم. وتساءل في ختام مقالته عما إذا كان الأمريكيون سيحتملونه لأربعة عشر شهرا أخرى (حتى تنتهي ولايته) أم لا؟

لم أقرأ شيئا للكاتب الآن، بعد انتخاب دونالد ترامب. خصوصا بعدما بينت استطلاعات الرأي العام التي كان آخرها قبل يومين من تنصيبه أن ٤٠٪ فقط من الأمريكيين يؤيدونه. علما بأن مؤيدي أوباما كانوا ٨٢٪ ومؤيدي كلينتون كانوا ٦٢٪. والقلق هز الولايات المتحدة وصدم قطاعات عريضة فيها جراء تصريحاته المثيرة التي لم تتوقف منذ حملته الانتخابية وبعد فوزه الأمر الذي جعله يحتل المرتبة الأسوأ في التاريخ الأمريكي بغير منازع. عبر عن ذلك زميلنا الأستاذ حازم صاغية محرر صحيفة «الحياة» اللندنية الذي قال عنه إنه «مرآة أسوأ القيم وأسوأ الأذواق. وأنه خلطة من الشعوبية وتمجيد القبح والابتذال، وأن انحطاط الشعبوية يتجسد فيه. لذلك اعتبر يوم الجمعة الذي ينصب فيه مأتما لملايين الأمريكيين وجمعة حزينة جدا» (الحياة ١٧/١).

لا أعرف كيف سيحتمله الأمريكيون طوال السنوات الأربع المقبلة، كما أنه من الصعب التنبؤ بما سيحدثه في العالم من هزات، خصوصا في ظل عدائه للديمقراطية وازدرائه لحقوق الإنسان وخصومته للفلسطينيين ومراهناته السياسية على روسيا في مواجهة الصين. أما شأن الداخل فالأمريكيون كفيلون به. ذلك أن حصانات النظام وقوة مؤسسات المجتمع وجرأة المواطن العادي التي تعكس وتعبر عنها وسائل الإعلام. ذلك كله بوسعه أن يوقفه عند حده وأن يحاسبه، على الأقل بما لا يمكنه من التجديد لولاية ثانية.

لا خوف على الولايات المتحدة إذن، لأن الخوف علينا في ظل رئاسته أكبر دولة في العالم.


 معركة “تعطيش” دمشق هل تنسف اتفاق وقف اطلاق النار؟ وما هو بديل الفصائل التي جمدت مشاركتها في مؤتمر الاستانة؟ ولماذا بدأ القصف لأدلب قبل تدمر؟ أسئلة تحدد اجاباتها ملامح المشهد السوري في العام الجديد
من الصعب على أي مراقب، يتابع الشأن السوري منذ بداية الازمة قبل ست سنوات، ان يتوقع صمود أي اتفاق لوقف النار يتم التوصل اليه، دون حدوث خروقات، طفيفة كانت او جوهرية، ومن الطبيعي ان يكون الاتفاق الروسي التركي الأخير الذي بدأ تطبيقه عمليا يوم الجمعة الماضي استثناء.
اليوم الثلاثاء أعلنت اكثر من عشرة فصائل سورية معارضة أيدت الاتفاق “تجميد” مشاركتها في مفاوضات السلام المرتقبة أواخر الشهر الحالي في الاستانة عاصمة كازاخستان المقرر نهاية الشهر الماضي، واتهمت قوات النظام بخرق الاتفاق في منطقة وادي بردى خزان المياه الرئيسي الذي يغذي العاصمة دمشق، بينما اعلن تنظيمان لهما وجود قوي في ريف دمشق وهما “جيش الإسلام”، و”فيلق الشام” ان “الاتفاق في حكم المنتهي”.
الحكومة السورية اتهمت قوات المعارضة المسلحة بتلويث مياه النهر بالمازوت، ثم قطع مياهه كليا مما يعني “تعطيش” كل سكان العاصمة، الامر الذي لا يمكن لاي سلطة السكوت عنه، حسب البيانات الرسمية، وما يضفي المصداقية على هذه الاتهامات اعتراف المرصد السوري لحقوق الانسان الموالي للمعارضة بإنقطاع المياه، وقال ان ذلك جاء نتيجة تعرض احدث المضخات في عين الفيحة لانفجار بفعل المعارك بين الطرفين، دون أن يشير بأصبح الاتهام الى أي طرف، بالوقوف خلف هذا الانفجار، مما يوحي بأن المعارضة الأكثر ترجيحا.
***
المتحدث باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة حذر بدوره بأن هناك أربعة ملايين شخص في العاصمة ما زالوا محرومين من المياه، الامر الذي سيؤدي الى امراض، وربما وفيات في صفوف الأطفال.
في الحروب هناك قيم واخلاقيات يتم الالتزام بها من الأطراف المتحاربة كافة، وابرزها احترام الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للمدنيين، ولا نعرف لماذا جرى انتهاك هذه القاعدة في ريف دمشق، وقطع شريان المياه الابرز الذي يغذي العاصمة السورية، أيا كانت الجهة المسؤولة.
الهدنة تمر بمرحلة حرجة للغاية، ولكن ما يجعلنا اكثر تفاؤلا هذه المرة بأمكانية صمودها بالمقارنة بالاتفاقين السابقين المماثلين، انه لا يوجد أي بديل لفصائل المعارضة غير الالتزام بها، وعدم الدخول في أي صدامات مع الضامن التركي، لانه بدون دعم تركيا اللوجستي ربما سيكون من الصعب على هذه الفصائل البقاء.
هناك جهات عديدة جرى استثناؤها من المشاورات التي أدت الى اتفاق وقف اطلاق النار، وتملك نفوذا على فصائل في المعارضة السورية، ليس لها مصلحة في نجاحه، وربما تعمل على تخريبه، او حتى انهياره بالكامل، ونحن نتحدث هنا عن الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج، والسعودية (يعتبر تنظيما جيش الإسلام وفيلق الشام من حلفائها)، وقطر خاصة، وكأن لسان حالها يقول، اما ان أكون طرفا في اللعبة والا سأعمل على تخريبها.
الهجوم الذي شنه التحالف الروسي السوري اليوم الثلاثاء على مدينة ادلب، أدى الى مقتل 25 عنصرا مقاتلا من جبهة “فتح الشام”، “النصرة” سابقا، يعتقد ان من بينهم عددا من قيادات الصف الأول هو رسالة الى الفصائل السورية المسلحة التي جمدت التزامها بوقف اطلاق النار، والمشاركة في محادثات استانة.
صحيح ان كل من جبهة “فتح الشام” و”الدولة الإسلامية” لا ينطبق عليهما الاتفاق لانهما مصنفتان على قائمة الارهاب، ولكن الصحيح أيضا انهما على علاقة طيبة مع بعض الفصائل التي توصف بأنها معتدلة، ولعل اهم ما في هذه الرسالة ان معركة ادلب قد تكون بدأت قبل معركة استعادة تدمر، وان الفصائل لا تبتعد عن هذين التنظيمين ستواجه المصير نفسه، و”فتح الشام” و”احرار الشام” و”جيش الفتح”، الذي يعتبر الداعية السعودي عبد الله المحيسني ابرز قادته، تتمركز في هذه المدينة باعتبارها ملاذها الأخير.
***
جميع اتفاقات وقف اطلاق النار كانت عبارة عن هدن مؤقتة، للسماح للمتحاربين بالتقاط الانفاس، وإعادة التموضع، وكسب الوقت، ولا نستغرب ان يكون هذا هو حال الاتفاق الحالي أيضا، مع فارق أساسي وهو ان الضامنين له يملكان اوراق ضغط قوية كل على حلفائه، وان استعادة التحالف السوري الروسي الإيراني لمدينة حلب بالكامل، وبتواطؤ تركي، غّير الكثير من المعادلات على الأرض في سورية، مما يجعل فرص استغلال هذا التحالف الثلاثي للاتفاق شبه مؤكد.
احتمالات صمود وقف اطلاق النار ما زالت كبيرة، ورغم الخروقات وتبادل الاتهامات، وفصائل المعارضة المسلحة التي جلست على مائدة المفاوضات لأول مرة، بهذه القوة التمثيلية، وتقدمت على معارضات المنفى، لن يكون امامها أي خيار آخر غير الذهاب الى الآستانة، فتركيا التي كانت مصدر الدعم الرئيسي لها تعيش ظروفا صعبة، اقتصادية وامنية وعسكرية، وتفجير اسطنبول الأخير، وانهيار الليرة احد الأمثلة، والسعودية باتت تعطي الاولوية القصوى لحرب اليمن، وكيفية الخروج من مصيدتها بأقل الخسائر، وتريد التخفيف من العبء السياسي والمالي الذي تفرضه عليها الازمة السورية والمعارضة المسلحة.
اسدار الستار على فصول الحرب، وفتح أخرى لبدء المفاوضات والحوار، قد يكونا ابرز ملامح المشهد السوري في العام الجديد.




JANUARY 2, 2017
ما هو “الجديد” الذي حمله بيان “الدولة الإسلامية” عن هجوم إسطنبول؟ ولماذا يطالب “البغدادي” خلاياه النائمة بالتحرك الآن؟ ولماذا التحريض على استهداف المنشآت النفطية والمصالح الغربية في الدول العربية؟ ولماذا هذا الحقد على اردوغان؟
عبد الباري عطوان
اثبتت التفجيرات والهجمات الإرهابية “المتعددة” التي أعلنت “الدولة الإسلامية” مسؤوليتها عنها، واستهدفت في الأيام القليلة الماضية أماكن متفرقة في المنطقة العربية واوروبا، ان هذا التنظيم ما زال قويا رغم الحروب التي تشن في العراق وسورية للقضاء عليه، وان خلاياه النائمة ما زالت تشكل خطرا لم يتوقعه، وحجمه، الكثيرون مما يطلقون على انفسهم “الخبراء في شؤون الإرهاب”.
تكاثر الهجمات، ونجاح معظمها، ان لم يكن كلها، يثير حالة من الخوف والرعب في مختلف انحاء العالم، فلا يوجد أي دولة محصنة، مهما امتلكت أسباب القوة الأمنية والعسكرية، لان زعيم هذه الدولة اعلن بكل وضوح، ودون أي مواربة، ان المدنيين هم الهدف، خاصة في الدول التي تشارك في الحرب ضد “الدولة الإسلامية”، عربية كانت او أوروبيةـ وهذا من اسهل الأهداف، ولا تحتاج الى عبقرية في القدرة على التنفيذ.
زعيم “الدولة الإسلامية” ابو بكر البغدادي وجه تعليماته، وحسب ما جاء في قناة “السومرية العراقية”، الى قادته من المهاجرين (خارج حدود الدولة) لاحياء الخلايا النائمة، في الدول العربية والأوروبية، وتنفيذ هجمات نوعية على المدنيين، ردا على هجمات التحالف الدولي على “ارض الخلافة والمسلمين”، وخص بالذكر “المنشآت النفطية والمصالح الأجنبية التابعة للدول المشاركة في التحالف، وايقاع اكبر عدد ممكن من القتلى والخسائر البشرية”.
***
 
للوهلة الأولى يمكن القول ان تحديد استهداف المنشآت النفطية يعني المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، وربما ليبيا أيضا، التي توجد فيها هذه المنشآت، اما التحريض على ضرب المصالح الغربية، فإنه إشارة الى تنفيذ هجمات ضد السفارات والشركات الغربية في الدول العربية والإسلامية، جذبا للاعلام، واحتلال عناوين صحفه ومحطاته التلفزيونية الى جانب وسائط التواصل الاجتماعي.
ولعل اخطر ما جاء في تعليمات وتوجيهات زعيم تنظيم “الدولة” الى اتباعه، وقد تأكد انهم مثل اذرع الاخطبوط يتواجدون في معظم الأماكن، “مطالبته للمهاجرين المسلمين سواء في العراق وسورية، او دول أخرى، بالعودة الى بلدانهم وإعلان قيام “ولايات إسلامية فيها”، على غرار سيناء وسرت وأفغانستان وباكستان واوروبا، مما يوحي انه لا يستبعد القضاء على “دولة الخلافة” في نهاية المطاف، وبعد مقاومة شرسة.
السيد حيدر العبادي قال في تصريحات سابقة انه يحتاج الى شهرين للقضاء على “الدولة” في الموصل، بينما رأى فرانسوا هولاند، الرئيس الفرنسي اثناء زيارته الى بغداد امس، ان هذا الإنجاز قد يستغرق أسابيع، وتنبأ بأن عام 2017 “سيكون عام الانتصار على الإرهاب”، ولكن قائد قوات التحالف الدولي في العراق الجنرال ستيفن تاوسند يعتقد ان تحقيق هذا الهدف ربما يحتاج الى عامين، فأي منهم الأكثر صدقا؟
لا نتفق مع معظم هذه التنبؤات، ان لم يكن كلها، ولا نتردد في القول بأن الرئيس الفرنسي مغرق في التفاؤل عندما قال ان العام الجديد سيكون عام الانتصار على الإرهاب، فقد استقبلته “الدولة الإسلامية” بثلاثة تفجيرات متزامنة في بغداد وسامراء، وهجوم على ملهى ليلي في إسطنبول، وآخر في طرطوس قرب حاجز للجيش في شمال سورية، ورابع قبل أيام في برلين، والله وحده يعلم اين سيكون الهجوم المقبل.
هزيمة “الدولة الإسلامية” في الموصل ربما لن تكون اسدال الستار على وجودها، ومؤشر على القضاء على “دولة خلافتها”، وانما نهاية مرحلة “التمكن”، وبدء مرحلة “التمدد إرهابيا”، والأخيرة التي تعني العمل السري تحت الأرض، اقل كلفة واكثر خطورة في الوقت نفسه.
من يتمعن في بيانات “الدولة الإسلامية” الأخيرة التي تتبنى فيها المسؤولية عن الهجمات، يمكن ان يجد الأدلة الدامغة عما نقول، فالادبيات تغيرت، وكذلك اللهجة، وأسلوب التحريض، فالبيان الذي صدر عن عملية الهجوم على الملهى الليلي في إسطنبول الذي اودي بحياة أربعين شخصا قال “مواصلة للعمليات المباركة التي تخوضها “الدولة الإسلامية” ضد تركيا حامية الصليب دك احد جنود الخلافة الابطال احد اشهر الملاهي الليلية حيث يحتفل مسيحيون بعيدهم الشركي”، وتوعد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي تقتل طائراته المسلمين في مدينة الباب بالمزيد من الهجمات الانتقامية.
قبل بدء التحالف الدولي غاراته ضد تنظيم “الدولة” في العراق وسورية، وتجفيف منابعها المالية، وتشديد الحصار على المدن التي تسيطر عليها مثل الموصل والرقة، لم تنفذ “الدولة” عمليات إرهابية في الخارج، واكتفت في الدفاع عن أراضيها، ومحاولة التمدد جغرافيا في محيطها، لكن الآن وبعد ان باتت مسألة الحفاظ على “دولة الخلافة” صعبة وشبه مستحيلة، بدأت “الدولة” تنتقل الى المرحلة “ب” دفعة واحدة، وتعطي الضوء الأخضر لخلاياها النائمة بالتحرك.
تركيا قد تكون الأكثر تضررا من هذا التحول، خاصة بعد انخراطها الكامل في الحرب ضد “الدولة الإسلامية” بعد تلكؤ استمر لسنوات، وشكلت قوات “درع الجزيرة” لاخراجها من مدنية الباب بعد جرابلس في شمال سورية.
عندما كنت اجري الأبحاث، واللقاءات، تمهيدا لاصدار احدث كتبي الصادر بالانكليزية، وترجم لعدة لغات عالمية، قال لي احدهم بالحرف الواحد “تركيا لن تجرؤ على محاربتنا، فهناك اتفاق غير مكتوب بيننا، اذا هاجمتمونا سننقل الحرب الى عمقكم الجغرافي، وسندمر صناعة السياحة التي تدر عليكم 36 مليار دولار سنويا”.
***
 
التفجيرات التي وقعت في إسطنبول وانقرة والمنتجعات التركية الجاذبة للسياح، ربما كانت تنفيذا لهذه التهديدات، ووجود 24 اجنبيا بين قتلى الملهى الليلي في إسطنبول، ونسبة العرب من بينهم هي الأكبر، يؤكد جدية ما نقول، والرسالة واضحة تقول ان تركيا لم تعد آمنة لأهلها او زوارها، ونعتقد انها وصلت.
الأعوام المقبلة، وليس العام الحالي 2017 فقط، ربما تكون أعوام “الدولة الإسلامية”، او داعش، مثلما يصر البعض على تسميتها، فهذا التنظيم اخطر مما يتوقعه الكثيرون لان حواضنه ما زالت موجودة، وأسباب صعوده لم تختف، وقنوات الدعم ما زالت مستمرة، وان خفت حدتها في الفترة الأخيرة.
لا نريد ان نرسم صورة حالكة السواد ممزوجة بالتشاؤم، في وقت الاحتفال بالعام الجديد، ولكن هذه هي الحقيقة، وهذه هي بضاعتكم ردت اليكم، نقولها بكل مرارة، واللبيب بالإشارة يفهم.


 هجوم على ناد ليلي في قلب إسطنبول ليلة رأس السنة ماذا يعني لتركيا والرئيس اردوغان؟ وما هي دلالاته السياسية والدينية؟ وما هي الأهداف التي ارادت الجهة المنفذة تحقيقها؟ وما علاقته بسورية وتطوراتها؟
هدية “بابا نويل” الإرهابي المزور الذي اقتحم ناديا ليليا في إسطنبول ليلة راس السنة الميلادية كانت دموية، وازهقت أرواح اربعين محتفلا، واصابت اكثر من سبعين منهم، ومن بين الضحايا سبعة سعوديين، وثلاثة أردنيين وتونسيان ولبنانيان.
خطورة هذا الهجوم تأتي من امرين أساسيين: الأول انه جاء بعد ثلاثة أسابيع من هجوم آخر في العاصمة انقرة اسفر عن مقتل 45 شخصا معظمهم من رجال الشرطة، والثاني ان منفذه ما زال فارا من العدالة، وجاري البحث عنه، من قبل رجال الشرطة، مما يؤكد ان عمليته كانت مدبرة بعناية، ولم تكن انتحارية، وجرى التخطيط لها بشكل محكم، لإحداث اكبر قدر ممكن من الضرر، مما يوحي انه ليس عملا فرديا، وان تنظيما كبيرا يقف خلفه.
تفجير انقرة السابق تبنته منظمة كردية متطرفة يعتقد انها تابعة لحزب العمال الكردستاني، لكن لم تعلن أي منظمة مسؤوليتها عن الوقوف خلف المهاجم الذي اقتحم النادي الليلي حتى كتابة هذه السطور.
***
أصابع الاتهام توجه الى جهتين، الأولى هي التنظيمات الكردية المتطرفة، سواء كانت من أصول سورية او تركية، والثانية هي “الدولة الإسلامية” التي تخوض تركيا حربا شرسة ضدها لاخراجها من مدنية “الباب” بعد نجاحها من انهاء وجودها في مدينة جرابلس في الشمال السوري، وتكبدت خسائر عسكرية ضخمة بسبب المقاومة الشرسة.
بعض شهود العيان قالوا ان المهاجم كان يتحدث اللغة العربية، للايحاء بأنه قد ينتمي الى “الدولة الإسلامية” ولكن جرت العادة ان تعلن هذه “الدولة” فورا وبعد ساعات من وقوع الهجمات عن مسؤوليتها عنها في حال تنفيذها من قبل عناصر تابعة لها، او بايعتها، مثلما حدث في تفجيرات باريس وعمليتي الدهس في نيس (فرنسا) في الصيف الماضي، وسوق أعياد الميلاد في برلين قبل اسبوع، وقبلهما تفجيرات باريس وبروكسل.
اختيار ملهى ليلي، وبعد ساعة من دخول العام الجديد، له دلالات إسلامية “محرجة” للرئيس اردوغان، وحزب العدالة والتنمية الإسلامية الذي يتزعمه، خاصة انه يقدم نفسه كعثماني جديد، يريد إعادة احياء دولة الخلافة من خلال دعمه لأحزاب سلفية إسلامية سنية، وربما وضعت الجهة المهاجمة هذه الحقيقة في اعتبارها، واختارت التوقيت والمكان الملائمين، لتأليب بعض الإسلاميين او كلهم على الرئيس التركي وحزبه، خاصة في ظل خيبة الامل التي تسود أوساط المعارضين السوريين، والسفليين منهم خاصة، بسبب عدم تدخله لمنع استعادة الجيش السوري لحلب الشرقية.
اخطر ما في هذه الهجمات التي تتناسخ بشكل سريع في العمق التركي، وتركز على العاصمتين إسطنبول (التاريخية)، وانقرة (السياسية)، وتختار أهدافها بعناية كونها تستهدف تدمير هيبة الدولة التركية، وزعزعة استقرارها، وهز صورة النظام الحاكم، ومفاقمة اضرار الازمة الاقتصادية المتنامية، ونشر الفوضى الدموية في البلاد، وتكريس الانطباع القائل بأن تركيا لم تعد بلدا آمنا.
اللافت ان نقل مخطط الفوضى الدموية هذه الى تركيا، الذي يتشابه من قريب او بعيد مع شبيهه السوري، يأتي في وقت تتزايد الآمال في إيجاد حلول سياسية للازمة السورية بعد حسم الأمور في حلب، لصالح المحور الروسي الإيراني السوري، وبعد انضمام تركيا المفاجيء اليه، وهو الانضمام الذي قلب كل المعادلات الإقليمية والدولية.
ربما من السابق لأوانه القول ان هذا التحول في الموقف التركي جاء متأخرا، لان الحكومة التركية لعبت دورا رئيسيا في دعم ومساندة المعارضة المسلحة في سورية، وشقها الإسلامي المتشدد ومنظماته المدرجة أمريكيا وروسيا على قائمة الإرهاب، على مدى السنوات الست الماضية، وهذه حقيقة لا تحتاج الى اثبات، ولكن ما نعرفه، او بالأحرى نستنتجه، من تطورات الاحداث المتسارعة، ان تركيا تنجرف نحو مستنقع الإرهاب الدموي، بسبب سياساتها ومواقفها المرتبكة، وضياع بوصلة قيادتها، وخلق اكبر عدد من الأعداء في تاريخها وخاصة في دول الحوار.
***
اذا تأكدت مسؤولية “الدولة الإسلامية” عن هذا الاعتداء فهذا يعني انها بدأت تتبنى الخطة “ب”، أي الانتقال من مرحلة “التمترس″ و”التمكين” الى مرحلة الهجمات الارهابية الانتقامية من خصومها، ولهذا يجب اخذ تهديداتها بإقامة ثماني “ولايات” تابعة لها في منطقة الخليج على غرار ولاياتها الأخرى في سيناء وسرت وخراسان والموصل والرقة، بالجدية الكافية، فوجود 17 الف شرطي، نشرتهم الحكومة لتأمين احتفالات رأس السنة الجديدة، لم تمنع تسلل “بابا نويل” المزور الى اشهر الملاهي الليلية في إسطنبول، واقربها الى موقع الاحتفال الرسمي، واطلاق النار على 800 الف محتفل.
اما اذا لم تتأكد، وتبنت المسؤولية منظمة كردية إرهابية متطرفة، فان هذا يعني ان هناك استراتيجية كردية للثأر والانتقام، قد تكون اخطر من نظيرتها لدى “الدولة الإسلامية”، لان الاكراد في قلب النسيج الاجتماعي التركي الداخلي، واكثر دراية بشعاب انقرة وإسطنبول، والمراكز السياحية الجاذبة للزوار الأجانب.
تركيا تعيش حاليا ازمة حقيقة بشقيها الإرهابي والاقتصادي المتلازمين، والمخارج منها تبدو غير جاهزة.. وهنا مكمن الخطورة.


 الشرق الاوسط
يمنيون وإيرانيون يتهمون إسرائيل باستخدام أطفالهم «فئران تجارب»
أغلقت الدولة ملفات اختفاء أولاد المهاجرين اليهود و«دفنت الحقيقة تحت التراب»
الاثنين - 4 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 02 يناير 2017 مـ رقم العدد [13915]
تل أبيب: نظير مجلي
بعد تدشين موقع الإنترنت الخاص بنشر مواد لجنة التحقيق في اختفاء أولاد المهاجرين اليمنيين، بين سنوات 1948-1954، بدعوى الشفافية، أبدى قادة يهود اليمن غضبهم، وأعلنوا أن البروتوكولات المنشورة غير كاملة، واتهموا الحكومة بتفعيل مقص الرقابة فيها، وإخفاء حقيقة رهيبة، هي أن أطفالهم لم يباعوا لعائلات إشكنازية غنية، مقابل المال وحسب، بل واستخدموا فئران تجارب طبية.

وقالت شيمريت يونتي كابلن، وهي حفيدة نعومي غفرا، التي قالت مرارا وتكرارا، إنه جرى خطف ابنها، إن «خلاصة نشر البروتوكولات تقول إن عدد المخطوفين لا يزيد كثيرا على ألف طفل، وإن غالبيتهم الساحقة ثبت أنها توفيت، وهذا غير صحيح». وأضافت في حديث إذاعي، أمس، أن الادعاء الإسرائيلي الرسمي، يظهر أن قضية أطفال اليمن التي تحرق قلوب ألوف العائلات، هي قضية تافهة ومضخمة وغير واقعية. كأننا بهم يقولون لنا: «ها نحن ننشر لكم المحاضر والملفات كلها... أترون؟ لم يحدث شيء مما قلتموه لنا. وهكذا يتنصلون من مسؤولية الدولة عن الجريمة التي ارتكبت بحقنا وبحق أطفالنا، وما تزال مستمرة حتى اليوم. لا بل إن غضبنا اليوم أكبر، لأن الدولة معنية بإغلاق الملف ودفن الحقيقة تحت التراب».

المعروف أن قضية يهود اليمن مطروحة على جدول الأبحاث الإسرائيلية منذ 55 سنة. فقد تم الكشف يومها عن أن مئات الأطفال من اليهود الفقراء، الذين هاجروا إلى إسرائيل من اليمن في السنوات الأولى لقيام الدولة، قد اختفوا على الطريق، ومئات أخرى منهم مرضوا، فأخذهم ذووهم إلى المستشفيات. وهناك قيل لهم إن الطفل توفي من دون أن يسمحوا لهم برؤيته. ومع تقدم الزمن ووصول عدد من شباب هذه العائلات إلى مناصب أكاديمية ووظائف وزارية، بدأ الحديث الداخلي في الطائفة اليمنية يخرج إلى الإعلام. وظهر من تحدث عن عملية منهجية اتبعت آنذاك، وبموجبها جرى خطف أطفال يهود اليمن وبيعهم إلى عائلات يهودية قادمة من أوروبا، خصوصا ممن فقدوا عائلاتهم في معسكرات الاعتقال النازية.

ومنذ ذلك الوقت وهم يناضلون لكشف الحقائق. وأقيمت ثلاث لجان تحقيق رسمية عملت في الموضوع. ولكن كل هذه اللجان خرجت بتقارير تلفلف القضية ولا تعطي أجوبة شافية للأمهات والآباء الذين فقدوا أولادهم. وظلت العائلات تطالب بكشف البروتوكولات الكاملة. وقد قررت حكومة نتنياهو التجاوب مع الطلب. وافتتح أمس، الموقع المشار إليه، وفيه 400 ألف وثيقة و3500 ملف عن هذه القضية، تتضمن شكاوى تفصيلية من المواطنين. لكن هذا الكشف لم يكن كاملا. إذ اتضح أن الرقابة الحكومية برئاسة وزير الشؤون الإقليمية، تساحي هنغبي، أبقت على كثير من الأمور سرية. فلم يعرف مصير الكثير من الأطفال، ولم تكشف ملفات الأطفال الذين منحوا لعائلات قادمة من أوروبا لتبنيهم.

وقال أحد قادة يهود اليمن، أمس، إن هناك معلومات تفيد بأن الأطفال لم يؤخذوا للتبني وحسب، بل إن بعضهم استخدموا للتجارب الطبية.

وأضافت الجالية الإيرانية في إسرائيل شكاوى جديدة. فقد وجه يهود من أصل فارسي اتهاما أمس، بأن أطفالهم أيضا، خطفوا في السنوات الأولى لقيام إسرائيل. بل تبين أن أحد الأطفال الإيرانيين المخطوفين، هو شقيق رئيس الدولة الأسبق، موشيه قصاب، الذي أطلق سراحه في مطلع الأسبوع، بعد أن أمضى خمس سنوات في السجن لإدانته بتهمتي اغتصاب لموظفات عملن معه، عندما كان وزيرا للسياحة. وحسب أحد أفراد العائلة، فإن شقيق قصاب اختطف وهو ابن سنتين ونصف السنة.

وأكد عامي ميشولَم، وهو نجل عوزي ميشولم، قائد احتجاجات يهود اليمن، الذين هاجروا إلى إسرائيل من أجل كشف مصير الأطفال، أن «الغاية من نشر الوثائق، هي دفن القضية، ولا يساعد على التوصل إلى حقيقة ما جرى في السنوات الأولى للدولة». وأضاف: «إن كل ما نُشر عن القضية هراء، وإن ما يجري حاليا هو ليس أكثر من التلاعب بالناس، بالعائلات المنكوبة التي تبكي ليل نهار، حتى الآن، على مصير أولادها». وإنه لم يتوقع أن تكشف الدولة عن ضلوعها بالقضية. وقال: «أيخطفون الأطفال ويعترفون الآن بذلك؟ هل هذا منطقي؟ أنت تأتي لمجرم ارتكب جرما وتطلب منه أن يكشف الجريمة. إنهم يهزؤون بكل الطائفة اليمنية والطوائف الشرقية معا».

وكان عوزي ميشولم، الذي توفي عام 2013، قبع في السجن ستة أعوام، بعد تحصنه مع مجموعة من اليهود اليمنيين في بيت، وأمرهم بإلقاء زجاجات حارقة باتجاه قوات الشرطة الإسرائيلية، في إطار احتجاج ومطالبة بتشكيل لجنة تحقيق في قضية اختفاء أطفال يهود اليمن. وقال نجله، إنه جرى إطلاق سراحه بشرط ألا يتحدث حول القضية في العلن. وطالب عوزي ميشولم، بأن يدلي بإفادة تحتوي على معلومات حول اختفاء أطفال يهود اليمن، أمام لجنة تحقيق رسمية شكلتها الحكومة الإسرائيلية، لكنه اشترط أن يتم نقل إفادته بالبث الحي، وهو ما رفضته اللجنة. وقد هجرت إسرائيل عائلته إلى الولايات المتحدة.

وقال ابنير فرحي، رئيس جمعية أولاد اليمن في إسرائيل: «إن فتح الأرشيف ينطوي على أهمية دراسية لمن يرغب في الكتابة عن هذا الموضوع، لكن لا توجد هناك أي ذرة معلومات حول ما حدث للأولاد. المواد أخضعت للرقابة وتم شطب فقرات منها، ولا توجد لها أي أهمية قانونية».


 الحيات
تخلّي الأكراد عن «غرب كردستان» قبل الحوار مع النظام في قاعدة حميميم
آخر تحديث: الإثنين، ٢ يناير/ كانون الثاني ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ - بتوقيت غرينتش) لندن - إبراهيم حميدي
أسفر مؤتمر موسع للإدارات الذاتية الكردية عن تغييرات في وثائقها بينها حذف عبارة «روج آفا» (غرب كردستان) قبل استضافة القاعدة العسكرية الروسية في حميميم في اللاذقية غرب سورية بدءاً من الأسبوع المقبل مفاوضات بين وفدي الإدارة الذاتية والحكومة السورية، وذلك ضمن سلسلة من لقاءات ومؤتمرات تجرى استعداداً لمفاوضات آستانة على أمل انتقالها إلى مفاوضات رسمية في جنيف في ٨ الشهر المقبل برعاية المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا.
قبل أسبوعين حطت طائرة روسية في مطار القامشلي على بعد مئات الأمتار من مطار زراعي يستخدمه الجيش الأميركي لدعم الأكراد في قتال «داعش». ونقلت الطائرة وفداً من الإدارة الذاتية والأحزاب الكردية إلى مطار حميميم، حيث جرى لقاء مع قياديين عسكريين روس تمهيداً لمفاوضات مع وفد حكومي سوري.
الجلسة السابقة من المفاوضات، أظهرت فجوة كبيرة بين الجانبين. إذ قدم الوفد الحكومي برئاسة أحمد كزبري ستة بنود، هي: «منصب الرئيس بشار الأسد خط أحمر لا يجوز بحثه، يجب أن تتم جميع الأمور بموجب الدستور السوري الحالي للعام ٢٠١٢، يجب انتشار مؤسسات الحكومة في جميع أنحاء البلاد (بما فيها مناطق الأكراد التي سيطرت عليها وحدات حماية الشعب الكردية والأحزاب السياسية منذ أربع سنوات) مع إمكانية توسيع الصلاحيات الإدارية، يجب أن يكون السلاح حكراً على الجيش السوري، وحدة أراضي سورية وعدم التنازل عن أي جزء من سورية، إمكانية إجراء تعديلات في الدستور الحالي لضمان حقوق جميع المواطنين».
في المقابل، رد وفد الأحزاب الكردية برئاسة فوزة يوسف، التي أصرت على تشكيل وفد من الإدارة الذاتية، بضرورة إجراء الحوار «من دون أي شروط مسبقة» لأن «وضع خطوط حمراء» يعني أن المفاوضات ستكون عقيمة ولن تصل إلى أي نتيجة، إضافة إلى أن دستور العام ٢٠١٢ يتضمن الكثير من المواد غير الديموقراطية لذلك لا بد من صوغ دستور جديد في لجنة مشتركة من السوريين.
من جهته، دخل الجانب الروسي على الخط واقترح البدء بنقاشات من تحت إلى فوق وتحسين وضع وحقوق الأكراد الديموقراطية والثقافية والسياسية، إضافة إلى بحث فكرة الإدارات المحلية واللامركزية. ومن المقرر أن تجري جلسة مفاوضات بعد ٨ الشهر الجاري بموجب جدول أعمال روسي.
لكن قبل ذلك، عقد في الرميلان شرق سورية قبل أيام، مؤتمر بحضور حوالى ١٦٠ شخصاً من أقاليم الجزيرة وعين العرب (كوباني) وعفرين لبحث واقع الإدارات الذاتية ومشروع الفيديرالية وتقدم «قوات سورية الديموقراطية» الكردية - العربية ضد «داعش» وتوغل فصائل «درع الفرات» بدعم الجيش التركي شمال حلب، إضافة إلى مناقشة «العقد الاجتماعي» (الدستور) والوثيقة السياسية من قبل المجلس التأسيسي والتي تعبر عن رؤية المجلس للمبادئ الأساسية لحل الأزمة السورية.
وانتهى المؤتمر، بحسب وثائقه نهائية، إلى إقرار «فيديرالية شمال سورية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من سورية الفيدرالية الديموقراطية»، وأن الفيديرالية هي «مشروع الحل الديموقراطي لسورية المستقبل وإخراجها من مأزقها ووقف للدمار المجتمعي»، والعمل لـ «بناء سورية تتسع لجميع أبنائها وفق نظام فيديرالي ديموقراطي برلماني تعددي».
وكان لافتاً، حذف عبارات «فيديرالية روج أفا (غرب كردستان)» واعتماد «فيديرالية شمال سورية» بحيث تكون الفيديرالية «قائمة على الجغرافيا وليس الديموغرافيا أو المكونات» كما كان سابقاً. وقال قيادي كردي شارك في المؤتمر: «اتفقنا على تشكيل نظام ديموقراطي يضم جميع المكونات فيه حماية لحقوق الأكراد وليس تخلياً عنها».
ولم يعرف مدى ارتباط هذه التغييرات، قبل مفاوضات حميميم، بالتطورات الأخيرة بتحسين العلاقة بين موسكو وأنقرة التي ترفض ربط الأقاليم الكردية وتعتبر قيام إقليم كردي سوري (كردستان) شمال سورية قرب حدود تركيا «خطاً أحمر». لكن لوحظ تزامن هذه التغييرات مع انتشار عناصر من الشرطة العسكرية الروسية في حي الأشرفية في حلب الخاضع لسيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية، إضافة إلى تضمن وثائق اتفاق وقف النار نشر مراقبين ونقاط تفتيش من روسيا وتركيا في خطوط التماس، خصوصاً في حلب ومحافظة إدلب بعد بدء عملية عزل «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقاً).
وخلال الحديث مع الجانب الروسي عن تشكيل وفد فصائل المعارضة إلى مفاوضات آستانة، رفضت أنقرة مشاركة «الاتحاد الديموقراطي الكردي» بزعامة صالح مسلم ضمن وفد المعارضة، وأشارت إلى إمكانية مشاركته «ضمن وفد النظام». لكن لا يزال هناك الكثير من الغموض إزاء مفاوضات آستانة في الأسابيع المقبلة، بما في ذلك الجدول الزمني والمدعوون والمرجعية ومدة المفاوضات.
والاتفاق الروسي - التركي أثار قلق أطراف عدة في المعارضة. وتركز، بحسب معلومات، قلق المنسق العام لـ «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة رياض حجاب حول ثلاثة أمور: فقدان حصرية تمثيل وفد المعارضة وذهاب ذلك إلى الفصائل المقاتلة، وضياع مرجعية «بيان جنيف» للمفاوضات، وعدم قدرة روسيا على ضبط مخططات إيران. وأجرى حجاب في اليومين الماضيين اتصالين مع وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون لبحث «منعكسات الانتهاكات التي ترتكبها قوات النظام والميليشيات الإيرانية وحزب الله في وادي بردى في ريف دمشق في خرق واضح لاتفاق الهدنة»، بحسب بيان لـ «الهيئة». وأضاف أنه بحث مع دي ميستورا ان «العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة مستندة إلى بيان جنيف لعام ٢٠١٢ وقرارات مجلس الأمن ذات الصِّلة وعلى وجه الخصوص القرار ٢٢٥٤، هي الإطار الذي تعمل الهيئة من خلاله لتحقيق الانتقال السياسي».
ونجحت دول غربية في إضافة «بيان جنيف» والقرار ٢٢٥٤ إلى مشروع روسي لقرار دولي دعم الاتفاق بين موسكو وأنقرة لوقف النار ومفاوضات آستانة. ولا يزال يأمل دي ميستورا، الذي سيقدم فريقه الدعم في آستانة، باستئناف مفاوضات جنيف بعد ٨ الشهر المقبل. وهو أبلغ حجاب «التزام العملية السياسية التي فوضه بها مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة وفِي إطار مرجعية بيان جنيف والقَرار ٢٢٥٤ ولن يوفر أي جهد لإطلاق العملية السياسية والبناء على أي مبادرات أو جهود تخدم هذا الغرض، ومنها ما يتم الحديث عنه من مفاوضات في آستانة».
وأثار شعور القلق قوى سياسية أخرى إلى عقد مؤتمر موسع في القاهرة، حيث بدأت اتصالات بين أحزاب وتكتلات سياسية لعقد «القاهرة-٣» في منتصف الشهر المقبل لمراجعة وثائق المؤتمرين السابقين ومدى انسجامها مع الوضع الراهن. كما تسعى مسؤولة الشؤون الخارجية والأمنية فيدركا موغيريني إلى عقد مؤتمر للمعارضة في الأيام المقبلة، خصوصاً أنها كانت جمعت ممثلي من «الائتلاف الوطني السوري» و «هيئة التنسيق الوطنية» في بروكسيل. كما أنها بعثت إلى قوى سياسية وشخصيات سورية وثيقتها عن ربط إعادة إعمار سورية بالانتقال السياسي مع أسئلة خطية عن اللامركزية وكيفية تحقيق ذلك. ويعرض مشروع «الأجندة الوطنية لسورية» بدعم من «إسكوا» نهاية الشهر نتائج عمله واستشرافه المستقبلي في السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار.


 تاريخ أوباما المخزي مع قضية فلسطين
ثماني سنوات قضاها باراك أوباما في البيت الأبيض. جاء مع وعد بإنصاف الفلسطينيين وحل قضيتهم. كان أكثر الرؤساء الأميركيين اطلاعاً على هذه المأساة الطويلة وعلى دور إسرائيل في تشريد هذا الشعب وحرمانه من وطنه. اعتقد كثيرون أن أوباما يعرف حجم المعاناة الفلسطينية الشبيهة إلى حد بعيد بما عاناه السود لتحصيل حقوقهم المدنية والسياسية. قبل انتخابه كان أوباما صديقاً وضيفاً شبه دائم في منزل الدكتور رشيد الخالدي بنيويورك، والتقى وشارك في مناظرات عدة مع إدوارد سعيد. وكان أول اتصال أجراه بعد توليه الرئاسة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. أحد مساعدي أبو مازن قال بفخر يومذاك: «لم نكن ننتظر هذا الاتصال من الرئيس أوباما، لكننا نعرف مدى اهتمامه بالقضية الفلسطينية». وفي اليوم الثاني لتوليه المنصب عين السيناتور جورج ميتشل مبعوثاً شخصياً له إلى الشرق الأوسط. ميتشل الذي يعرف المنطقة جيداً كان صاحب التقرير الشهير عام 2001 الذي دعا فيه إلى تجميد الاستيطان في القدس والضفة الغربية، وكان كذلك وراء التسوية التاريخية بين الكاثوليك والبروتستانت في إرلندا الشمالية. لذلك، كان اختياره مؤشراً إلى جدية الرئيس الأميركي الجديد في البحث عن حل. وبعد أربعة أشهر، خلال زيارة قام بها أبو مازن إلى البيت الأبيض، طالبت إدارة أوباما إسرائيل بتجميد كامل للمستوطنات في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.

مضت السنوات وأخذ أوباما يتراجع عن وعوده. وكانت خيبة الفلسطينيين في حجم خيبة المعارضة السورية. رئيس يعد ولا يفي. يطلق الخطب ويعجز عن اتخاذ أي قرار. أول التراجعات وأكثرها صعوبة على الجانب الفلسطيني كان عندما ضغط أوباما على الفلسطينيين للعودة إلى طاولة المفاوضات مع نتانياهو من دون أن يشترط على حكومته التي كانت وصلت إلى الحكم آنذاك (آذار - مارس 2009) وقف المستوطنات. وعندما طلب أوباما من وزير خارجيته جون كيري رعاية مفاوضات جديدة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 2013، استخدم نتانياهو تلك المفاوضات كغطاء لتوسيع المستوطنات.

لو كان أوباما صادقاً وجاداً في موقفه من المستوطنات، لكان تصرف مع إسرائيل بطريقة تلزمها بوقف هذا الاعتداء المتمادي على الأرض الفلسطينية. أوباما، على عكس ذلك، أمر بالتصويت بالفيتو في مجلس الأمن (في شباط - فبراير 2011) ضد قرار يعتبر المستوطنات غير شرعية ويدعو حكومة إسرائيل إلى وقفها. أيد 14 عضواً في المجلس القرار وحال الفيتو الأميركي دون صدوره. كان نص ذلك القرار مشابهاً في شكل شبه كامل لنص القرار الأخير الرقم 2334. الفرق الوحيد أن القرار الأخير سيبقى حبراً على ورق، لأن دونالد ترامب سيعطل كل فرص الضغط على إسرائيل لتنفيذه، فيما كان في وسع أوباما، لو كان جاداً، ألا يعطل صدور القرار الآخر قبل خمس سنوات، وأن يربط أي مساعدات لإسرائيل بوقف المستوطنات، طالما أنه يعرف، هو ووزير خارجيته، أنها تحول دون قيام حل الدولتين. ليس هذا فقط، بل إن أوباما، كما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، منع جون كيري قبل سنتين من عرض موقفه الأخير ضد المستوطنات، بحجة أن خطاباً كهذا يغضب نتانياهو!

في ظل رئاسة أوباما، زاد عدد المستوطنين في الضفة الغربية مئة ألف ليصل الآن إلى 400 ألف مستوطن وفي القدس الشرقية يزيد عددهم عن 200 ألف. كما بدأ العمل في الفترة ذاتها على بناء أكثر من 12700 وحدة استيطانية في الضفة الغربية. وفي ظل رئاسة أوباما، حصلت أسرائيل على أكبر صفقة مساعدات عسكرية بقيمة 3,8 بليون دولار، على مدى عشر سنوات، هي أكبر مساعدة عسكرية تقدمها الولايات المتحدة لأي دولة على الإطلاق.

ما سمعناه أخيراً على لسان جون كيري نعرفه جميعاً ويعرفه أصحاب الضمير في العالم كله. المستوطنات تفكك الأرض الفلسطينية وتحول دون قيام دولة فلسطينية مترابطة. على إسرائيل أن تختار بين أن تكون دولة ديموقراطية أو دولة يهودية، لكنها لا تستطيع أن تكون الأمرين معاً. ألم يسمع أوباما وكيري أن نتانياهو اتخذ قراره في شأن الهوية التي يريدها لدولة إسرائيل؟

لو كان أوباما يريد حلاً عادلاً لقضية فلسطين لكان عليه أن يتخذ قرارات ترغم إسرائيل على احترام الشرعية الدولية عندما كان رئيساً، وليس قبل ثلاثة أسابيع من انتهاء ولايته. لكن أوباما تأخر في فعل ذلك خوفاً من خسارة ولاية ثانية. فهذا الموقف «البطولي» الذي يتخذه اليوم لن يكلفه شيئاً ولن يخدم الفلسطينيين في شيء.


 السفير الإيراني و«حاجي واشنطن»

علي الديري
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-12-31 على الصفحة رقم 13 – قضايا وآراء
في كتاب «سعادة السفير»، وهو النسخة العربية من كتاب «آقاي سفير»، الذي يروي السيرة الذاتية لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وقد ترجمه «مركز أوال» للدراسات والتوثيق، تتكرر كلمة «العلاقات الدولية» أكثر من سبعين مرة، وفي كل هذه التكرارات، دوما تأتي في سياق الإشكالات والسؤال والنقد والبحث عن بديل. تُحدثنا هذه السيرة عن مراجعة تاريخية طويلة لممارسة العلاقات الدولية في السياسة الإيرانية منذ زمن «حاجي واشنطن» حتى زمن الثورة، وصولاً إلى مرحلة مخاضات الاتفاق النووي.
«حاجي واشنطن» تعبير مجازي ساخر وظريف يحيل إليه ظريف في سيرته كثيراً. يروي فيلم «حاجي واشنطن»، الممنوع لسنوات طويلة في إيران، قصة سفر أول مندوب سياسيّ (1888-1889) لإيران في العصر القاجاري إلى الولايات المتحدة الأميركية. يصل السفير حاجي واشنطن إلى منصبه في ظلّ عدم وجود أي إيراني في واشنطن مع مترجم لأنّه لا يتقن اللغة الإنكليزيّة. يلتقي حاجي واشنطن برئيس أميركا المعزول في حفل كبير. ونظرًا إلى جهله بالأحداث، يدعوه ظنًا منه أنّه لا يزال الرئيس، ويقوم بترتيب ضيافة من الأطعمة الإيرانية له، بعد أن يكون قد فصل كل خدم السفارة لعدم وجود مراجعين، وللاقتصاد في التكاليف. ويصل الرئيس الأميركي السابق في ملابس غير رسمية، بنيّة أخذ حفنة من الفستق.
تحكي نهاية القصة وحدة حاجي واشنطن ومحادثته لنفسه بالهموم والشجون، بما فيه من عتاب لتخلّف النظام القاجاري، وينتهي الفيلم برجوعه المهين من هذه المهمة الشاقة بشكل مأساوي، وهو يحمل خسارته السياسية. بحس نقدي عالٍ، يعلق ظريف على نموذج سفير العلاقات الدولية هذا بقوله: سيرة حاجي واشنطن شبيهة بسيرة الكثير من دبلوماسيينا، ويبقى الفارق أنّ الديبلوماسيين بعد الثورة كانوا يمتلكون غرورًا خاصًا لم يكن حاجي واشنطن يمتلكه.
أراد ظريف أن يشكل نموذجاً ثورياً في العلاقات الدولية، ليس بالمزايدة على رجالات الثورة، بل بالثورة ضد نموذج حاجي واشنطن لذلك ظلّ تعريف العلاقات الدولية يثير قلقه، كلما حاول أن يضع له مفهوماً أو يمارس من خلاله دوراً. لقد بدأ حياته بدراسة هذا التخصص أكاديميًا، وحمل مسؤوليته كمهمة عامة، لا كمهنة خاصة إذ يقول «هذا التخصص حَمَّلَني مسؤولية ثقيلة. وأفكر كثيرًا أنّ الأخطاء التي ارتكبتها أو ارتكبها أمثالي في مجال السياسة الخارجية، يحمل ثقلها سبعون مليون إيراني، حتّى إنّني أقلق».
حين أصبح ظريف في العام 1992م معاونًا لوزير الخارجية الطبيب علي أكبر ولايتي، كان الشخص الوحيد الذي درس العلاقات الدولية في مجلس المعاونين، فقد كان جميعهم مهندسين، هكذا ظلت علاقته بتخصصه إشكالية دوماً مع نفسه ومع وسطه، وكأنه يتكلم لغة خاصة ويجد صعوبة في التفاهم من خلالها مع الآخرين.
ظل يطور مفهوم العلاقات الدولية وممارسة عمله الديبلوماسي الخارجي من خلال العمل على نموذج مضاد لـ «حاجي واشنطن»: كيف يمكننا أن نطور ديبلوماسيتنا الخارجية، لتكون قادرة على المستوى الدولي: أن تفهم لغة العالم، وتفوز وسط الصراعات الحرجة، وتحتفظ بكبريائها وسط ممارسات الإذلال العالمي؟
يكرر ظريف في سيرته الدرس الذي تعلمه من عمله مع الرئيس (خاتمي) وهو وجوب تغيير نموذج العلاقات الدولية، لتكون نموذجًا للحوار عوضًا عن الإلغاء. فلا يمكنك أن تفرض عدم الأمن على الآخرين لتصل إلى الأمن، أو أن تفرض التخلف على الآخرين لتحصل على رفاه شعبك وتطوره، إن كلّ نجاح على حساب الآخر هو نجاح غير مستقرّ. تفضل الدول المتغطرسة في العلاقات الدولية، نموذج «حاجي واشنطن» وما يشبهه، وهو رجل السياسة الذي لا يملك ندية التفاوض، ولا مؤهلات الحوار، ولا قاعدة المعرفة ولا قوة القدرة أو ما يسميه ظريف نموذج «عمود القدرة» في العلاقات الدولية. يمثل «حاجي واشنطن» نموذج الإذلال في العلاقات الدولية الذي يحدثنا عنه برتران بديع في كتابه الحديث «زمن المذلولين.. باثولوجيا العلاقات الدولية».
إنها علاقة مرضية، تعاني من حالة باثولوجية، تفهم الانتصار من خلال الإخضاع والإذلال الذي هو «فعل قوة تختار الدفع بالآخر إلى موقع أدنى من ذاك الذي كان يتوقعه» كما يقول خبير زمن المذلولين في العلاقات الدولية.
في مقابل خيبة حاجي واشنطن الذي عاد من أميركا يجر أذيال إذلال هيبة الديبلوماسية الفارسية، أطل ظريف بابتسامة، من علو على العالم، خلال الساعات القليلة قبيل الاتفاق في 14 تموز 2015. أطل من شرفة فندق كوبورغ في العاصمة النمساوية فيينا ليخبر الصحافيين المُشرئِبة أعناقهم إليه: لقد توصلنا إلى اتفاق نووي شامل مع مجموعة 5+1.
إنها، حكاية سعادة السفير، تَستحق أن تُروى، من شرفة السيرة الذاتية، ففيها خلفيات الابتسامة التاريخية التي استقبلها العالم بارتياح وإعجاب كبيرين.


السفير
عن لقاء موسكو الثلاثي: محاولة تحليل
محمد صالح الفتيح
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-12-24 على الصفحة رقم 13 – قضايا وآراء
استعجل إذاً الأصدقاء الألداء، روسيا وتركيا وإيران، عقد لقائهم الثلاثي في موسكو. فتم تقديم موعد القمة أسبوعاً من السابع والعشرين إلى العشرين من كانون الأول الحالي. بيان القمة ذو النقاط الثماني لم يشكل في الحقيقة أي ابتعاد عما بات يُعتبر من الثوابت المتفق عليها عند الحديث عن مسار إنهاء الحرب السورية: الالتزام باحترام سيادة أراضي الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدتها، تأكيد الطبيعة العلمانية للدولة السورية، القناعة بعدم وجود حل عسكري، التشديد على أهمية تمديد نظام وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254. يكاد يكون إعلان موسكو 2016 نسخةً طبق الأصل عن إعلان فيينا 2015، ولعل الجديد هو الإشارة لسوريا بكونها دولةً «متعددة الأعراق والأديان» والدعوة لسلسلة من اللقاءات بين الحكومة والمعارضة السورية في العاصمة الكازاخية، أستانا، لتسريع المفاوضات في جنيف، والقبول الروسي الضمني بالتوقف عن العمل لتوسعة قائمة المنظمات الإرهابية، التي باتت تقتصر على تنظيمي «داعش» و «جبهة النصرة». الغالب أن حماس الدول الثلاث لعقد سلسلة اللقاءات في موسكو يعود لدوافع قد تكون أبعد بكثير من معركة حلب، بل قد تكون أبعد من الحرب السورية.
تركيا
لنبدأ مع تركيا التي تتركز الأنظار عليها هذه الأيام. كيف تفاعلت تركيا مع نتائج معركة حلب؟ هل كانت هزيمة الفصائل المسلحة في حلب سبباً في تغيير الموقف التركي ودفع أنقرة للتصرف بشكل عقلاني والنزوع للتعاون مع موسكو؟ أم أن نزوع أنقرة للتعاون مع موسكو قبل المعركة بأسابيع، والتوقف عن إرسال دعم إضافي للفصائل المسلحة، على نحو ما حصل مطلع الصيف الماضي، بل وتشجيع بعض هذه الفصائل، «أحرار الشام» تحديداً، على الجلوس للتفاوض مع الروس في تركيا، هو ما سهّل مهمة السيطرة على أحياء حلب الشرقية؟ لكل من هاتين السرديتين المتناقضتين ما يدعمه، ولكن قد يكون هناك تفسير ثالث أفضل.
في لحظة انتقال مفصلية بين إدارة أوباما، في مرحلة «البطة العرجاء»، التي لم تكن بوارد اتخاذ قرار عسكري غير مسبوق لمنع سقوط أحياء حلب الشرقية، وإدارة ترامب، التي لا يُعرف يقيناً حتى الآن طبيعة الدور الذي يمكن أن تطلب من تركيا لعبه، وجدت أنقرة أنه من المفيد أن تحدّ من خسائرها وأن تعمل على حشد أكبر قدر ممكن من الأوراق الرابحة في يدها. من المفارقات التي لم تحظَ بالاهتمام مؤخراً أن أنقرة، التي طالما قيل إن معركتها الأهم في سوريا هي معركة حلب، لم تكن الخاسر الأكبر من نتيجة معركة حلب. فلا علاقاتها ساءت بموسكو، على عكس علاقات العديد من العواصم الغربية، وجيشها يتقدم في ريف حلب الشرقي من دون أي اعتراض حقيقي من حلفاء دمشق (هل كان هذا جزءاً من اتفاق مقايضة ما، أم تفصيلاً يفضل المعنيون غضّ النظر عنه؟ سنعلم هذا لاحقاً)، والأهم أنها جلست في موسكو للتفاوض والمشاركة في صناعة خريطة طريق لإنهاء الحرب السورية، فيما غاب الأميركيون والأوروبيون والعرب. ولن يكون من المستغرَب أن نسمع قريباً أن أنقرة، في جنوحها الواقعي الحالي، قد ناقشت حجم حصتها في مشاريع إعادة إعمار سوريا، الكعكة التي ستزيد قيمتها على مئتي مليار دولار.
لم تتحسّن أوراق تركيا في وجه خصومها بل في وجه حلفائها كذلك. كانت إدارة أوباما قد ضغطت على تركيا لإرسال قواتها إلى داخل الأراضي السورية لمحاربة تنظيم «داعش»، وذلك عبر التلويح بالسماح للقوات الكردية بربط مواقعها عبر ضفتي نهر الفرات. قبلت أنقرة، بعد طول مماطلة وتردّد، بإرسال جيشها لغزو الأراضي السورية، وتعهّد نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في اليوم الأول للغزو التركي بأن «قوات سوريا الديموقراطية» ستنسحب فوراً من منبج وتعود إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات. ولكن بعد قرابة أربعة أشهر لم يحصل الانسحاب المزعوم، برغم أن القوات التركية لم تتوقف عن التقدم في الشمال السوري، وباتت تخوض مواجهةً مرتفعة الكلفة مع «داعش». تشعر أنقرة كما لو أن واشنطن تتعامل معها كأداة يتوقع منها الطاعة التامة ولا تؤخذ مصالحها، ومخاوفها، بالحسبان. لهذا تحتاج أنقرة لأوراق جديدة تحسّن من شروط علاقتها بواشنطن، وتبقيها لاعباً مهماً في المرحلة المقبلة من الحرب السورية. بجلوسها للتفاوض مع الروس والإيرانيين، تبدو أنقرة في وضعٍ مثالي للخروج بأقل الخسائر مهما كان المسار المقبل للحرب السورية. فلو مضت واشنطن نحو تفاهم ما، فستكون أنقرة حاضرةً فيه بشكلٍ فاعل، ولو قررت إدارة ترامب رفع وتيرة تسليح الفصائل المسلحة، والاستفادة من الضوء الأخضر الأخير الذي منحه الكونغرس لوزارة الدفاع، فستكون أنقرة كذلك حاضرةً بقوة، فهي أحد مسارين اثنين لا ثالث لهما لنقل السلاح إلى الداخل السوري.
روسيا
برغم كل الحديث عن وجود عناصر مهمة في إدارة ترامب ـ على رأسها بالطبع ترامب نفسه – تنزع للتعاون مع روسيا وتتجنب نزعة شيطنتها، تدرك موسكو أن الانتقال إلى شهر عسل جديد مع واشنطن لن يكون انتقالاً تلقائياً، ولن يكون انتقالاً سهلاً. الانتقال من مرحلة الحرب الباردة الجديدة نحو المهادنة يمرّ بالضرورة بتطوير حزمةٍ من الأوراق القوية: توجيه ضربة قوية في الميدان السوري ستدفع البعض في واشنطن باتجاه التشكيك في إمكانية بقاء الفصائل المسلحة. كذلك، فإن إعلان موسكو مضيها نحو وقفٍ لإطلاق النار والتأكيد على الحل السياسي لا العسكري، يسمح لواشنطن بالحفاظ على ماء وجهها فلا تبدو وكأنها قد هزمت في سوريا وباتت تماماً من دون أي خيارات. وبالتزامن مع كل هذا، تستمر موسكو بالتأكيد على أن مساعيها مستمرة لتطوير قدراتها العسكرية. تصريحات الرئيس الروسي منذ يومين حول ضرورة العمل على تطوير القدرات النووية والصاروخية الروسية وأن «روسيا أقوى من أي معتدٍ محتمل»، وتصريحات وزير الدفاع الروسي بأن موسكو قد غطت للمرة الأولى في التاريخ كل حدودها بقدرات دفاع صاروخي وإنذار مبكر، تهدف للتأكيد بأن موسكو التي تراهن على تحسن العلاقات مع واشنطن في عهد ترامب، لا تتحرّك من موقع الضعف. الانتقال من خانة العداء إلى خانة المهادنة لا يمر فقط بالتصريحات الوردية بل يمر، ربما قبل ذلك، بالتأكيد على أن البارود يبقى جافاً ووفيراً.
إيران
ربما كانت طهران أكثر المستعجلين لعقد اللقاء الثلاثي، فمنها خرج الإعلان عن تقديم موعد عقد اللقاء، والأهم أنها باتت تستشعر أن سنوات ترامب في المكتب البيضاوي ستكون غالباً سنواتٍ ثقيلةً عليها. ولهذا فمن المفيد لطهران أن تسارع الخطى لترسيخ مكاسبها وموقعها في الإقليم وتطور كذلك شبكة علاقاتها وتحالفاتها. نجحت إيران بالحفاظ على علاقة متينة ومستقرة مع تركيا طوال السنوات الست للحرب السورية، ونجحت خلال الأشهر القليلة الماضية بالبقاء على الحياد عندما تقدّم الجيش التركي وغزا الأراضي السورية. الحفاظ على علاقة مستقرة مع أنقرة بات ضرورةً ملحةً أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً وقد بات من المرجح أن تعمل إدارة ترامب على حشد كل حلفائها في المنطقة في وجه إيران. وتركيا، التي نجحت خلال سنوات حكم أوباما الثماني بلعب ورقة الإسلام المعتدل، قد تجد نفسها مضطرةً للتعاون مع المشروع الأميركي المعادي لإيران، إذا ما أرادت أن تحتفظ بلعب دورٍ مهم في السياسة الأميركية في المنطقة. الحفاظ على علاقة جيدة مع أنقرة سيقلل من تأثيرات مثل هذا الاندفاع.
تدرك إيران كذلك أن إعادة إقلاعٍ ثانيةٍ للعلاقات الأميركية الروسية قد ينعكس سلباً عليها، كما حصل في المرة الأولى (في فترة 2009-2011)، يوم أدركت واشنطن أنها بحاجة للتعاون مع موسكو لتمرير العقوبات الأممية على طهران في ما يخص برنامجها النووي، وكذلك لعرقلة صفقات أسلحة روسية مهمة لطهران (لنتذكر هنا أسباب تأخر تسليم منظومة «إس-300» لسنوات). لهذا تسعى إيران لتحصين علاقتها مع روسيا وتجنب عوامل التأزيم والخلاف قدر الإمكان، وهذا ما يفسّر، على سبيل المثال، عودة الحديث عن السماح لموسكو باستخدام قاعدة «همدان» الجوية.
الخاتمة
برغم أن الدول الثلاث تنطلق في لقائها الأخير من دوافع أبعد بكثير من الحرب السورية، إلا أن اللقاء كان تحت مظلة التوصّل لخريطة طريق تُنهي الحرب السورية. هذا هو موضوع الساعة ولا مفرّ من الإجابة على السؤال التالي: هل سيقود اللقاء الأخير فعلاً لتسريع إنهاء الحرب السورية؟ قد تكون المشكلة الأكبر هنا هي العناصر الغائبة عن الاجتماع. الأوروبيون مستاؤون من سيناريوات التقارب الأميركي الروسي المحتمل. لا بد من التوقف عند الإعلان عن إرسال مستشارين عسكريين بريطانيين لتدريب المعارضة المسلحة السورية، لماذا تختار بريطانيا أن تنخرط متأخرةً في مسعى معادٍ لروسيا؟ هل تسعى لعرقلة التقارب الأميركي الروسي، الذي سينعكس بالدرجة الأولى على الأمن الأوروبي، عبر التأثير على إدارة ترامب وإقناعها بالانخراط أكثر في الميدان السوري؟ وماذا عن الثلاثي الخليجي السعودية والإمارات وقطر؟ الأخيرة لم تتوقف عن إطلاق التصريحات حول حلب وتبنّت موقفاً رسمياً معادياً للغاية، فهل هي قراءةٌ خاطئةٌ، أخرى، أم رهانٌ على التأثير على دوائر معينة في واشنطن؟ ماذا عن السعودية التي باتت تتحرك بشكل أكثر تفاؤلاً بعد الاتفاق على تحسين أسعار النفط وتخفيض العجز في ميزانية 2017 إلى 52 مليار دولار، بالمقارنة مع قرابة 90 مليار دولار في ميزانية 2016؟ ونرى بوضوح كيف أن السعودية باتت تنفق من مواردها للضغط على مصر، فقط لأن الأخيرة لم تنخرط في الحروب السعودية، فهل ستتخلى السعودية عن حروبها في المنطقة؟ في الحقيقة، كل هذه هي تفاصيل ثانوية مقارنةً بالسؤال الأهم: هل يراهن كل السوريين على الحل السياسي؟


 لماذا تراجع الرئيس السيسي عن مشروع قرار ادانة الاستيطان في مجلس الامن؟ وماذا دار بينه وبين ترامب في المكالمة الهاتفية؟ وهل هناك “صفقة ما”؟ ولماذا اثبتت فنزويلا وماليزيا ونيوزيلاندا والسنغال انهم اكثر شهامة من العرب؟

لماذا تراجع الرئيس السيسي عن مشروع قرار ادانة الاستيطان في مجلس الامن؟ وماذا دار بينه وبين ترامب في المكالمة الهاتفية؟ وهل هناك “صفقة ما”؟ ولماذا اثبتت فنزويلا وماليزيا ونيوزيلاندا والسنغال انهم اكثر شهامة من العرب؟

اثارت موافقة الحكومة المصرية على تأجيل التصويت على مشروع قرار تقدمت به الى مجلس الامن الدولي يدين الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلين، ويطالب بوقفه فورا، حالة من الاستياء في الأوساط العربية، والفلسطينية خاصة، لان هذه الموافقة جاءت بعد ضغوط إسرائيلية، ليس على الجانب المصري الذي صاغ القرار وتقدم به، وانما على الإدارة الامريكية والرئيس الأمريكي الجديد دونلد ترامب، الذي بادر بالاتصال بالرئيس عبد الفتاح السيسي لاقناعه، وربما تهديده، لا نعرف، بضرورة التأجيل.
البيان الرئاسي المصري اكد هذا الاتصال بين الرئيس الأمريكي المنتخب ونظيره المصري، وقال “ان الرئيسين اتفقا على أهمية اتاحة الفرصة للإدارة الامريكية الجديدة للتعامل بشكل متكامل مع ابعاد القضية الفلسطينية كافة بهدف تحقيق تسوية شاملة ونهائية”.
ندرك جيدا ان القيادة المصرية لا تريد استعداء الرئيس الأمريكي الجديد من خلال رفض مبادرته هذه، ولكن مخاطر تجاوبها مع طلبه هذا، الذي عجز بفرضه على إدارة الرئيس أوباما التي رفضت فيما يبدو استخدام حق “الفيتو” ضد مشروع القرار المذكور، ربما يصورها بصورة التابع للإدارة الامريكية القادمة، والقبول بأملاءاتها.
هناك في الحكومة المصرية من يجادل بأن “تفاهما” قد حصل بين القيادتين المصرية والأمريكية اثناء المكالمة الهاتفية، مضمونه، وعود من قبل الرئيس المنتخب بالمضي قدما في حل الدولتين والتوصل الى تسوية شاملة، وربما تأجيل نقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة، ولكن البيان الرسمي الرئاسي لم يتطرق مطلقا الى هذه المسائل، واتسم بالغموض.
***
لا نريد ان نستبق الاحداث ونطلق احكاما متسرعة حول انحياز ترامب لإسرائيل، ولكن المقدمات التي نرى ارهاصاتها الأولية تقود الى نتائج مخيبة للآمال، فاختيار الرئيس الأمريكي الجديد للمتشدد الأمريكي اليهودي ديفيد فريدمان لكي يكون سفيرا لبلاده في تل ابيب يؤكد ما نقول.
فريدمان معروف بتأييده الاعمى لحكومة نتنياهو العنصرية المتطرفة، ودعمه المطلق لدولة الاحتلال وسياساتها الاستيطانية الاستفزازية غير الشرعية، ويعارض أي ضغط من الولايات المتحدة الامريكية على إسرائيل لوقف أنشطتها التوسعية، ويؤيد بحماس نقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة، التي يصفها بـ”العاصمة الموحدة والابدية لدولة اسرائيل”.
تراجع مصر، الدولة العربية الأكبر، التي خاضت حروبا شرسة ضد دولة الاحتلال، واستشهد الآلاف من أبنائها انتصارا للحق العربي والإسلامي في فلسطين، يشكل خيبة امل كبرى، خاصة بعد ان كاد هذا الانتصار الدبلوماسي للعرب في المنظمة الدولية يكون وشيكا في ظل الانباء التي تواردت حول عدم رغبة إدارة الرئيس أوباما في استخدام حق النقض لاجهاضه مثلما فعلت ضد قرارات سابقة، وكأن الرئيس أوباما يريد ان ينهي فترتيه بالانتقام من رئيس الوزراء الإسرائيلي واهاناته واحتقاره له.
نتنياهو يتبع سياسة على درجة كبيرة من الخطورة والخداع، تتلخص في محاولة فك الارتباط بين الحاضنة العربية والقضية الفلسطينية، ولهذا يقدم نفسه الى بعض العرب بأنه حليفهم القوي في صراعهم مع ايران وخطرها الذي يهددهم، ويعزز من خلال هذه الوعود، خطوات التطبيع معهم، والضغوط التي مارسها على الحكومة المصرية عبر بوابة الإدارة الامريكية القادمة هي احد فصول هذه السياسة.
الرئيس عبد الفتاح السيسي يجب ان يدرك جيدا انه لولا تقدمه بمشروع القرار هذا، الذي ازعج الإسرائيليين وحكومتهم واثار قلقهم، لما اتصل به ترامب، بمعنى ان القضية الفلسطينية والانتصار لها هو مصدر قوة لمصر، وتكريس لمكانتها السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية، وفي العالم بأسره، هذا العالم الذي لا يعترف الا بالاقوياء الذين يملكون قيم العزة والكرامة الوطينة.
الحكومة المصرية يجب ان لا تتراجع عن قرارها المشرف بالتقدم بمشروع القرار المذكور الى مجلس الامن الدولي، وان تحدد موعدا جديدا للتصويت عليه، خاصة انها تحظى بدعم المجموعة العربية في الأمم المتحدة، والاهم من كل هذا هو دعم الشعب المصري الذي يعتبر قضية فلسطين قضيته المركزية الأولى، ومستعد للتضحية من اجل استرداد الكرامتين العربية والإسلامية المهدورتين بفعل العدوان الإسرائيلي على الأرض والمقدسات والمرابطين فيهما.
***
ختاما نقول شكرا للدول الأربع نيوزيلاند وماليزيا والسنغال وفنزويلا التي تبنت مشروع القرار وتقدمت به بإسمها الى مجلس الامن الدولي، بعد ان قررت الحكومة المصرية التراجع، ومن المتوقع ان يتم التصويت فجر الغد، وبدعم من فرنسا التي قال مندوبها في المنظمة الدولية فرانسوا دولاتر للصحافيين “الارجح سنصوت قريبا لان هدفنا هو الحفاظ على حل الدولتين”.
انه امر معيب للعرب جميعا ان تتبنى اربع دول غير عربية مشروع القرار المذكور، وتتقدم به للتصويت في المجلس، ولا ترضخ للضغوط الامريكية والإسرائيلية، وتتحدى دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتسجل سابقة بتبنيها هذه الإدانة القوية لاحتلالها الأرض الفلسطينية وسياساتها الاستيطانية.



انتقام اوباما الوداعي الذي هزّ اسرائيل وحلفاءها العرب.. ما هي الاسباب الحقيقية لتراجع مصر ونزول الدول الاربع الى حلبة التحدي في مجلس الامن؟ وهل ستدفع نتائج التصويت المفاجئة ترامب لتنفيذ تهديده بنقل السفارة الى القدس المحتلة ام للتريث؟
بدأ باراك اوباما فترته الرئاسية الاولى بجعل الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي العربية المتحدة الاولوية المطلقة لسياسته الخارجية، وذهب الى جامعة القاهرة لاطلاق دعوته باعتباره غير شرعي وعقبة في طريق العملية السياسية للوصول الى حل الدولتين، واختتم ولايته الثانية والاخيرة باستصدار قرار عن مجلس الامن الدولي يدينه، اي الاستيطان، ويطالب بوقفه فورا، عندما اعطى الضوء الاخضر لمندوبته في الامم المتحدة سامنثا باور بالامتناع عن التصويت ضاربا عرض الحائط بالضغوط اليهودية باستخدام “الفيتو” لعرقلة صدور القرار.
فاذا كان دونالد ترامب الرئيس الجديد القادم الى البيت الابيض فشل في اقناع سلفه اوباما بعرقلة القرار خدمة لاسرائيل، وتجاوبا مع مطالب بنيامين نتنياهو رئيس وزرائها، فانه نجح في دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى التراجع عن طرح مشروع القرار الذي صاغته وتبنته دولته، على التصويت في موعده يوم امس الجمعة، وتأجيل التوصيت الى موعد آخر، ربما بعد تولي ترامب السلطة رسميا، ربما يؤهله لاستخدام “الفيتو” لاجهاضه.
***
لا نعتقد ان الدول الاربع فنزويلا وماليزيا والسنغال ونيوزيلاندا، قررت النزول الى ساحة التحدي، وتبني طرح مشروع القرار على مجلس الامن الدولي للتصويت عليه في الموعد المقرر دون تشجيع من البيت الابيض، وبإيعاز من الرئيس اوباما شخصيا، ومباركة المؤسسة الامريكية الحاكمة، ولتوجيه رسالة قوية الى اسرائيل وقيادتها وشعبها بأنها تجاوزت بغطرستها وعنصريتها كل الخطوط الحمراء، وباتت سياساتها الاستيطانية تشكل خطرا، ليس عليها، وانما على المعسكر الغربي برمته، في ظل عودة الحرب الباردة، واستعادة العملاق الروسي قوته ونفوذه.
نتنياهو استدعى سفراء في نيوزيلاندا والسنغال فورا للعودة في اجتماع الحد الادنى على خطوة البلدين في تنبني القرار، بعد تراجع مصر عنه، ولو كان يملك سفراء في ماليزيا وفنزويلا لفعل الشيء نفسه، ولكن الاول (ماليزيا) ليس لها علاقات دبلوماسية مع دولة الاحتلال في الاساس، ورفضت استضافة مؤتمر رياضي لتجنب منح تأشيرة لوفد اسرائيلي (استضافته الاردن لاحقا)، اما الثانية فنزويلا فسحبت سفيرها احتجاجا على العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع تل ابيب.
ترامب هدد، وهو يلعق مرارة الفشل، بأن الامم المتحدة يوم 20 كانون الثاني (يناير)، اي يوم توليه الرئاسة رسميا، لن تكون عما كان عليه حالها قبلها، ولكن ماذا يستطيع ان يفعل، ينفذ وعوده بنقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة؟ ام يقدم لدولة الاحتلال المزيد من صفقات الاسلحة.
ما لا يدركه ترامب ان القوة الامريكية العظمى تترنح في منطقة الشرق الاوسط برمتها، فاذا كانت مغامرتها الامريكية التي تمثلت في غزوها للعراق كلفتها، وستكلفها اكثر من خمسة ترليونات دولار، فان اي مغامرة اخرى ستكون اكثر من ضعف هذا الرقم، ولا بد انه كرجل اعمال مخضرم، يزن الامور بميزان الربح والخسارة على درجة عالية من الوعي بهذه المسألة.
***
الغطرسة الاسرائيلية التي شجعها الهوان العربي، وزادها تبجحا وصلفا، عمليات التطبيع التي تزايدت تحت الطاولة وفوقها من عدة حكومات عربية، وفي السعودية ومنطقة الخليج خاصة، بدأ العد التنازلي لنهايتها، فالشرق الاوسط يقف حاليا على اعتبار مرحلة تغيير جذرية معاكسة، بدأت ارهاصاتها تتبلور في ازدياد التحالف الذي يقف في الخندق المقابل لامريكا صلابة وتماسكا على ارضية ما حدث في مدينة حلب.
الدول الاربع التي تبنت مشروع القرار الامني، وجميعها غير عربية، وان كانت اثنتان منها اسلامية، وجهت “طعنة كرامة” قوية، ليس الى اسرائيل، وانما الى الحكومات العربية ايضا، والحكومة المصرية بالذات، عندما تحلت بالشجاعة والجرأة، والانجياز الى القضية العربية العادلة، ولم ترهبها التهديدات الاسرائيلية، مع العلم ان جميعها دول صغيرة، غير غنية، وغير قوية عسكريا.
هذه الدول التي تنحني الشعوب العربية الشريفة امامها احتراما واعجابا وتقديرا، بعد الله عز وعلا، مزقت ما تبقى من اقنعة على وجه حكام عرب تحولوا الى مطايا وادوات لامريكا واسرائيل والغرب عموما، ونكرر الشكر والعرفان بالجميل لها، في هذا الحيز مرة اخرى.


ترامب يعيّن «صديق الأمة الروسية» وزيراً للخارجية الأميركية
بعد أقل من 24 ساعة على اعلان ادارة الرئيس باراك أوباما نيتها اجراء تحقيقات حول التدخل الروسي في الانتخابات الاميركية، خصوصا عن طريق استخدام موسكو القرصنة عبر الانترنت لاختراق مراكز اقتراع ولجان حزبية، فجّر الرئيس المنتخب دونالد ترامب مفاجأة مدوية في الاوساط السياسية بإعلانه تعيين ريكس تيليرسون، «الأميركي الأقرب» الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزيرا للخارجية.

ووعد أوباما باعلان النتائج حول الاختراقات الروسية قبل خروجه من البيت الابيض في 20 المقبل.

ويبدو انه بهدف ارضاء مؤسسة الحزب الجمهوري، المعادي لبوتين وروسيا تقليديا، أعلن ترامب تعيين سفير أميركا السابق الى الأمم المتحدة جون بولتون نائبا لوزير الخارجية، في وقت هاجم «الفريق الانتقالي» التابع لترامب اتهام روسيا بالتدخل بالانتخابات الاميركية، ووصف فريق ترامب «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي اي) بأنها غير كفوءة، ساخرا منها، ومذكرا ان من يؤكدون تدخل موسكو بالانتخابات الاميركية هم نفسهم من أصرّوا على وجود اسلحة دمار شامل بحوزة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

واعلن ترامب، امس، انه «لا يصدق» استنتاجات «سي آي اي» حول تدخل روسيا لانتخابه في الثامن من نوفمبر.

وقال لقناة «فوكس» حول معلومات نشرتها صحيفة «واشنطن بوست»: «اعتقد انه امر سخيف. انها ذريعة جديدة لا اصدقها».

واضاف: «لا يعرفون اذا كانت روسيا او الصين او اي جهة اخرى» قامت بقرصنة الهيئات السياسية خلال حملة الانتخابات الرئاسية. واوضح: «ربما يكون شخص كان في سريره في مكان ما. لا يعرفون شيئا بعد».

وتيليرسون، هو المدير التنفيذي لشركة النفط العملاقة «اكسون»، وهو الذي هندس توقيع عقد شراكة بينها وبين شركة «روسنفت»، التي تملكها الحكومة الروسية، بهدف القيام بعمليات تنقيب في محيط القطب الشمالي. وبسبب «خدماته لروسيا»، منح بوتين تيليرسون أعلى وسام تقلده موسكو لمدنيين، وهو وسام «صديق الأمة الروسية».

وتيليرسون من أبرز المطالبين بانهاء العقوبات على روسيا والدخول معها في شراكات نفطية وسياسية وعسكرية. وبتعيينه وزيرا للخارجية، يصبح تيليرسون المسؤول الثاني المقرب من بوتين في الادارة الاميركية المقبلة، بعد مايكل فلين، مستشار الأمن القومي المتوقع، الذي تقاضى في الماضي القريب اموالا من الكرملين كأجر لتقديمه خدمات «علاقات عامة» للحكومة الروسية.

ويعتقد المتابعون ان خلف تيليرسون وفلين يقف مستشار الرئيس الاميركي المنتخب للشؤون الاستراتيجية، اليميني المتطرف ستيف بانون. والأخير لا يبدو انه من المعجبين ببوتين، لكنه يتفق مع الرئيس الروسي على ضرورة بناء تحالف مسيحي أميركي اوروبي واسع بهدف مواجهة «الخطر الاسلامي».

وكان بانون، الذي يترأس موقع اعلام «برايتبارت» اليميني المتطرف، أعلن أخيرا نيته اقامة مواقع موازية باللغتين الفرنسية والالمانية، بعد الموقع البريطاني الذي يعمل منذ عامين. ويسعى بانون لدعم اليمين الاوروبي المتطرف لاكتساح الانتخابات الاوروبية، والتي تجري في فرنسا والمانيا العام المقبل.

اما بوتين، فهو من ابرز مانحي القروض لزعيمة اليمين الفرنسي ماري لوبن لتمويل حزبها ونشاطاتها السياسية وانتخاباتها.

ويعتقد الخبراء الاميركيون ان بوتين ساهم ماليا في دعم الحملة الاعلامية لمؤيدي الانفصال البريطاني عن الاتحاد الاوروبي.

في وسط تشابك المصالح النفطية والسياسية والمالية والدينية، يمضي ترامب في توثيق تحالف واشنطن وموسكو لمحاربة تنظيم «الدولة الاسلامية»(داعش) في العراق و«الجمهورية الاسلامية» في ايران، على حد زعمه وزعم المقربين منه.

لكن الصداقة الاميركية مع العدو اللدود، روسيا، لا يبدو انها ستمر مرور الكرام لدى الاميركيين، خصوصا الجمهوريين من غير مؤيدي ترامب، الذين أطل في طليعتهم السناتور لندسي غراهام ليعلن نيته مواجهة روسيا وكل ما تمثله، وهو ما يعني ان خطوات ترامب لا تعد باعادة رسم التحالفات العالمية فحسب، بل هي تعد باعادة رسم التحالفات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.


لماذا “تعثر” الاتفاق الروسي الأمريكي حول حلب الشرقية في اللحظة الأخيرة؟ وهل التوقعات بحرب عصابات في مكانها؟ ولماذا يتجاهل الجيش السوري الرقة ويركز على حلب؟ وهل سيدعو الأردن الأسد الى قمة عمان المقبلة؟
اذا صحت التسريبات المتعلقة بإتفاق روسي امريكي جرى التوصل اليه اثناء اللقاءات المكثفة بين خبراء الدولتين العظميين في جنيف، ويتحدث عن خروج المسلحين من شرق حلب بأسلحتهم الخفيفة الى الحدود التركية في غضون 48 ساعة، باستثناء جبهة “احرار الشام” (النصرة) سابقا، التي ليس امام مسلحيها الا وجهة واحدة، وهي منطقة ادلب، فان مثل هذا الاتفاق سيمنع مجزرة كبرى لرجال المعارضة، وآلاف المدنيين الذين بقوا في الاحياء الخاضعة لهم.
نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف نفى التوصل الى هذا الاتفاق الذي سربته ثلاثة مصادر من المعارضة السورية في إسطنبول لوكالة “رويترز″، وقال ان الجانب الأمريكي يطرح شروطا “غير مقبولة”، دون ان يحددها، ولكن من غير المستبعد التوصل الى “حلول وسط” في الساعات المقبلة، لان معظم ركائز هذا الاتفاق المقترح تأتي في اطار التفاهمات الروسية الامريكية المتفق عليها منذ اكثر من عام، مثل الفصل بين المعارضة المعتدلة، والأخرى المتشددة الموضوعة على لائحة الإرهاب الروسية الامريكية، وعلى رأسها جبهة “النصرة”، والإصرار على ذهاب الأخيرة الى منطقة ادلب فقط، او بالأحرى “محرقة” ادلب، التي ستبدأ حتما بعد الانتهاء من حسم ملف حلب، هو تجسيد لهذه التفاهمات.
***
اذا جرى التوصل الى تسوية حول الاتفاق، او حسم القصف الروسي وتقدم الجيش السوري المتواصل على ارض المعركة عسكريا، فإن استراتيجية الحكومة السورية والحلفاء الروس والإيرانيين و”حزب الله”، في وضع الثقل العسكري كله خلف معركة استعادة حلب مهما بلغت الخسائر، بدأت تسدل الستار على الفصل النهائي من نجاحاتها، فمن يسيطر على مدينة حلب يسيطر على حوالي 80 بالمئة من المناطق الخصبة الآهلة بالسكان، والمراكز الاقتصادية الرئيسية في البلاد.
مدينة تدمر الاثرية الصحراوية، التي تتبادل السيطرة عليها حاليا “الدولة الاسلامية” مع الجيش السوري، لا تشكل قيمة اقتصادية او سياسية كبيرة بالنسبة الى دمشق، فاشهر معالمها غير الاثرية، قصر امير قطر السابق، وسجنها الشهير، ولهذا تحتل مكانة متقدمة على سلم الأولويات، وكذلك الحال بالنسبة الى مدينة الرقة عاصمة “الدولة الإسلامية”، فالجيش السوري غير متعجل لاستعادتها، وتكبد خسائر بشرية وعسكرية كبيرة، وطالما ان الولايات المتحدة الامريكية تعتبر تنظيم “الدولة” هو الأخطر، والقضاء عليه يحتل قمة سلم أولوياتها، فالتتفضل وتتولى هذه المهمة بنفسها وحلفائها، وبعد القضاء على “الدولة الإسلامية” فيها لكل حادث حديث، حسب ما يقول احد المسؤولين السوريين لوكالة “رويترز″.
في الفترة الأخيرة ظهرت في بعض الصحف الغربية والعربية تقارير تتحدث عن احتمالات انطلاق حرب عصابات في سورية بعد سقوط مدينة حلب في يد الجيش السوري، لجر الحكومة السورية الى حرب استنزاف دموية مكلفة، وهذا الاحتمال وارد جدا، وغير مستبعد في المستقبل المنظور، فإستيلاء المعارضة المسلحة على المدن، وادارتها، كانت من اكبر اخطائها في نظر بعض المحللين الغربيين، ولكن هناك محللين آخرين، يرون ان الدول الداعمة للمعارضة، والعربية منها على وجه الخصوص، قد توقف دعمها او تقليصه الى حدود دنيا، لان حرب العصابات هذه مهما تضمنت من تفجيرات وعمليات انتحارية، سيكون من الصعب عليها النجاح حيث فشلت الاولى التي استمرت ست سنوات ومئات الآلاف من المقاتلين باسقاط النظام، وبالتالي قد تلجأ الأجهزة الأمنية السورية، التي تملك خبرة غير عادية في “الإرهاب المضاد” الى عمليات انتقامية ضد هذه الدول، بالتنسيق مع نظيراتها الروسية والإيرانية.
بعد احداث حماة الدموية عام 1982، اجرت حركة الاخوان المسلمين التي لعبت الدور الأكبر في المواجهة ضد النظام، مراجعات سياسية متعمقة توصلت خلالها الى قناعة بأن حمل السلاح ضد النظام الذي اثبت قدرة على الصمود ليس مجديا، ويعطي نتائج عكسية ابرزها إعطاء الذرائع له لاستخدام القبضة الحديدية والقمع الدموي، وانخرطت الحركة في مفاوضات سرية مع النظام للمصالحة، وبما يمهد لعودة قيادييها في الخارج، وممارستها للأنشطة الدعوية فقط، ولكن اندلاع الاحتجاجات انطلاقا من درعا في آذار (مارس) عام 2011، صب في مصلحة الجناح المتشدد المطالب بتسليح “الثورة”، تحت شعار حماية المتظاهرين السلميين.
استعادة الجيش السوري لمدينة حلب، وانهاء وجود المقاتلين في الاحياء المتبقية منها، سواء من خلال اتفاق امريكي روسي، او تقدم الجيش السوري والسيطرة عليها بالتالي، ستعزز سلطة الرئيس بشار الأسد ومكانته في أوساط داعميه وانصاره، وقد تجبر معارضية، والعرب والأتراك منهم خاصة، الى مراجعة مواقفهم تجاهه، وتخفيف او انهاء المقاطعة لحكمه انطلاقا من قاعدة الواقعية السياسية “Real Politics”.
***
الدعوات المتصاعدة في أوساط قطاع عريض من السياسيين في الاردن، وآخرهم الوزير والبرلماني السابق محمد داووية بضرورة توجيه الدعوة رسميا الى الحكومة السورية للمشاركة في القمة العربية التي ستستضيفها العاصمة عمان في شهر آذار (مارس) المقبل قد تصب في خانة المراجعات التي ذكرناها آنفا، ولا نستبعد ان تكون الدولة الأردنية “العميقة” هي التي تقف خلف هذه الدعوات كنوع من بالونات الاختبار للتمهيد لقرار مفاجيء في هذا الصدد.
الأردن فقد الامل كليا من وصول المساعدات المالية الخليجية التي كان يعول عليها لمواجهة ازماته الاقتصادية المتفاقمة، فالمنحة الخليجية ومقدارها 5 سنوات، وقيمتها مليار دولار كل عام تنتهي بنهاية العام الحالي، ولا توجد أي مؤشرات على إمكانية تجديدها، وربما تفكر “المؤسسة” الاردنية الحاكمة بالبحث عن بدائل أخرى في دول الجوار، وتطبيع العلاقات مع سورية، وربما ايران أيضا، حيث الأسواق والنفط، والسياحة الدينية.
حلب ستشكل نهاية مرحلة وبداية أخرى في التاريخ السوري الحديث، وربما المنطقة الشرق أوسطية بأسرها، وهناك الكثير الذي يمكن قوله حول هوية المرحلة الجديدة ومتطلباتها، ولكن سنعبر ذلك الجسر عندما نصل اليه.


 السفير
عام الانتكاسات السعودية: التراجع على مختلف الجبهات
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-12-10 على الصفحة رقم 1 – الصفحة الأولى
يُعتبر العام 2016 عاماً سيئاً جداً بالنسبة للسعودية. ففي العام الثاني فقط من حكم الملك سلمان بن عبد العزيز، وبعد عام واحد من إطلاق ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سياسته الاقتصادية «الجريئة»، تواجه الرياض أسعار نفط منخفضة، وتدهوراً في الوضع الاقتصادي الداخلي، إضافة إلى الغرق في مستنقع اليمن، في مُقابل صعود إيران. ومع انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، أصبحت الرياض أمام سيناريو غامض مع إدارة أميركية مختلفة عن سابقاتها. وتجد المملكة نفسها في نهاية العام أمام تراجع على الجبهات كلها.
في كانون الثاني الماضي، أعلن محمد بن سلمان، الذي يُدير السعودية بشكل عملي، نهاية عصر «السبات» في السياسة الخارجية للسعودية، وإصراره على صدّ إيران. بدا المُقاتلون السوريون الذين دعمهم وكأنه لا يُمكن هزيمتهم في حلب، وتحدّث جنرالاته عن السيطرة الوشيكة على العاصمة اليمنية صنعاء وانتزاعها من الحوثيين، ومنع إيران وحليفها «حزب الله»، من فرض خيارهما لمنصب الرئاسة اللبنانية. وتحدّث المسؤولون عن دفع إيران للإفلاس، من خلال إغراق الأسواق بالنفط، بعيداً عن رغبات الشركاء الآخرين في منظمة البلدان المُنتجة للنفط «أوبك».
أما السفير السعودي ثامر السبهان الذي كان عاد إلى العراق للمرة الأولى منذ 25 عاماً، فقد غادر بغداد هارباً من سيل الإهانات التي تعرّض لها على يدّ الساسة العراقيين، الذين يُوجّهون نظرهم نحو طهران. وبعد تعرّضهم للقصف من الإيرانيين والروس وقوات النظام السوري، فإن المعارضة على وشك الهزيمة في حلب، وقبل السعوديون بالمرشّح الذي تؤيده إيران للرئاسة اللبنانية، وفي مؤتمر لمنظمة «أوبك» عُقد في 30 تشرين الثاني الماضي، وافق السعوديون على تحمّل جزء من خفض الإنتاج لإعادة رفع أسعار النفط. وفي الوقت ذاته، سمحوا لإيران بزيادة حصّتها من الإنتاج النفطي للمستوى الذي كان عليه قبل فرض العقوبات.
يُعتبر اتفاق «أوبك» على خفض صادرات النفط «هزيمة ضمنية» للسعودية، وفقاً للسياسي الأميركي بروس ريدل، الاختصاصي في مكافحة الإرهاب والذي شغل منصب مستشار لأربعة رؤساء أميركيين فيما يتعلّق بالشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
ورأى ريدل أن السعودية كانت قد رفضت أي خفض للصادرات لا يشمل أيضاً إيران، غير أن «أوبك» وافقت في النهاية على زيادة إيران صادراتها النفطية، بينما تتحمّل السعودية العبء الأكبر من خفض الصادرات.
وبالنسبة للحرب على اليمن، شرحت مجلة «ايكونوميست» البريطانية أن الحوثيين (خصوم السعودية) مُصمّمون على حرمان ولي ولي العهد من خروج مُشرّف، حيث يواصلون شنّ هجمات حدودية مُتكرّرة، كما أعلنوا عن حكومتهم الجديدة الأسبوع الماضي، بدلاً من تشكيل حكومة تضمّ الرئيس المنفي كما يرغب بن سلمان. ونقلت عن مسؤول ايراني قوله إن «اليمن سيكون فيتنام السعودية فهو يستنزف هيبة السعودية العسكرية والديبلوماسية»، مُضيفاً أنه «في حال وافقت السعودية على مغادرة بقية دول المنطقة، فإن إيران ستسمح لها بالاحتفاظ بالبحرين».
بدوره، اعتبر ريدل أن الحرب على اليمن «كلّفت السعودية ثمناً باهظاً حيث تعرّضت المناطق الحدودية السعودية لضربات صاروخية، ناهيك عن التكاليف البعيدة المدى للحرب في الوقت الذي تتطلّب فيه تحقيق رؤية العام 2030 خفض الإنفاق العسكري».
ورأى تقرير «ايكونوميست» أن «التراجع في الحظوظ السعودية مُرتبط بالنجاحات والدعم الذي قدمته إيران للقوى المُتحالفة معها، الرئيس السوري بشار الأسد والجيش العراقي والمليشيات وحزب الله اللبناني».
ونقلت الصحيفة عن الجنرال أحمد عسيري، مستشار ولي ولي العهد حول الحرب على اليمن، قوله: «لقد أحاطونا بمليشيات».
واشارت الى أن «السعودية تخسر (القوة الناعمة)، حيث قلّلت من دعمها لحلفائها السنّة، الذين بدأوا يبحثون عن حلفاء جدد»، ذكرت الصحيفة أنه بعد تعرّض شركة الإنشاءات التابعة له في السعودية (سعودي أوجيه) للمصاعب، بسبب سياسات خفض الإنفاق الحكومي، قَبل سعد الحريري بمنصب رئيس الوزراء في لبنان في ظلّ الرئيس الذي اختاره «حزب الله» الجنرال ميشال عون، كما بدأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتقارب مع سوريا وروسيا، وحتى إيران، بعدما قرّرت السعودية قطع شحنات النفط المجانية له.
وفيما يخصّ قانون «جاستا» الذي يسمح لعائلات ضحايا اعتداءات 11 ايلول بمقاضاة السعودية، رأى ريدل أنه شكّل نكسة كبيرة لمجموعات الضغط التي تعمل لمصلحة السعودية في واشنطن، مُحذّراً في الوقت نفسه من أن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب دعم هذا القانون.
ورأى عدنان الطبطبائي، المدير التنفيذي لمعهد «كاربو» الألماني للبحوث والدراسات، والذي يُدير محادثات غير رسمية بين السعوديين والإيرانيين، لـ «ايكونوميست» أن «كلتا الدولتين (السعودية وإيران) تلعبان لعبة الوقت». وأشارت الصحيفة إلى أن الدولتين تخشيان من تصرّفات ترامب المُتسرّعة، حتى أن أميراً سعودياً بارزاً طالبه بعدم إلغاء الاتفاق النووي الايراني، مضيفة أن البلدين لا يعرفان إن كان ترامب سيُشدّد العقوبات على إيران أو سيُصعّد بما يتعلّق بقانون «جاستا». وتؤكد أنه على الرغم من تأثير المُتشدّدين في كلا المُعسكرين، فإن «أياً منهما لا يرغب بالانزلاق نحو حرب مُباشرة».
(«السفير»، «ايكونوميست»)


الروس يحشدون لحسم الحرب في حلب استغلالا للفراغ السياسي في واشنطن اثناء فترة الانتخابات الرئاسية.. والأمم المتحدة تساوي بين النظام والمعارضة في ارتكاب جرائم حرب في اعتراف نادر.. هل بدأ العد التنازلي لنهاية الفصل الأكبر للازمة السورية؟
بينما تنشغل القوى الإقليمية والعظمى، ومعها أجهزتها الإعلامية بالهجوم الذي يستهدف انهاء سيطرة قوات “الدولة الإسلامية” على مدينة الموصل، تتواصل الاستعدادات العسكرية الروسية السورية لاستعادة مدينة حلب، والاحياء الشرقية منها، على وجه الخصوص، التي تتمترس فيها المعارضة المسلحة، معتدلة ومتشددة، بزعامة “فتح الشام” او “النصرة” سابقا، وفصيل “احرار الشام”، و”جيش الفتح”، وفصائل في الجيش السوري الحر، وتقدر الأمم المتحدة عدد هؤلاء بحوالي 8 آلاف مقاتل.
امران يؤكدان هذا التطور الذي ربما يكون الأهم في الازمة السورية، ويشكل نقطة تحول رئيسية في مسارها:

الأول: الحديث الذي ادلى به الرئيس السوري بشار الأسد اثناء استقباله امس عدد من الصحافيين الأمريكيين والبريطانيين والمحليين السياسيين، ونشرته صحيفة “نيويورك تايمز″ التي حضر مندوبها اللقاء، واكد فيه، أي الرئيس الأسد، انه سيبقى على رأس السلطة حتى انتهاء فترة ولايته الرئاسية الحالية والثالثة عام 2021.
الثاني: اجلاء الأمم المتحدة لموظفيها الأجانب من مدينة حلب، ونقلهم الى دمشق بعد تعرض الفندق الذي يقيمون فيه الى قصف مدفعي، لكن هناك مصادر اممية اكدت بأن قرار الاجلاء جرى اتخاذه قبل هذا القصف، تحسبا لحدوث هجوم روسي سوري شرس ووشيك، للقضاء على المعارضة المسلحة التي تتمركز في الاحياء الشرقية.

***
التقارير الاستخبارية الغربية التي جرى تسريب بعضها الى صحيفة “التايمز″ البريطانية، ونشرتها قبل يومين، تؤكد ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عاقد العزم على استغلال الفراغ السياسي الذي سيحدث في واشنطن اثناء الانتخابات الرئاسية الامريكية، وما بعدها، لضمان تحقيق “نصر حاسم” لصالح حليفه الرئيس الأسد في حلب.
ما يؤكد هذه التقارير، وصول حاملات طائرات، وسفن حربية روسية الى شرق المتوسط، أي قبالة السواحل السورية، استعدادا لمعركة حلب الكبرى وربما النهائية.
سيرغي شويغو، وزير الدفاع الروسي الذي بات يأخذ زمام المبادرة، ويتقدم الصفوف هذه الأيام، ويدير المعركة السياسية والإعلامية، فيما يتوارى زميله سيرغي لافروف، وزير الخارجية عن الأنظار تدريجيا، لم يتردد في تأكيد الحشود البحرية الروسية، والجزم بأن آفاق الحل السياسي في سورية باتت بعيدة جدا، ان لم تكن معدومة.
وما يعزز اغلاق الأبواب في وجه الحلول السياسية التفاوضية لمصلحة تقدم الخيار العسكري، حالة الثقة التي كانت بادية على الرئيس الأسد اثناء لقائه بالصحافيين الغربيين، واستبعاده أي تغييرات سياسية قبل الانتصار في الحرب القائمة، واعرب عن ايمانه وقناعته الراسخة، بان القوات الحكومية السورية ستستعيد السيطرة على البلد، محملا الولايات المتحدة والمتشددين الإسلاميين مسؤولية هذه الحرب، حسب ما جاء في الصحيفة الامريكية.
معركة حلب ما زالت الأكثر أهمية، لان المنتصر فيها سيلعب الدور الأبرز في إعادة رسم هوية المنطقة وحدودها، وتوازنات القوى فيها، وهذا ما يفسر التحشيد العسكري الروسي الكبير لحسمها، وقبل نهاية هذا العام.
مصدر في الأمم المتحدة، اكد لي اثناء لقائي به الثلاثاء الماضي على هامش ندوة مغلقة شاركت فيها في البحر الميت بالأردن، ان الاستعدادات اوشكت على الاكتمال لمواجهة عملية نزوح كبيرة من المدينة، ووقوع خسائر في الأرواح واصابات في صفوف المدنيين على جانبي الخط الفاصل بين المتحاربين بين “الحلبين” الشرقية والغربية، وهذا ما يفسر تصريح السيدة رافينا مداساني، المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الانسان اليوم الثلاثاء، بأن قوات المعارضة والقوات الحكومية في سورية ربما ارتكبت جرائم حرب خلال هجماتها العشوائية.
***
متى كانت الأمم المتحدة تساوي بين الحكومة والمعارضة في ارتكاب جرائم في حق المدنيين؟ ومتى كان الرئيس الأسد يستقبل هذا العدد من المراسلين والمحللين الامريكان والبريطانيين؟
راقبوا الموصل وتطورات الحرب فيها، لكن لا تغلقوا اعينكم واذانكم عن حلب في الوقت نفسه، فهي مركز تجمع أعصاب المنطقة، وعنوان السلم والحرب فيها، والأيام والاسابيع المقبلة ستشهد مفاجآت عديدة، بعضها صادم، وهذا يعتمد على الخندق الذي يقف فيه المرء، ونترك الباقي لفهمكم.


 السفير
مهرجان الدم المقام على تخومنا
فهمي هويدي
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-11-01 على الصفحة رقم 11 – قضايا وآراء
(١)
حيث نشرت صحيفة «الحياة» اللندنية على صفحتها الأولى صورة مكبرة لسحل شاب من «داعش» في مدينة كركوك من خلال ربطه بحبل تدلى من مؤخرة سيارة دفع رباعي، فإن رسالة الصورة التي يقشعر لها البدن حملت إلينا «عينة» من إرهاصات الهول القادم في شمال العراق. إذ برغم فداحة المنظر ووحشيته، فإن جمهور الواقفين فى الشارع تعاملوا معه باعتباره حدثاً عادياً ومألوفاً، وهم معذورون فى ذلك، ليس فقط لأن لجماعة «داعش» سبقها فى ارتكاب مثل هذه الجرائم، ولكن أيضا لأن السحل له تاريخ عريق تتفرد به العراق (سابق على سحل الأمويين فى البصرة). لذلك فإن جميع المتقاتلين يمارسونه بغير استثناء. لم يكن ذلك فقط ما أثار الانتباه في ما نشرته الصحيفة اللندنية يوم ٢٦ تشرين الأول، لأنني لاحظت أن عناوين الصفحة الأولى تحدثت عما يجري في الموصل، في حين أن السحل كان في مدينة أخرى هي كركوك. وفي حين أن العنوان الرئيسي تحدث عن «مجازر داعشية في الموصل.. وسحل مدنيين وإلقاء جثث في بحيرة»، فإن الشخص المسحول في كركوك كان ينتمى إلى «داعش» وأن السيارة التى جرته كانت تابعة للبشمركة الكردية.
اللقطة معبرة وكاشفة لأحد مشاهد تعقيد الاقتتال العبثي والمجنون الدائر في شمال العراق وسوريا، إذ تتداخل فيه صراعات السنة والشيعة والأكراد والعرب والعراق وتركيا وصراع الجميع ضد «داعش» المنسوب إلى تنظيم «الدولة الإسلامية». أعني أن الجميع يحتشدون ضد «داعش» حقاً، لكن اقتتالهم في ما بينهم مستمر أيضاً، ولا يقل ضراوة. الأمر الذي يعني أن الخلاص من التنظيم الذي يجري الاحتشاد لأجله الآن لن يحل المشكلة، لأن ما بعده يمثل طوراً جديداً في الصراع سواء في العراق أو في سوريا.
(٢)
أفول «داعش» يمر الآن بفصله الأخير. والحاصل الآن حول الموصل إذا حقق هدفه، سيكون بداية النهاية. ذلك أن الموصل كانت الجائزة الكبرى التي اختطفها «داعش» في ظروف غامضة ومريبة فى العام ٢٠١٤، وحوّلها بعد ذلك إلى قاعدة أساسية له مستفيداً من ظروف خاصة بالمدينة سنعرضها بعد قليل، حتى أزعم أنها من الناحية الاستراتيجية تعد أكثر أهمية من الرقة التى صارت عاصمة دولة الخلافة في الأراضي السورية. وبسبب تلك الأهمية، فإن وجود «داعش» فى الموصل يعد مسألة حياة أو موت بالنسبة للتنظيم. ولهذا السبب فإنهم سوف يدافعون عن وجودهم فيها حتى آخر رمق. إذ فضلاً عن ثرائها التاريخي والنفطي والتجاري، فاسمها مستمد من كونها المكان الذي يصل فيه كل شيء، التجارة والمعاشرة والبيع كما تقول المراجع التاريخية. إذ هي تصل بين ضفتي نهر دجلة وبين الجزيرة والعراق، وبين دجلة والفرات، وهي في نقطة وسط بين إيران وتركيا، وبها يمر الطريق إلى حلب في الشمال السوري. وبسبب كونها مركز محافظة نينوى التي يمتد تاريخها إلى ما قبل العصر الحجري، فقد حرصت القوى الكبرى في المنطقة على الاستئثار بها، من الرومان إلى الفرس والعثمانيين. إذ ظلت تحت الحكم العثماني أكثر من أربعة قرون (من ١٥٣٤ حتى ١٩١٦)، وبعدما تنافس عليها الفرنسيون والبريطانيون (بعد ظهور النفط فيها)، قررت الأمم المتحدة ضمها إلى العراق العام ١٩٢٥.
التركيبة السكانية للموصل أحد مصادر المشكلات التي تعاني منها، فسكانها البالغ عددهم ٢ مليون شخص أغلبهم من العرب والتركمان السنة، والباقون أقليات يمثلون خليطا من الأكراد والمسيحيين بطوائفهم المختلفة إلى جانب الشبك (فرقة أقرب إلى الشيعة) والصابئة واليزيديين.
حين انفرط عقد العراق وبرزت التمايزات المذهبية والعرقية، هبت رياح التنازع والفرقة على الموصل، فطمع فيها الشيعة والأكراد، الأمر الذي استفز أغلبيتها السنية، خصوصا أن الشيعة أصبحوا في السلطة ببغداد وأن التحالف الكردستاني أعان القوات الأميركية على احتلال المدينة في العام ٢٠٠٣ بعد سقوط الرئيس صدام حسين. إذ اعتبر سكانها من أهل السنة من الموالين للنظام السابق.
بسبب ظهور الصراعات الطائفية بين الشيعة والسنة، وجد تنظيم «القاعدة» أرضاً خصبة له في الموصل. وكانت تلك خلفية ساعدت على التجاوب مع «داعش» الذي ورث تنظيم «القاعدة». ساعد على ذلك أن ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية مارست العديد من الانتهاكات بحق أهل السنة وعملت على تهجيرهم من بعض مدنهم مثل تكريت والفلوجة والرمادي، وهو ما دفع بعض عشائر الموصل إلى اعتبار وجود «داعش» في مدينتهم حماية لهم تؤمنهم ضد انتهاكات «الجيش الشعبي».
(٣)
في الوقت الراهن تحتشد لتحرير الموصل من سيطرة «داعش» الأطراف التالية: التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الجيش العراقي، ميليشيات «الحشد الشعبي»، قوات تابعة للجيش التركي، «التحالف الكردستاني»، الجيش الوطني الذي يضم متطوعين من العرب السنة، وحشود من هذا القبيل تملك سيطرة كاملة على الجــــو إضافة إلى قدراتها العســــكرية على الأرض، بمقدورها أن تنزل هزيمة ساحقة بقـــــوات «داعش» الموجودة داخل الموصل أياً كان عددها.
لكن الأمر دونه عقبات جسيمة وله تكلفته الباهظة. ذلك أن المدينة التي كان سكانها نحو مليوني نسمة، هاجرت منها أعداد غفيرة لا تقل عن نصف مليون نسمة أغلبهم يمثلون الأقليات التي يعاديها «داعش»، وهو ما يعني أنه لا يزال يعيش فيها مليون ونصف المليون مواطن. تنتشر عناصر «داعش» في تجمعاتهم منذ أكثر من سنتين. وانتشار «الدواعش» وسط التجمعات البشرية لأهل الموصل يمثل مشكلة كبرى. وكما كان متوقعا، فإن «الدواعش» استدعوا آلافاً من سكان القرى المحيطة لاستخدامهم كدروع بشرية يحتمون بها في مواجهة القوات الزاحفة عليهم من كل صوب. في الوقت ذاته، فإنهم أحاطوا الموقع بالسراديب والبيوت المفخخة لتعويق تقدم تلك القوات.
الالتحام الحقيقي لم يحدث بعد، ولكن المناوشات مستمرة والتقدم البطيء نحو المدينة يتحرك، ولا يخلو الأمر من كر وفر على هذه الجبهة وتلك. وتتفق التقارير الصحافية على أمرين، الأول أن احتماء عناصر «داعش» بسكان المدينة هو الذي أخَّر الهجوم عليها واجتياحها. الثاني أن حجم الدمار والضحايا سيكون هائلاً في كل الأحوال. حتى قرأت في أحد التقارير قول أحد كبار الضباط الأميركيين أنه كما حدث في فيتنام، فإن إنقاذ الموصل من أيدي «داعش» لن يتم إلا بعد تدميرها.
إذا وضعت في الاعتبار أن نسبة ليست قليلة من عناصر «داعش» من الانتحاريين، فسوف تدرك أن القتال لن يكون سهلاً، وإنما سيظل شرساً وقد يدور بين كل بيت وبيت. الأمر الذي لا بد أن يوقع أعداداً هائلة من الضحايا على الجانبين. ناهيك عن أن أحداً لا يعرف على وجه الدقة طبيعة الأسلحة غير المشروعة التي لدى الطرفين. وهو ما يفتح الباب لاحتمال استخدام السلاح الكيماوي. وكانت صحيفة «التايمز» البريطانية قد ذكــــرت في تقرير نشــــرته الأســـبوع الماضي أنه تم استخدام الفوسفور الأبيض في معارك تحرير بعض القرى التي تدخل في نطاق الموصل.
هذا «السيناريو» يبرر وصف ما ينتظر الموصل بأنه من قبيل الهول الذي لا مفر منه.
(٤)
مشكلة اليوم التالي لتحرير الموصل أكثر تعقيداً، لأن العرب لن يقبلوا بسيطرة الأكراد والسنة، لن يقبلوا بهيمنة الشيعة، وحكومة العراق لن تسمح بتواجد الجيش التركي، وتركيا ستصر على قطع الطريق على تطلعات إيران التي تقف وراء «الحشد الشعبي». وإزاء هذه التباينات فإن التوافق على كيفية إدارة الموصل سيصبح أمراً صعباً. وقد يؤدي إلى تجديد الصراع المسلح خصوصاً في ظل استقواء ميليشيات «الحشد الشعبي» واعتمادها على المساندة الإيرانية وتأييد حكومة بغداد والجناح المتطرف فى السلطة الشيعية.
قرأت تحليلا نشرته صحيفة «يني شفق» التركية لرئيس تحريرها إبراهيم قرة غول قال فيه إن الخط الرابط بين الموصل وحلب بات خط الدفاع الجديد لتركيا. لذلك لا مناص من هيمنة أمنية وعسكرية تركية هناك. وثمة من يحاول رسم خريطته الخاصة لإزعاج تركيا في كركوك والموصل وحلب. لذلك حري بتركيا أن تتحرك وتتدخل في حملة استباقية لإجهاض تلك السيناريوهات. وإذ انتزعت مناطق شمال الموصل وحلب في سوريا والعراق، فعلى تركيا أن تتحرك لضمان مصالحها هناك.
استوقفني في الأصداء ما نشرته صحيفة «هاآرتس» للكاتب عاموس هرئيل في ١٠/١٨، إذ ذكر أن ما يجري في الموصل نموذج لمعارك المستقبل في الشرق الأوسط التي ستؤدي إلى اشتباكات في المناطق المأهولة بالسكان، الذين سيعلقون بين الأطراف المتحاربة، وهو درس ينبغي أن تستفيد منه إسرائيل في حروبها القادمة في المناطق المكتظة في غزة وجنوب لبنان.
إن رســــم الخرائط الجديدة مستـــمر حولنا، ونحن جميعا نقف متفرجين. هل ننتظر حتى تطرق أبوابنا؟

 


من حق اللبنانيين ان يحتفلوا بانتهاء السنوات العجاف وانتخاب الجنرال عون رئيسا.. انها “معجزة” سياسية ونموذج في التعايش والتوافق ما كان يتحقق لولا نأي السعودية بنفسها عن لبنان واهاناتها للحريري.. وهذه هي أسباب تفاؤلنا
لم يكن غريبا، ولا مفاجئا، ان تكون ايران ورئيسها حسن روحاني اول المهنئين وابرزهم، بفوز الجنرال ميشال عون بمقعد الرئاسة اللبنانية في انتخابات برلمانية اظهرت توافقا لبنانيا غير مسبوق، بين الكتل السياسية والطائفية الأكثر تأثيرا في الخارطة السياسية في البلاد.
انتخاب الجنرال عون جاء انتصارا لحزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله، وحلف المقاومة الذي يتزعمه، ونتيجة مباشرة لتراجع النفوذ السعودي، وصمود النظام السوري طوال السنوات الخمس الماضية في مواجهة قوى إقليمية وعالمية عظمى كانت، وما زالت، تريد الإطاحة به.
عندما يحظى “الجنرال” بدعم السيد نصر الله (حزب الله)، والسادة سمير جعجع (القوات اللبنانية)، وسعد الحريري (تيار المستقبل)، ووليد جنبلاط (الحزب الاشتراكي)، وجميعهم يشكلون الأرضية الاصلب، ويحظون بدعم الغالبية الساحقة في لبنان وطوائفه، فإنها سابقة تاريخية دون ادنى شك، تشكل نموذجا للتوافق في جوار لبناني يشهد تفككا لقوى إقليمية عظمى، وحروب طاحنة، ذات صبغة طائفية في بعض الأحيان.
انها “صحوة” لبنانية، وصفقة الأربعة الكبار، جاءت لإنقاذ الدولة اللبنانية والحيلولة دون انهيار مؤسساتها وتآكلها، والتأسيس لمرحلة جديدة من التعايش، فمن كان يتصور ان جعجع الذي انخرط في حروب دموية ضد الجنرال عون، او سعد الحريري، الذي كان العدو الأبرز للسيد نصر الله، واتهمه بإغتيال والده، سيصوتون للجنرال، وفي الجلسة البرلمانية السادسة والأربعين؟
***
لا بد من الاعتراف بأن هذا “التسونامي” السياسي ما كان يحدث لولا الانقلاب الذي حدث في موقف السيد سعد الحريري، زعيم تيار المستقبل، الذي انحاز فيه لهويته اللبنانية، وخلع عن اكتافه العباءة السعودية، وقرر وضع مصلحة لبنان فوق كل الاعتبارات.
ربما يجادل البعض بأن السيد الحريري اقدم على هذه التضحية التي ربما يدفع ثمنها غاليا، بسبب افلاس شركاته، وسحب السعودية، او احد الاجنحة فيها، الغطاء المالي والسياسي عنه، وتجميد مستحقاته وشركاته المالية، وهذا جدل ينطوي على الكثير من الصحة، ولكن يحسب للرجل سرعة المبادرة، وعدم التردد في اتخاذ القرار الحاسم، اتفق معه البعض او اختلف.
قرار السلطة السعودية بالتخلي عن “ابنها” الحريري، و”النأي” بنفسها عن لبنان، جاء هروبا من التبعات المالية والسياسية، وبسبب وقوفها على حافة الإفلاس المالي، وفقدانها قوة سلاح المال وتأثيره تدريجيا، وهو اقوى أسلحتها، ولا تملك غيره، بسبب تراجع عوائدها النفطية، وتبخر معظم احتياطاتها المالية، ولجوئها الى التقشف والاقتراض من البنوك المحلية والعالمية لسد العجز في ميزانياتها.
لبنان لم يعد يحتل أي مكانة، لا عليا ولا سفلى، على سلم الأولويات السعودية، ولهذا جاء “الطلاق” البائن، ولعل السيد الحريري الذي يعرف القيادة السعودية جيدا، وطريقة تفكيرها، اول من ادرك بدايات هذا التحول، وقرر القفز من السفينة الغارقة، فالسعودية المتورطة في حروب اليمن وسورية والعراق، وبالانابة ضد ايران، ارادت التخلص من العبء اللبناني، ومن المفارقة ان هذه الانفراجة اللبنانية حدثت فور انسحابها من هذا الملف، مما يؤكد انها كانت عنصرا معطلا.
انه انتصار للبنان ولشعبه أيضا، وخطوة على طريق التعافي، وتقليص الخسائر، وتبديد حالة القلق والتشاؤم تجاه المستقبل التي كانت مرسومة على وجوه اللبنانيين، خوفا من مستقبل حالك السواد، فاللبنانيون انهكهم التعب والخوف، وادركت نخبتهم السياسية هذه الحقيقة، وقررت التخلي عن سياسة المماحكات والمناكفات والسفسطة الكلامية، والعودة الى ارضية التعايش انقاذا لنفسها قبل انقاذ لبنان.
لا نشك مطلقا بان الحكم في دمشق الذي ينظر الى الرئيس عون بأنه “الرجل الذي خاصم بشرف وصالح بشرف”، على حد وصف احد المقربين من الرئيس الأسد، سيكون من اكثر المحتفلين بفوز الجنرال عون بالرئاسة، لان لبنان بهذا الفوز، والتحالف الذي يقف خلفه، عاد الى دائرة النفوذ السوري، ودون أي منافسة إقليمية في المستقبل المنظور على الأقل.
الرئيس عون تعهد ان يبقى لبنان بعيدا عن النيران المشتعلة في المنطقة، ومنع انتقال أي شرارة اليه، والابتعاد عن الصراعات الخارجية، وخوض حرب وقائية ضد الإرهاب، وتعهد أيضا ببرنامج اقتصادي يغير الاتجاه “الانحداري”، وبذل كل جهد ممكن في سبيل مقاومة الاحتلال.
هذا البرنامج الذي طرحه اثناء أدائه القسم، حافل بالإيجابيات، ويبعث على الامل والتفاؤل، ولكن بعض جوانبه قد تكون صعبة التحقيق، وخاصة تلك التي تتحدث عن النأي بالنفس عن النيران المشتعلة في المنطقة، ولعله يفوز بالأجرين، اجر الإنجاز، واجر المجتهدين معا، ولا بأس من المحاولة.
***
ديون لبنان فاقت السبعين مليار دولار، وتسديد فوائد هذه الديون بات في ذروة الصعوبة، والبلد في حال افلاس عمليا، واذا نجح الرئيس عون وحكومته في وقف تزايد هذه الديون المتسارعة، فهذا انجاز كبير في حد ذاته، في ظل أوضاع المنطقة المتردية، وشح المساعدات الخليجية، وانهيار السياحة، وتدفق النازحين.
السيد نبيه بري زعيم حركة امل، ورئيس مجلس النواب الذي صوت ونوابه بورقة بيضاء في الانتخابات الرئاسية، قال ان “الجهاد الأكبر” يبدأ الآن، وبعد انتخاب الرئيس في إشارة الى المرحلة المقبلة، مرحلة تكليف رئيس الوزراء والمشاورات لتشكيل الحكومة، حيث من المتوقع ان تطفو الخلافات على السطح، ولكن السيد نصر الله الذي كان وفيا للجنرال عون، ولوعده له بإيصاله الى قصر بعبدا، لا نعتقد انه سيتخلى عن السيد الحريري، ووعده له بتسهيل مهمته في تشكيل الحكومة، وربما نجاحها أيضا.
اللبنانيون، هذا الشعب المبدع الخلاق، فاجأونا اليوم بإنتخاب رئيسهم المصنع محليا، وتمسكهم بثوابت التعايش والتوافق، وافشلوا كل المراهنين على انهيار دولتهم، ومن حقهم ان يفرحوا بهذا الإنجاز، وان يحتفلوا بانتهاء السنوات العجاف.. فهنيئا لهم، ونقولها من أعماق قلوبنا.

 

 


 اكتب لكم من الأردن وعنه.. خمس قضايا وازمات تقلق الشارع الأردني والحكومة معا.. الاقتصادية والسورية ابرزها.. واستراد الغاز الإسرائيلي وتعديل المناهج مصدر غضب الأغلبية.. ومطالبات باللجوء الى السياحة الإيرانية كرد على شح المساعدات السعودية والخليجية
قضيت بضعة أيام في الأردن الذي زرته مدعوا من الأمم المتحدة للحديث في ندوة مغلقة للخبراء عن أوضاع المنطقة، خاصة في سورية والعراق ولبنان وتركيا، علاوة على فلسطين المحتلة، والتقيت في عمان العاصمة بمعظم قيادات النخبة السياسية، وعدد كبير من رؤوساء الوزراء، والوزراء، ورجال اعلام واكاديميين، وعدت بذخيرة كبيرة من الآراء والتوقعات والمعلومات ومعظمها متشائمة، بالإضافة الى ثلاثة كيلوغرامات من الوزن الزائد، تركزت في محيط الخصر (الكرش) بسبب كثرة الدعوات (كانت تقتصر في الماضي على الغداء والعشاء واضيف اليها الفطور حاليا)، واعجبني احد الظرفاء الذي قال “من لا يعاني من الكولسترول ليس رجلا وليس منا”.
من النادر ان تجد شخصا متفائلا هذه الأيام في العاصمة الأردنية، فالشكوى والقلق من المستقبل العمود الفقري في جميع اللقاءات والندوات والديوانيات، القلق من الحروب التي تسود دول الجوار الأردني (سورية العراق)، واحتمالات تورط اكبر للاردن فيها (الجبهة الجنوبية السورية)، والقلق من الازمة الاقتصادية المتفاقمة.
***
هناك خمس قضايا رئيسية تشكل محور الغالبية الساحقة من النقاشات الساخنة جدا، وتثير الشارع الأردني وترفع منسوب الغضب لدى المواطنين:

الأولى: اتفاق استيراد الغاز مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي وقعتها حكومة السيد هاني الملقي الحالية، وتواجه حملة شديدة جدا من الانتقادات بشأنها، تصل الى درجة التخوين في بعض الحالات، وشهد الشارع الأردني عدة مظاهرات احتجاجية.
الثانية: تعديل المناهج التعليمية، وحذف بعض الآيات التي تحرض على قتال اليهود، وما يعتقده معدلوها بأنه تحريض على العنف والإرهاب أيضا.
الثالثة: الازمة الاقتصادية وارتفاع نسبة التضخم والغلاء والدين العام، والمخاوف من فرض ضرائب جديدة في المستقبل القريب لتقليص عجز الميزانية.
الرابعة: تزايد احتمالات جر الأردن الى الجبهة السورية الجنوبية، وتفعيلها عسكريا من حيث تحويلها الى قاعدة انطلاق للضغط على النظام من خلال تهديد العاصمة دمشق، كرد او تعويض عن سقوط مدينة حلب الوشيك.
الخامسة: الإرهاب والعناصر المتطرفة التي يتزايد وجود خلاياها في الأردن، والخوف من اعمال تفجير واغتيالات، وآخرها قتل الناشط ناهض حتر امام مدخل المحكمة.

الازمة الاقتصادية في الأردن هي الأكثر خطورة، حيث يهدد تفاقمها امن البلد واستقراره، اذا لم يتم إيجاد حلول سريعة لتنفيس احتقانها المتفاقم، فالدين العام وصل الى 35 مليار دولار، أي ما يعادل 93 بالمئة من الناتج القومي العام، وتبلغ خدمة هذا الدين حوالي 2 مليار دولار سنويا، حيث يصل متوسط معدلات الفوائد حوالي 7 بالمئة، وهناك تقديرات تؤكد ان الأردن قد لا يستطيع دفع هذه الفوائد في غضون السنوات الثلاث المقبلة، ناهيك عن الدين نفسه.
الحلول المقترحة ويدرسها المسؤولون حاليا بعناية فائقة، يمكن تلخيصها في اربع نقاط رئيسية تتفرع عنها نقاط أخرى نوجزها كالتالي:

الاولى: المساعدات من دول الخليج، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، حيث تشكل هذه المساعدات 14 بالمئة من الناتج القومي العام.
الثانية: تشجيع السياحة، وهذا ربما يعني كسر كل المحرمات في بلد محافظ جدا إسلاميا واخلاقيا (يشهد اعلى نسبة في جرائم الشرف)، والرضوخ لمتطلبات المثلث الأخطر الحتمي (خمر.. قمار.. دعارة)، او اللجوء الى السياحة الدينية الإيرانية الشيعية كبديل.
الثالثة: الاستشمارات الخارجية وتشكيل لجان من الخبراء خاصة بها، وجذب المليارات، وإدخال إصلاحات قانونية جذرية لتسهيل حركتها.
الرابعة، فرض ضرائب جديدة على السلع الأساسية، وهناك مؤشرات على ان حكومة الملقي الحالية بصدد فرض موجة ضرائب جديدة في المستقبل القريب على المياه والخبز، تلبية لشروط صندوق النقد الدولي، الامر الذي ربما يفجر احتجاجات شعبية.

المساعدات الخليجية للاردن تراجعت بشكل ملموس، او تجمدت بالأحرى، فبينما حصلت مصر على حوالي 29 مليار دولار من السعودية وحدها في السنوات الثلاث الماضية، علاوة على مساعدة نفطية بمقدار 700 الف طن من النفط شهريا، لم يحصل الأردن الا على الفتات، ولم تحقق جهود الدكتور باسم عوض الله، مبعوث العاهل الأردني الى السعودية، الاختراق المأمول، على صعيد الحصول على مساعدات مميزة، رغم ما يتردد عن علاقته الوثيقة مع الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي، ورئيس المجلس الاقتصادي الأعلى، وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في المملكة.
رئيس وزراء اردني سابق من الوزن السياسي الثقيل، ويعتبر من ابرز الخبراء في الشأن الخليجي، قال لي، ان الأردن كان مؤدبا اكثر من اللازم مع الدول الخليجية، والسعودية على وجه الخصوص، وكان عليه ان لا يطلب مساعدة او قرض، فهو ليس “متسولا”، وانما مقابل خدمات امنية وسياسية كبيرة يقدمها للسعودية مجانا، ومن بينها حماية الحدود السعودية، ومنع تدفق اللاجئين والإرهابيين عبرها، وتقديم معلومات استخبارية لا تقدر بثمن.
وقال لي رئيس الوزراء نفسه حرفيا “الوقت بات متأخرا الآن، فالسعودية على حافة الإفلاس، وتفرض ضرائب على مواطنيها، ومتورطة في حروب في اليمن وسورية، وتطبق سياسات تقشفية، ولم تدفع الحكومة ديونها لدى الشركات السعودية التي باتت عاجزة عن دفع مرتبات موظفيها”، وبدأت تلجأ للاقتراض من السوقين المحلي والعالمي (طرحت سندات خزينة بقيمة 17.5 مليار دولار في الاسواق العالمية قبل اسبوعين)، وختم حديثه بالقول “لا اعتقد ان الدفع للاردن بات يحتل أي مكانة على أولويات المملكة، وكل ما يقال عن مساعدات سعودية قادمة هو من قبيل التخدير”.
لا نعتقد ان الأردن الذي تحكمه اسرة هاشمية تستمد شرعيتها الدينية من “آل البيت” ستقبل بشروط السياحة الحديثة، أي “الخمر والدعارة والقمار”، ولكن رئيس وزراء اردني سابق آخر تساءل “لماذا لا ينفتح الأردن على ايران، طالما ان الدول الخليجية تراوغ في المساعدات، فالسياحة الدينية الإيرانية يمكن ان تشكل مصدرا للدخل لا باس به للخزينة الأردنية، فهناك مقام الامام جعفر الطيار في الكرك، ومزارات وقبور وعتبات مقدسة للشيعة في جنوبه، يمكن ان يزورها اكثر من خمسة ملايين سائح إيراني سنويا في الحد الأدني”.
***
مجلة “الايكونومست” الاقتصادية العريقة (تعتبر من المجلات الأكثر تفضيلا لدى العاهل الأردني)، تحدثت في عددها الأخير (الجمعة الماضي) عن الأردن واوضاعه الاقتصادية، ووصفت مدينة عمان بانها الاغلى عربيا، بينما الأجور في الأردن هي الأدنى، وتوقفت عند تراجع نسبة التصويت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة الى 37 بالمئة، بالمقارنة مع 56 بالمئة في الانتخابات التي سبقتها، رغم ان حركة الاخوان المسلمين، الكتلة الاضخم، شاركت في الأخيرة وقاطعت السابقة، ورسمت صورة غير وردية لاوضاع البلاد السياسية والاقتصادية.
في خطابه الذي القاه العاهل الأردني عبد الله الثاني امام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) الماضي، قال انه يأتي الى هذا المنبر الاممي بينما تشهد بلاده انتخابات برلمانية حرة في منطقة تعيش الحروب والاضطرابات وانعدام الاستقرار.
العاهل الأردني كان مصيبا فيما قاله، وطرح واقعا حقيقيا لا جدال فيه، ولكن هل يستمر هذا الواقع.. ولمدة كم سنة؟ وهل سيتجاوز الأردن ازماته، وحقول الألغام الإقليمية والدولية التي يسير وسطها على رؤوس أصابع قدميه، ويصل الى بر الأمان سليما معافى؟
نتمنى ذلك..

 

 


 صاروخ التحالف “الحوثي الصالحي” هل كان يستهدف مكة المكرمة فعلا؟ وهل الحوثي هو ابرهة الحبشي.. وحليفه صالح هو أبو طاهر الجنابي القرمطي الذي انتزع الحجر الأسود؟
راي ليوم/ندارد/29 اكتبر 2016
وظفت الالة الإعلامية السعودية مسألة اعتراض صاروخ أطلقه التحالف “الحوثي الصالحي” من طراز “بركان 1″ باتجاه المنطقة الغربية (الحجاز)، توظيفا ضخما لحشد العالم الإسلامي خلفها بالادعاء بأنه، أي الصاروخ، كان يستهدف مدينة مكة المكرمة، وفي ظل حالة الاستقطاب الطائفي الذي يسود المنطقة والعالم الإسلامي حاليا، وجد هذا التوظيف بعض الاصداء، ولكنه لم يكن مقنعا للغالبية من المسلمين.
بيان التحالف الذي تقوده السعودية اعلن عن “اعتراض” وتدمير صاروخ باليستي على بعد 65 كيلومترا من مكة المكرمة، اطلقته قوات “الحوثي وصالح” من محافظة صعدة، بينما قال بيان آخر صادر عن السيد عبد الله الزياني، امين عام مجلس التعاون الخليجي “انه يدين ويستنكر بشدة استهداف مكة المكرمة بصاروخ باليستي”، واعتبر ذلك “اعتداء غاشم يضرب بعرض الحائط حرمة هذا البلد مهبط الوحي وقبلة مليار مسلم حول العالم ويشكل استفزازا لمشاعر المسلمين”.
الحوثيون وصفوا على لسان المتحدث بإسمهم، السيد محمد عبد السلام، هذا التحشيد السعودي بأنه “ابتذال وهذيان اعلامي”، وقال “رغم الجراح لم نستهدف أي منشأة سعودية او مصلحة عامة خلال الصراع فضلا عن الأماكن المقدسة”، ووصف مدينة مكة المكرمة بـ”الغالية على قلب كل يمني ومسلم”.
من يعرف جغرافية المملكة العربية السعودية، والمنطقة الغربية منها (الحجاز)، يدرك جيدا ان القول بأن هذا الصاروخ كان يستهدف مدينة مكة المكرمة ينطوي على الكثير من المبالغة، واعتراف بيان التحالف بأنه جرى اعتراضه على بعد 65 كيلومترا منها يؤكد احد امرين، اما انه كان يستهدف مدينة جدة، او مدينة الطائف، اللتين تبعدان المسافة نفسها عن مدينة مكة المكرمة جنوبا وغربا، ولذلك فان البيان الذي أصدره انصار الله الحوثي وقالوا فيه انه كان يستهدف مطار الملك عبد العزيز في مدينة جدة ربما يكون اقرب الى الدقة.
المسألة الأكثر أهمية وخطورة التي يجب التوقف عندها، في نظر هذه الصحيفة “راي اليوم”، هو وصول هذا النوع من الصواريخ الى مدينتي جدة والطائف في اقل من عشرين يوما، واعتراف المملكة العربية السعودية رسميا ان الصاروخ الأول مطلع هذا الشهر وصل الى مدينة الطائف، غرب شرق مكة المكرمة، وكان يستهدف قاعدة الملك فهد الجوية، وجرى تدميره بصواريخ “باتريوت” قبل وصوله اليها.
التحالف “الحوثي الصالحي”، وامام عجزه عن التصدي للغارات التي تشنها طائرات “عاصفة الحزم” السعودية يلجأ الى سلاح الصواريخ، تماما مثلما فعلت ايران، ومثلما فعل “حزب الله” في حربه ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومسألة “التعويض العسكري” هذه، واللجوء الى “البدائل” امر طبيعي ومنطقي.
الحوثيون لسيوا ابرهة الحبشي، يريدون تدمير مكة المكرمة، وعلي عبد الله صالح ليس ابو طاهر الجنابي القرمطي، الذي اقتحمها وانتزع الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، واخذه الى الاحساء واحتفظ به عشرين عاما، فهؤلاء مسلمون، اتفق البعض معهم او اختلف، وكانوا حتى أعوام قليلة مضت حلفاء المملكة العربية السعودية واسرتها الحاكمة، ومدفعيتهم الثقيلة ضد الشيوعية واليسار العربي، سواء في الحرب ضد مصر الناصرية، (الهاشميون في الشمال)، او ضد اليمن الجنوبي الشيوعي، حليف موسكو “الملحدة”.
يأخذ الاشقاء السعوديون على الاعلام المصري تهوره ومغالاته، ولذلك لا يريد الكثيرون لهم ان يقعوا في المصيدة نفسها، وهم الذين تحلوا في معظم الأحيان بالرزانة وطول النفس وعدم المبالغة في توظيف الاعلام بطرق فجة وغير موضوعية، الا في حالات استثنائية محددة، فالعالم بات مفتوحا، يعيش ثورة معلومات، والمتلقي لم يعد غبيا يمكن خداعه وتضليله.
ما يجب التركيز عليه ليس الحديث عن تدمير مكة، وقصفها بالصواريخ، فهذا عمل لو حدث مدان فعلا ليس من قبل المسلمين، انما العالم بأسره، وانما كيفية انهاء هذه الحرب في اليمن في أسرع وقت ممكن، لوقف هذا النزيف الدموي والمالي الذي تعتبر فيه المملكة هي الخاسر الأكبر.
المملكة هي التي اشعلت فتيل هذه الحرب، وهي التي تقصف اليمنيين العزل وتحاصرهم، وهي قادرة على وقفها ان ارادت.
“راي اليوم”


 

 


 حسن منيمنة
قضايا الشرق الأوسط بعد الانتخابات الأميركية
النسخة: الورقية - دولي الأحد، ٣٠ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٦ (٠١:٠ - بتوقيت غرينتش)
تستطيع إسرائيل أن تطمئن إلى أن موقف الولايات المتحدة إزاءها، وهو الموقف المؤيد والداعم والمساند لأمنها واستقرارها وتقدمها، سوف يستمر، سواءً كان الفوز من نصيب هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب. أما ما عدا ذلك من المسائل الكثيرة التي تلهب الشرق الأوسط، فيبقى رهينة النتيجة المقبلة: فإما وضوح مع كلينتون يتطلّب شهوراً طويلة كي يبدأ تحقّقه، وإما غموض بل عبثية مع ترامب على مدى أعوام مقبلة.
لا تعتمد إسرائيل لتثبيت علاقتها مع الولايات المتحدة على مجرد الحسابات السياسية للحكومات المتعاقبة، بل ان ما يربط الجانبين يتعدى السياسة، فيصل إلى أعماق الثقافة والمجتمع والقيم. بالتالي، فإن التنافر الذي كان جلياً بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لم ينعكس على الالتزام الثابت للولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل في محيطها. وفي حين أن ترامب، في تفوهاته المتضاربة، أشار يوماً إلى أنه قد يتّخذ موقفاً محايداً خلال مفاوضات التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإنه في استدراكاته التعويضية، زايد حتى على صقور المؤيدين لإسرائيل في التشديد على اعتناقه مصالحها ومنطق القبضة الفولاذ في مواجهة خصومها. أما كلينتون فحافظت على موقف ثابت يضع العلاقة مع إسرائيل في إطار الديمومة والتوافق المبدئي. فموضوع إسرائيل ليس أمراً خلافياً جدياً بين المرشحَيْن.
في ما عدا ذلك، ثمة مفارقة لافتة في المقارنة بين السياسات التي يتبعها أوباما، وبين التي يتوقع أن يسير بها كل من ترامب وكلينتون. فالموقف الكلامي العلني لكلينتون التي ما فتئت تستدعي الإنجازات المفترضة لأوباما في خطابها للبناء على شعبيته، هو أنها ستتابع سياساته. وكلينتون تكيل المديح لـ «حكمة» أوباما في التعامل مع ملفات المنطقة، لا سيما موضوع إيران. غير أن القراءة الدقيقة لما أفصحت للتوّ عن عزمها القيام به تكشف أنها ستتخلّى عن سياسة التنصل بأية حجة كانت، والتي يعتمدها أوباما، وستسعى إلى قدر من الإقدام بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات.
في المقابل، فإن ترامب، في شعبويته الانطوائية وتفسيراته الاعتباطية التسطيحية لما يجري في الشرق الأوسط، وعلى رغم إدانته المتكررة لأوباما واتهامه إياه بأنه المسؤول عن استفحال قضايا يبقى ترامب أعجز من أن يحددها، هو الأكثر ميلاً لأن يسير في توجهات أوباما الانكفائية والتنصّلية. فالحاصل اليوم أن كلينتون تثني على أوباما وتعتزم نقض سياساته، فيما ترامب يذمّه فيما يُنتظر أن يسير على خطاه.
وفي حين أن العامل الشخصي يدخل حكماً في تشكيل المواقف لدى جميع السياسيين، فإنه لدى ترامب يكتسب بعداً جديداً يتجاوز المتعارف عليه، بل يدخل في إطار الحالات المَرَضية. فقد اجتهد القائمون على حملة ترامب لإقناعه بأن هذه الأسابيع الأخيرة من المواجهة الانتخابية تتطلب التركيز على مواطن الضعف لدى هيلاري كلينتون، وهي عديدة وخطيرة، إلا أن الرجل يعجز عن الخروج إلى الإعلام من دون الانغماس في جدل مراهقين للرد على الاتهامات التي تعرّض لها بالتحرش والبذاءة، فيغرق الإعلام بكلام جديد فيه من الترهات والسفاهات ما يضيّع فرصة تفنيد سجل كلينتون. والأهوائية في مواقف ترامب تطاول كذلك السياسة الخارجية. وهو صرّح علناً بأنه حين يتلقى المديح يجيب عنه بمديح مقابل. وبما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح بما يندرج في إطار الثناء عليه، فإنه يبدو مستعداً في المقابل للتسليم لبوتين وروسيا في ملفات أوكرانيا وسورية وما يتعداهما. لا مبالغة هنا. فاعتبارات ترامب في صياغته لشعبويته تُلخص في مكافأة الإطراء ومعاقبة الطعن.
ولا بد لإيران من الحذر في هذا السياق، إذ أقدم الرئيس حسن روحاني على إدانة الخطاب السياسي في الولايات المتحدة، شاملاً كلاً من كلينتون وترامب. فالسخط الترامبي قد يلحق بإيران لولا شفاعة بوتين.
وحين تصبح السياسة الدولية مرتعاً للمغامرات الصبيانية، فإن فوز ترامب بالرئاسة سيلحقه تنازل لروسيا في موضوع سورية، ولن يفيد في هذا الصدد أن يسعى بعض الخبراء في طاقمه إلى إقناعه بالعواقب السيئة لذلك، فهم لم يتمكنوا من لجمه عن الإضرار بمسعاه الانتخابي. فإذا فاز رغماً عن تحذيراتهم، فلا ضابط بعدها لسلوكه غير المقيّد، وترامب لتوّه لا يملّ التأكيد على أنه الأذكى والأدهى وما شابه.
وبما أن روسيا تتوقع الحصول على التفويض الكامل في الملف السوري في حال فاز ترامب، فإنها ستستمر في سعيها إلى إسقاط حلب، لكنها قد تعمد إلى النَّفَس الطويل والأقل كلفة في جهدها لتعويم النظام. أما في حال فازت كلينتون، وهو الأمر الراجح، فروسيا ستنشط حكماً لتعزيز مواقعها الميدانية قبل تولي كلينتون الرئاسة في كانون الثاني (يناير) المقبل، وقبل استكمالها تشكيل فريق العمل لسياستها الخارجية وشروعها في تحقيق توجه جدي في الشأن السوري.
إذاً، أيام قاتمة تنتظر سورية بصرف النظر عمن يفوز في الانتخابات الأميركية.
قضايا الشرق الأوسط لا تختزل طبعاً بموضوعي المواجهة الإسرائيلية- الفلسطينية والمأساة السورية. إيران والاتفاقية والتدخلات الخارجية، وتركيا والعلاقة المهتزة بفعل محاولة الانقلاب وما يتعداها، والعراق والحرب المستمرة على «داعش» ومسؤوليات واشنطن في تأزيم أوضاعه، والتواصل المعتل مع دول الخليج، وحرب اليمن، وتصويب العلاقة مع مصر، وضبط الأزمة في ليبيا وحلّها، والمساهمة في تمتين الاستقرار في تونس، وموازنة العلاقة مع الجزائر والمغرب، وغيرها العديد من الملفات لا بد أن تشغل حيّزاً مهماً من جهد الإدارة الأميركية العتيدة ووقتها. وسياسة الولايات المتحدة في كل هذه الملفات تتأرجح ضمن إطار معطيات ومصالح واضحة، ونطاق مواقف رئاسية قابلة للتبدل وفق الاعتبارات والقناعات الذاتية. فتوجهات كلينتون في حال فازت لن تخرج عن هذا الإطار. أما ترامب الذي يعاني إزاء هذه الملفات من الجهل المركّب، فمن العبث محاولة استشراف ما قد يقدم عليه في شأنها. وحده الغموض حينئذ سيكون واضحاً، ووحدها الفوضى ستكون مستقرة.

 

 


 التهديد التركي لوحدة سوريا والعراق: ما العمل؟
من جرابلس إلى الموصل ومن الموصل إلى حلب، يتنقل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومُعاوناه رئيس الحكومة بن علي يلديريم ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو. التدخّل العسكري في جرابلس وما بعدها، كان اختباراً مُشجعاً له لتكراره في الموصل، والتركيز على البعد التاريخي في الموصل عمّمه أيضاً على حلب.
لقاء المخاتير الأسبوعي تحوّل إلى موعد ثابت يُطلق منه أردوغان «أفكاره» وتهديداته، بعدما كان رئيس الوزراء السابق احمد داود أوغلو يقوم بهذه الوظيفة. للمناسبة، يُمكن أن يكون داود أوغلو أحد أكثر الناس سروراً بما تفعله تركيا اليوم في سوريا والعراق. وما عجز عنه في حقبته يتحقّق الآن. هذا دليل آخر على أن عزل داود أوغلو لم يكن مرتبطاً، كما شاع لدى البعض حينها، بتغيير في سياسة تركيا الخارجية.
لقد قال أردوغان إنه «لا مشكلة لنا مع حلب»، لكنه أتبع ذلك بجملة تحفّظات ومُلاحظات تعكس حقيقة أن له مُشكلة فعلية مع حلب وفي حلب. وبعدما قال إن «الموصل للموصليين»، ها هو أردوغان يُكرّر اللازمة نفسها على حلب: «حلب للحلبيين». وكما قال إن «الموصل كانت لنا»، ها هو يقول عن حلب: «لنا روابط تاريخية وثقافية ونسب في حلب»، و«يجب أن نوضح ذلك». أيضاً، وكما أراد المُشاركة في معركة الموصل، ها هو يقول: «نحن مُستعدون لخوض معركة مُشتركة ضدّ المجموعات الإرهابية في حلب».
يأخذ أردوغان التاريخ في المنحى الخاص به وفي اتجاه واحد. التاريخ عنده له دفق واحد في اتجاه الجنوب، نحو العراق وسوريا. رئيس الوزراء العراقي بدا مسؤولاً وهادئاً عندما ردّ على أردوغان بأن هذا المنطق لا يوصل إلى نتيجة. ذكّره بأن كل تركيا، أو معظمها، كان تحت سلطة بغداد عاصمة الدولة العباسية. فهل نُطالب باستعادة تركيا إلى سلطة بغداد؟
يُمكن بالطبع لكل جيران تركيا أن يُذكّروها بالماضي، وفي مُقدمهم اليونان، بأن اسطنبول لم تكن سوى القسطنطينية، وبأن شرق تركيا لم يكن سوى أرمينيا، وإذا كانت جوامع الأتراك لا تزال في الجزر الـ12 في ساحل إيجه، فإن الكنائس والقصور والآثار البيزنطية لا تزال في كل مكان في الأناضول. ويُمكن لكل هؤلاء أن يُذكّروا الأتراك أنفسهم، بأنهم دخلاء وطارئون على هذا المشرق، ولم يطأوا أرضه سوى في نهاية القرن العاشر للميلاد آتين من شرق آسيا ووسطها، ولم يدخلوا أوروبا ولا المنطقة العربية سوى غازين ومُحتلّين.
أيضاً، فإن التساؤل هو لماذا يقول أردوغان «يجب أن نوضح ذلك» ولمن يجب أن يوضح ذلك؟ هل للولايات المتحدة؟ أم لروسيا؟
رسائل أردوغان كثيرة وخطيرة. هي تعكس مشروعاً حمله منذ البداية، له ركائز ميدانية وإيديولوجية بحمولة تاريخية مُكثّفة.
اتبعت تركيا، منذ بداية الحرب في سوريا، سياسة هدفها إسقاط النظام في سوريا كخطوة أولى لإسقاط حكومة نوري المالكي في العراق، وكسر محور الممانعة ورأس حربته إيران، وتطويق روسيا، بدفع أميركي. واعتمد للوصول إلى هدفه على وكلاء، عمل على رعايتهم واتخذوا أسماء مختلفة من «الجيش السوري الحر» إلى «نور الدين زنكي» و«السلطان مراد» و«جبهة النصرة» و«داعش». أسماء مُختلفة لمضمون واحد. ورفد هذه المجموعات بأكبر عملية انتقال في التاريخ لمُقاتلين عبر الدول والقارات، كانت تركيا مقرّهم ومنصّتهم للانتقال إلى سوريا، قبل أن يُوجّههم إلى العراق في الغزوة المشهورة قبل عامين ونصف عام.
سقوط سوريا والعراق وكسر إيران لم يكن الهدف الوحيد أو النهائي للأتراك. السلوك التركي في مصر وتونس وفي الدول الخليجية كان واضحاً لجهة استكمال المشروع التركي، ليستهدف كل خصوم تركيا التقليديين في مصر والسعودية والإمارات. أي أن هذا المشروع يستهدف كل المُكوّنات الواقعة في المنطقة العربية وإيران.
وقد فرضت التطوّرات نفسها على التوازنات، وتقهقر المشروع التركي الذي لم يبق له سوى المئة كيلومتر بين جرابلس وأعزاز. في هذه اللحظة، كانت أحداث صيف 2016 حاسمة ونقطة تحوّل في المُعادلات الميدانية، وربما السياسية.
أحسن أردوغان الاستفادة من لحظة التطبيع مع روسيا، ومن ثم فشل الانقلاب العسكري. أراد أن يدفع بالأمور على قاعدة «الصولد»: إما أن يربح كل شيء أو يخسر كل شيء. قد يقول البعض إن هذا المنطق يتعارض مع «براغماتية» أردوغان، لكن الغلط هنا، هو في القول إن أردوغان براغماتي. عندما يتعلّق الأمر بالعصبية المذهبية والعرقية والشخصية، فلا مكان للبراغماتية في عقل أردوغان. عندما يحني رأسه أمام عاصفة مُقبلة، ومن ثم يُعاود استئناف هجومه من دون التخلّي عن هدفه الرئيسي، فهذا ليس براغماتية بل دهاء ومكر.
أراد أردوغان أن ينتقم أشدّ الانتقام من صورته المنكسرة بعد الانقلاب العسكري، وأراد الانتقام أشدّ الانتقام من فشل مشروعه في المنطقة. رفع مستوى التحدّي والنبرة المعطوفة على تحرّك ميداني في سوريا، ومن ثم العراق.
وضع أردوغان أوراقه دفعة واحدة، لأنها المعركة الأخيرة: الجيش التركي للمرة الأولى هو رأس الحربة. يتحدّثون عن «الفصائل السورية المدعومة من الجيش التركي» في سوريا. في الواقع، هو الجيش التركي المتلطي خلف قشرة هذه الفصائل. نحن أمام قوات تركية مُباشرة على الأرض. احتلت جرابلس وكل الشريط الحدودي من عين العرب (كوباني) إلى عفرين. ومنذ اللحظة الأولى، كان الهدف هو احتلال منبج والباب. لم يُخف المسؤولون الأتراك ذلك، بل أعلنوها بصراحة منذ 24 آب 2016. لذا، فإن بيان «قيادة التحالف» التابع للقوات الحليفة للدولة في سوريا عن توعّدها الجيش التركي بعدم تجاوز الخطوط الحمر على الأرض، لا معنى له. فالبيان سيئ إلى أقصى حد. فهو يعني أن قيادة المحور لم تقدّر أن الجيش التركي سيصل إلى الباب أو منبج، أو أنها انخدعت بوعود تركية معينة تمّ تجاوزها. كما أن البيان، الذي كان يُفترض أن يصدر شبيه له منذ لحظة دخول تركيا إلى جرابلس، وبالتالي التصدّي لجيشها لحظة دخوله وليس بعد شهرين، يعترف ضمناً بأن «قيادة التحالف» كانت «تغضّ النظر» عن لحظة الدخول تلك، وما حملته تلك اللحظة من معادلات ميدانية خطيرة ومكاسب لتركيا لن تتخلّى عنها بسهولة، بل ربما تتطلّب مُواجهات وحروبا، وما قد تحمله من مُساومات على حساب السيادة والهوية تُعيد النظر فعلا، كما يرغب أردوغان، في الكثير من الاتفاقيات والوقائع الراهنة.
الآن، خطر أردوغان على سوريا والعراق أكبر من قبل. أردوغان تهديد جدي للغاية لسلام واستقرار المنطقة ولوحدة سوريا والعراق. فشرط السيطرة على شمال سوريا وشمال العراق هو تقسيم البلدين، ليكون كلام تركيا لدى دخول جرابلس عن منع وصل «الكوريدور» الكردي للحفاظ على وحدة سوريا، مجرد نفايات في مستوعب المهملات. يُضاف إلى ذلك، أن هذه الخطورة أكبر من قبل لأنها صادرة من أسد جريح، بسبب الانقلاب وبسبب فشل مشروعه الإقليمي. لذا، فرغبة الانتقام لديه تكون أكبر.
يُريد أردوغان أن يتجاوز أتاتورك بل كل السلاطين العثمانيين. يُريد أن يكون فاتح الموصل وفاتح حلب. ولا يتورّع من أجل هذا الهدف عن إدخال المنطقة في صراعات تاريخية لا تنتهي. وما لم تنته المعركة مع أردوغان في حلب والموصل إلى هزيمة حاسمة له، فإن الشمال السوري كلّه، كما جانب من الشمال العراقي، سيكون تحت النفوذ التركي، إن لم يكن تحت الاحتلال المباشر. ولاحقاً، سيتمّ التعامل مع هذه المناطق من جانب أنقرة، تماماً، كما تعاملت تركيا مع لواء الاسكندرون بعد الحرب العالمية الأولى، والذي انتهى إلى إلحاقه بتركيا في العام 1939.
نقول كل الشمال السوري، لأن الخطة التركية لن تقتصر على جرابلس والراعي ودابق. هدفان أساسيان لها: شطب الهوية الكردية في سوريا من خلال احتلال كل الشريط الحدودي السوري من الإسكندرون إلى الحدود العراقية، والعمل على إسقاط حلب، إذا أمكن، أو الحصول على تنازلات سورية أساسية تحمي الحضور والنفوذ التركي في شمال سوريا.
وفي الواقع، إن تركيا، التي رفعت في عملية جرابلس شعار تنظيف «داعش»، تجاوزت هذا الهدف إلى منع وصل الأكراد كانتوناتهم ونجحت في ذلك، ومن ثم التحضير الآن، والإشارات كثيرة ورسمية، لاحتلال كانتون عفرين ومعه كوباني وتل أبيض والجزيرة.
وتعمل تركيا على ذلك بخطة مزدوجة خارجية، باتت مُعلنة ومعروفة، وداخلية تستهدف قطع دابر القوة الكردية في الداخل عسكرياً وسياسياً.
عسكرياً، تُواصل القوات التركية ضرب مواقع حزب «العمال الكردستاني» داخل تركيا. أما سياسياً، فتعمل على رفع الحصانة عن النواب الأكراد واعتقال رئيسة بلدية ديار بكر، النائبة السابقة غولتين قيشاناق قبل أيام، وإقالة رؤساء 30 بلدية كردية كبيرة، والعمل على إجراء انتخابات نيابية مبكرة تسحق حزب «الشعوب الديموقراطي» الكردي وتشطبه من الخريطة. وهو ما يُحذّر منه كثيرون داخل تركيا نفسها، ويرون أن أردوغان بهذا «المشروع المجنون»، كما أسمته صحيفة «جمهورييت»، يأخذ تركيا، قبل غيرها، إلى الحرب الأهلية والتقسيم.
لا يُريد أردوغان أن يُكرّر في سوريا، تجربة شمال العراق الكردية الفدرالية، ذاهباً حتى النهاية، في محاولة منع هذا الخيار. من هذه الزاوية، يُستغرب جداً موقف رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني المؤيد لأردوغان، لأن سعي تركيا لضمّ الموصل، على المدى البعيد، أو حصول امتيازات، على المدى القصير، يهدف أيضاً، إلى الأطماع التاريخية، إلى مُحاصرة كردستان العراق من الشمال ومن الغرب، حيث تُلوّح تركيا باحتلال سنجار وتلعفر، ومنع القرار الكردي المُستقلّ، بما يؤسس لاحقاً، لحروب تركية ـ كردية ـ عراقية.
لا تفعل سياسات أردوغان الجديدة ـ القديمة سوى إثارة المزيد من الاضطراب والفوضى، وإراقة الدماء، وبعث الأحقاد، ونبش قبور التاريخ، وانتهاك سيادات الدول، وتمزيق المُعاهدات الدولية في كل المنطقة، مُحاطاً، عند الضرورة القصوى، بدعم الأطلسي وفي قلبه واشنطن، سواء بمزيد من الدعم أو بمزيد من التوريط.
ليس بالضرورة أن يمضي المشروع التركي إلى نهاياته بل ربما ينعكس، في ظل تعقيدات المشهد الميداني وتعدّد اللاعبين المُتناقضين، مخاطر غير مُتوقّعة وغير محسوبة على تركيا نفسها. لكن الكرة الأساسية، في مُواجهة هذا المشهد التهديدي، هي في ملعب القوى المُتضرّرة، وهم كثر وفي مُقدمهم أكراد سوريا والدولة السورية وحلفاؤها، وماذا هم فاعلون، من دون صفقات وتنازلات، لقطع دابر هذا الخطر الإنكشاري المتعطّش للتوسّع والدماء.

 

 


   خريطة تركية جديدة تروج لها وسائل اعلام حكومة اردوغان تضم الموصل وحلب وكركوك.. فهل يتكرر سيناريو تقسيم قبرص في الموصل وحلب؟ وكيف ستكون ردود الفعل الاقليمية والدولية؟
راي اليوم/عبدالباري عطوان/17 اكتبر 2016
في الايام القليلة الماضية نشرت وسائل الاعلام  الحكومية التركية “خريطة جديدة” لتركيا تتضمن توسيع الخريطة الحالية، وتعديل الحدود، بحيث تتضمن شريط حدودي على طول الشمال السوري، يمتد من حلب وحتى مدينة كركوك، بما في ذلك مدينة الموصل بطبيعة الحال، علاوة على بعض الجزر اليونانية في بحر ايجة.
 نشر هذه الخريطة الجديدة يتزامن مع حديث الرئيس رجب طيب اردوغان عن ضرورة تعديل اتفاقية لوزان، التي جرى التوصل اليها بين مصطفى كمال اتاتورك والدول الغربية بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى بهزيمة دول المحور، وتضمنت الامبراطورية العثمانية ووضع حدود تركيا الحالية.
الرئيس اردوغان بدأ يتحدث عن “العقد الوطني” الذي يكرس القومية التركية، ويصف تخلي اتاتورك عن الموصل وحلب ليس بالأمر الواقعي، وانما خيانة وطنية لهذا العقد، وللشعب التركي.
***
اصرار الرئيس التركي على بقاء حوالي الفي جندي تركي في قاعدة بعشيقه قرب الموصل، وتدريب اكثر من 5000 مقاتل سني من اهل الموصل، تحت اسم قوات حماية نينوي بزعامة السيد اثيل النجيفي، محافظها السابق، واصراره على المشاركة في الحرب لإخراج قوات “الدولة الاسلامية” من الموصل كلها، مؤشرات على رغبته في ضم المدينة، ان لم يكن الآن، ففي المستقبل القريب، استغلالا لحالة الفوضى والحروب التي تسود المنطقة، وتصاعد الفتنة والتقسيمات الطائفية، وضعف العرب على وجه الخصوص.
في عام 1939 استغلت تركيا ظروف مماثلة، أي قبل بدء الحرب العالمية الثانية، واقدمت على ضم اقليم “هاتاي” او آنطاكيه السوري، الذي كان خاضعا للاستعمار الفرنسي اسوة بالأراضي السورية واللبنانية، وهناك مؤشرات على ان السيناريو نفسه يمكن ان يتكرر تحت عنوان حماية الاقليات التركية خارج حدود تركيا الحديثة، على غرار ما حدث عندما ارسلت تركيا قواتها لاحتلال شمال قبرص عام 1974 حيث الاغلبية التركية.
استخدام وجود اقليات تركمانية في الموصل، وبعض المدن والبلدات في ريف حلب وشمال غرب سورية، وضرورة تدخل تركيا عسكريا لحمايتها، على غرار ما يحدث حاليا في مدن الباب وجرابلس ومنبج، حيث لا يوجد خليط اثنى من العرب والاكراد والتركمان، ربما يكون الخطوات الابرز لإعادة رسم الحدود التركية وفق الخريطة الجديدة، والرئيس اردوغان اعاد التأكيد اكثر من مرة بأن تركيا لن تخذل ابناءها التركمان واشقاءها العرب السنة.
بوادر مواجهات بين طائرات تركية واخرى يونانية فوق بحر ايجه في الايام القليلة الماضية مؤشر على قلق اليونان، وقصف طائرات سورية لفصائل تابعة للجيش السوري الحر تقاتل تحت مظلة قوات وطائرات “درع الفرات” التركية، التي تتوغل في الاراضي السورية في محيط حلب الشمالي، يعكس القلق السوري، حيث وصف بيان للجيش السوري هذا التوغل بانه احتلال وانتهاك للسيادة السورية وسيتم التصدي لهما.
 القاعدة المتبعة في محكمة العدل الدولية والاتحاد الافريقي، ومنظمات اقليمية اخرى هو مقاومة أي محاولة لتعديل الحدود القائمة منذ عهد الاستعمار، ولكن الرئيس اردوغان الذي يؤمن بالعثمانية الجديدة يرى عكس ذلك تماما، ويعتقد ان قوة تركيا وضعف الآخرين يمكن ان يحقق طموحاته في تعديل معاهدة لوزان، وضم ما تخلى عنه اتاتورك من اراضي، خاصة الموصل وحلب وكركوك اذا استطاع الى ذلك سبيلا.
***
القضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” يجري توظيفه كذريعة لإعادة رسم حدود المنطقة العربية على اسس طائفية وعرقية جديدة، والرئيس اردوغان يلعب دورا كبيرا في هذا الاطار فهل ينجح في احلامه الامبراطورية هذه؟
هيتلر اراد تعديل حدود المانيا واعادة امبراطوريتها الى الوجود مجددا، وانتهى الامر بخسارته وتقسيم المانيا، والشيء نفسه حصل تقريباً في مناطق اخرى في اوروبا، مما يعني ان الرئيس اردوغان يقدم على مخاطرة كبيرة، وان الحروب في المنطقة تطول لعقود قادمة، هذا اذا لم تتطور الى حرب عالمية ثالثة او رابعة.
مرة اخرى نقول ان العرب باتو هم الرجل المريض جدا، بل الموضوع في غرفة الانعاش، ويعيش على الآلات الصناعية، وفي انتظار من يضغط بإصبعه على زر وقف هذه الآلات.
لا نعتقد ان الرئيس اردوغان سيكون افضل حظا من الذين ساروا على الطريق نفسه.. ولكن مع تسليمنا انه تظل لكل قاعدة استثناءات.. والله اعلم.

 

 


حسن نافعة
العلاقة الاستراتيجية ضرورة بين مصر والسعودية
النسخة: الورقية - دولي الأربعاء، ٢٦ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٦ (٠١:٠ - بتوقيت غرينتش)
أثار تصويت مصر لمصلحة مشروعي القرارين الفرنسي والروسي في جلسة مجلس الأمن التي ناقشت تطورات الوضع في حلب، ردود أفعال حادة. فما أن انتهت الجلسة حتى كان السفير السعودي في الأمم المتحدة عبدالله المعلمي يتحدث إلى وسائل الإعلام، فاعتبر التصويت المصري «مؤلماً»، وقارن بينه وبين موقف كل من ماليزيا والسنغال الذي اعتبره «أقرب إلى الموقف العربي». وأبرزت وسائل إعلام محسوبة على السعودية ذلك الاستياء، وراح الإعلام المصري يرد على ذلك، وافتقدت الحملات المتبادلة قواعد المهنية، ناهيك عن الالتزام بأبسط المعايير الأخلاقية.
لم يكن التصويت المصري، في تقديري، سبب اندلاع الأزمة وإنما كان كاشفاً عن وجودها فقط، ولذا تبدو الحاجة ماسة للتعرف إلى حقيقة أسبابها وبحث أنسب الوسائل لمعالجتها، وإلا خرجت عن نطاق السيطرة. وعلى رغم قناعتي بأن السياسات التي ينتهجها البلدان لا تزال دون مستوى التحديات التي يواجهانها على الصعد المحلية والإقليمية والدولية، إلا أنني كنت وما زلت مقتنعاً بضرورة وحتمية إقامة علاقة استراتيجية بين البلدين (راجع على سبيل المثال مقالي المنشور هنا بتاريخ 30/3/2016).
أود التذكير هنا بما سبق أن أشرت إليه من وجود نهجين مختلفين حول النموذج الأمثل لبناء علاقة استراتيجية بين مصر والسعودية: النهج الأول: ثنائي التوجه، وينطلق في رؤيته من حقيقة الاختلاف القائم بين طبيعة النظام الحاكم في كل من مصر والسعودية، على رغم عمق الروابط والمصالح المشتركة بين الشعبين. لذا يعتقد أنصار هذا النهج أن الصيغة الأنسب لعلاقة مثمرة بين البلدين يجب أن تقوم على أساس رؤية كل نظام لاحتياجاته من الطرف الآخر، وأن يستند تحديد هذه الاحتياجات إلى حسابات دقيقة تقوم على المقايضة وتبادل المنافع والمعاملة بالمثل. ويبدو أن هذا هو النهج المعتمد حالياً لإدارة العلاقة بين البلدين. ومع ذلك فإن وضعه موضع التطبيق لا يتطلب فقط معرفة كل طرف لاحتياجاته من الطرف الآخر بدقة ولكن أيضاً بما يستطيع الطرف الآخر أن يقدمه والعثور على صيغة تحقق «التوازن» بين ما يقدمه وما يحصل عليه كل طرف، وتلك هي الحلقة المفقودة في النهج المعتمد حالياً، نظرياً على الأقل.
النهج الثاني: قومي التوجه، وينطلق في رؤيته من حقيقة أن مصر والسعودية تشكلان معاً العمود الفقري لنظام عربي لا يستطيع أي منهما أن يحيا إلا في ظله. ولأنه نظام مأزوم حالياً ويبدو على وشك الانهيار، فقد أصبحت هناك حاجة ماسة إلى رافعة لا يقدر على توفيرها سوى تحالف استراتيجي حقيقي بين البلدين. لذا يعتقد أنصار هذا النهج أن الصيغة الأنسب لعلاقة مثمرة بين البلدين يتعين أن تستجيب لمتطلبات الأمن القومي العربي ككل، ولما يستطيع كل طرف أن يسهم به لتوفير تلك المتطلبات. وقد جرت إبان الحقبة الناصرية محاولة لتطبيق هذا النهج، من طرف واحد، لكن الحاجة أصبحت اليوم ماسة لإحيائه وتجديده كي يصبح قابلاً للاعتماد والقيادة من الطرفين معاً. ولوضع هذه الصيغة المنقحة والمأمولة موضع التطبيق في المرحلة الراهنة يتعين على مصر والسعودية أن يدخلا في حوار عميق للتوصل إلى اتفاق على تعريف محدد لمفهوم الأمن القومي، ولطبيعة الأخطار والتحديات التي تواجهه، وللوسائل والآليات الكفيلة بمواجهتها. وتلك هي الحلقة المفقودة في النهج المأمول.
يدرك كل دارس متعمق حجم الصعوبات التي تعترض طريق وضع نموذج عقلاني لإدارة العلاقات العربية- العربية، سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي. أسباب هذه الصعوبات كثيرة، ربما كان أهمها غياب المؤسسية، والتناقض بين السياسات المعلنة والسياسات الحقيقية التي ترسم خلف أبواب مغلقة. ففي غياب المؤسسية أصبح لدى كل نظام عربي ميل غريزي للتصرف في العلن بطريقة تختلف تماماً عن تصرفاته خلف الأبواب المغلقة. ففي العلن يقدم كل نظام عربي سلوكه باعتباره الأكثر اتساقاً مع المصالح العربية العليا وحرصاً عليها، لكنه يتصرف في الخفاء بأنانية، ويمارس كل أنواع الابتزاز.
الأخطر من ذلك أن النظم التي تتنافس لقيادة النظام العربي نادراً ما تحترم مؤسسات العمل العربي المشترك أو تسعى لاتخاذ قراراتها عبر ما قد تتيحه من آليات، وغالباً ما تضع النظام العربي أمام أمر واقع حين تقوم باتخاذ قراراتها وفقاً لحسابات ذاتية أو قطرية بحتة، ثم تحاول تسويقها بعد ذلك باعتبارها قرارات قومية تستهدف مصالح العرب جميعاً. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى: فأنور السادات لم يستشر أحداً حين قرر الذهاب إلى القدس، وصدام حسين لم يستشر أحداً حين قرر شن الحرب على إيران... الخ.
من الطبيعي أن تتباين رؤية كل دولة عربية لمصادر تهديد أمنها الوطني بسبب تباين الوضع الجيوسياسي لكل منها وما يفرضه من تباين في تحالفاتها الخارجية، إقليمية كانت أم دولية. وتأسيساً على هذه الحقيقة، من الطبيعي أن تختلف طريقة إدراك السعودية للمخاطر التي قد تنجم عن تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة عن طريقة إدراك مصر للأخطار ذاتها، وأن تختلف طريقة إدراك مصر للأخطار التي قد تنجم عن بناء إثيوبيا لسد النهضة أو عن تحول ليبيا إلى دولة فاشلة، عن طريقة إدراك السعودية للأخطار نفسها. وحين يدرك العرب جميعاً أن النظام العربي بدأ مرحلة الانهيار الفعلي وأن انهياره سيؤدي إلى انهيار كل الدول العربية التي لن يستطيع أي منها أن ينجو بمفرده، وحين تدرك كل من مصر والسعودية أنهما يشكلان معاً العمود الفقري للنظام العربي كله وأن إقامة علاقة استراتيجية صلبة بينهما هي الوسيلة الوحيدة الكفيلة بإنقاذ هذا النظام من الانهيار، تصبح مهمة بناء علاقة استراتيجية بين مصر والسعودية قضية حياة أو موت، ليس فقط بالنسبة إلى الدولتين المعنيتين وإنما بالنسبة إلى الشعوب العربية قاطبة.
أدرك أن الكارهين للنظام العربي والساعين لوراثته، وهم كثر، سيبذلون كل ما في وسعهم للترويج لمقولة أنه يقوم على فكرة وهمية لا أساس لها ويبدو كسراب خادع لا يستحق تبديد الوقت والجهد في الجري وراءه. كما أدرك أن هناك محاولات لقيام تحالف سعودي - تركي يكون خياراً أكثر مدعاة للثقة. كما أن هناك محاولات لقيام تحالف مصري - إيراني على أساس إقناع مصر بأن التحالف مع إيران يمكن أن يشكل بديلاً أفضل، وربما يكون الوحيد القادر استراتيجياً على وضع حد لمشكلات مصر المزمنة من خلال اقتسام النفوذ مع إيران في الخليج العربي.
وفي تقديري أن السير على هذا الدرب الوعر لن يؤدي إلا إلى التهلكة. رب ضارة نافعة، كما يقولون، وأظن أن بوسع كل من مصر والسعودية، إن أرادا، تحويل الأزمة الراهنة إلى فرصة لحوار استراتيجي يسمح للبلدين بالتوافق على رؤية مشتركة لإنقاذ النظام العربي وإعادة بنائه على أسس جديدة. لكن ذلك يتطلب منهما تغييراً جذرياً في سياستهما الراهنة.
 
 
* كاتب مصري

 

 


من سوريا إلى العراق وبالعكس: عن حروب الطائفية والمذهبية على العروبة
طلال سلمان 
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-10-26 على الصفحة رقم 11 – قضايا وآراء
فجأة، ومن خارج التوقع، تهاوت الأنظمة العربية التي كانت تقول بالعلمانية، مبرِّئة ذاتها من التعصّب الديني أو الطائفي. ولعلها قد بالغت في ادعاءاتها تلك لنفي شبهة احتكار السلطة فيها لمجموعات تجتهد في تغطية الانتماء لمذهب محدد بالهوية الحزبية العلمانية («البعث» في سوريا والعراق و «الحزب الاشتراكي» في اليمن الجنوبي في ظل انفصاله عن الشمال).
في المقابل، كانت تركيا، التي تعتمد العلمانية في نظامها السياسي بعد دهور الخلافة الإسلامية، تنتقل، تدريجياً، وفي ظل الحزب الحاكم الآن بقيادة رجب طيب أردوغان، إلى تصدر العودة إلى الإسلام السياسي. هذا قبل الحديث عن التحالفات التي نسجها النظام التركي إقليمياً، وأبرزها في هذا السياق مع أخطر أعداء العرب والمسلمين عموماً: الكيان الإسرائيلي. أما عسكرياً، فقد انتظم في «الحلف الأطلسي»، وإن لم تقبله أوروبا في اتحادها برغم كل التنازلات التي قدّمها.
لقد نزلت دولة أردوغان برئيسها ورئيس حكومتها ونائبه إلى «الميدان» في الأيام الأخيرة، مع مباشرة الحكم في العراق معركة تحرير الموصل، مقررين أن لتركيا الحق في الدفاع عن «أهل السنة» الذين يشكلون الغالبية من أهل هذه المدينة ذات التاريخ العريق، مستذكرين السلطنة العثمانية، بداية، ثم «معاهدة لوزان» التي عُقدت بين دول التحالف الغربي (بريطانيا وفرنسا) وتركيا التي كانت قد تحرّرت من أعباء «السلطنة» وخطاياها، ولكنها دخلت الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وخرجت منها مهزومة ومثخنة بالجراح.
هكذا، لم يتورّع أردوغان، بعد تنصيب نفسه ولياً لأمر المسلمين السنّة جميعاً عن الإشارة، ضمناً، إلى أن الموصل كانت من «أملاك السلطنة»، فضلاً عن التلويح بمخاطر الهجوم العسكري للجيش العراقي، مفترضاً أنه يستهدف «أهل السنّة» (!) كأنما هذا الجيش وافد من الخارج، أو كأنما أهل الموصل ليسوا طليعة في شعب العراق بل هم «جالية أجنبية» تطلب «حماية دولية» لا يصلح لها إلا تركيا أردوغان.
لم يكتف أردوغان بتركيا لخوض هذه «الحرب»، بل اندفع يستنخي دول الخليج العربي بقيادة السعودية، ضارباً على الوتر المذهبي، قافزاً من فوق حقيقة بسيطة مؤداها أن الذي يحتل الموصل ويقهر أهلها، بل العراقيين جميعاً والسوريين معهم وعرباً سنّة آخرين، هو تنظيم «دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام»، وهو بقيادته و «مجاهديه» جميعاً من «أهل السنة»، وإن كان مشبوهاً في نشأته وأهدافه، بالإضافة إلى أنه من خارج العصر.
خلاصة هذا التقدير الاستراتيجي الخطير لأردوغان أن تحرير الموصل يهدد بالخطر المليار مسلم، تقريباً، بغالبيتهم السنية المطلقة. لكأن أهل السنة في العراق «جالية أجنبية» أو «أقلية» مضطهدة وليسوا بعض أهله وبين أبرز نخبه، وهم كانوا في سدّة الحكم في بغداد لقرن من الزمن إلا قليلاً، فيما كان أهل الشيعة (وهم الأكثر عدداً) مهمّشين. ثم إن الموصل كانت طليعة في العمل القومي.
أما ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق وخلع صدام حسين، في ربيع عام 2003، فقد «هجم» الشيعة على السلطة، بزعم تعويض «دهر الحرمان»، وإن ظلت السلطة «مركبة»، رسمياً، على أساس الشراكة وتقاسم المناصب على قاعدة مذهبية (وعرقية) فتقرر أن يكون رئيس الجمهورية كردياً ـ سنياً (وهو منصب رمزي لكن الهدف منه توكيد الأخوّة العربية ـ الكردية)، ورئيس مجلس النواب سنياً (عربياً)، أما رئيس الحكومة الذي يمتاز بصلاحيات واسعة فهو شيعي، وفي الحكومة يتمثل الجميع، وكذلك في الجيش وقوى الأمن، وإن كان ثمة أرجحية شيعية (ينسبها أهل السلطة إلى الأكثرية العددية).
صحيح أن العراق مرّ بمرحلة انتقالية حرجة، تخللتها أخطاء فادحة ومظاهر طائفية نافرة ومنفّرة، ومصادمات عنصرية (مع الكرد) وطائفية (بين الشيعة والسنة)، لكن الواقع أن تلك المرحلة قد مضت وانقضت تقريباً، لا سيما بعد إسقاط حكومة المالكي ومجيء العبادي إلى السلطة، وانتقلت المشكلة إلى المتطرفين الشيعة الذين يتلطون بدعاوى ظلم الماضي لتغطية عمليات النهب والخروج على القانون بذريعة «التعويض عن دهر الحرمان»! هكذا سقطت شعارات «العلمانية» وكل ما كان يرفعه حزب «البعث» من مبادئ وأهداف أولها المساواة بين المواطنين بغير تمييز بسبب الدين أو الطائفة أو العرق، والاعتراف بحقوق الأقليات.
في المقابل، فإن الحرب في سوريا وعليها قد التهمت، في ما التهمته، شعارات حزب «البعث» الذي يفترض أنه يتولى السلطة، كل السلطة. فاحتلت قوى مختلفة الهويات والهوى مناطق مختلفة في سوريا، رافعة شعارات المنظمات الأكثر تطرفاً من حملة رايات «الجهاد»، مثل «داعش» و «النصرة» وجبهات أخرى تلوذ بتركيا، المتهمة الآن بأنها على صلة بالأكثر تطرفاً من «المجاهدين» الذين جاؤوا من أنحاء عديدة بعيدة كل البعد من سوريا، فيهم آلاف من العرب (من شمال أفريقيا خاصة مع قلة جاءت من بعض أنحاء الجزيرة والخليج، والسودان ومصر وحتى لبنان).
أما الذريعة فكانت، في الغالب الأعمّ، وربما بدافع التغطية على الأهداف الفعلية، أن هؤلاء المقاتلين إنما جاؤوا لنصرة «أهل السنة» ضد «الحكم العلوي» ومساندتهم أساساً ضد إيران (التي أوفدت بعض «حرسها الثوري» فعلاً لدعم النظام و «حزب الله» في لبنان). وهكذا تصبح المواجهة خارج السياسة وتكاد تنحصر في الصراع بين أهل السنة والشيعة (مع تأكيد أنّ العلويين منهم).
على أن الحرب الطائفية لم تنجح في سوريا بقدر نجاحها في العراق، ربما لأن النظام كان أكثر ذكاءً وأعظم إنجازاً في داخل المجال السياسي العربي (وبالتحديد في زمن الرئيس الراحل حافظ الأسد). كما أن حزب «البعث» في سوريا أعرق وقد نجح حكمه في تخطي عقبات كأداء، وشهد له حتى خصومه بالحكمة والدهاء في إدارة شؤون البلاد وسط عواصف عنيفة، على امتداد ثلاثين سنة طويلة وحافلة بالتحديات والمخاطر، بين محطاتها العظمى حرب تشرين (أكتوبر) 1973 المجيدة، (بالشراكة مع مصر) وحرب لبنان الأهلية بكل تداعياتها الدولية، ثم الحرب العراقية ـ الإيرانية وغزوة صدام حسين ثم الحرب الأميركية ـ العربية التي شاركت فيها قوة من الجيش السوري إلى جانب الجيش الأميركي وكتائب من جيوش عربية كثيرة.
على أنه من الضروري الإشارة إلى أن الدعوة إلى العلمانية كانت أكثر نجاحاً في سوريا منها في العراق، ربما لأن تاريخ الحياة السياسية كان أكثر غنى وأكثر حيوية في سوريا منه في العراق. وهنا لا بد من أن نتذكر تأثير الهزيمة العربية في فلسطين على العرب عموماً، وعلى السوريين خاصّة. وهي قد دفعت بجموع من المناضلين، مدنيين وعسكريين، إلى ترك مناصبهم وأعمالهم والتطوع للقتال ضد المشروع الإسرائيلي، بمعزل عن فارق القوة.
وحتى اليوم، وبرغم الحرب المفتوحة على سوريا وفيها، التي تشترك في القتال ضد القوات المسلحة فيها عشرات المنظمات الإرهابية، أكثر من نصفها وافد من الخارج، وعبر الأراضي التركية أساساً ومع غضّ النظر الرسمي عنها، فإن الجيش السوري مدعوماً من إيران ومن «حزب الله» في لبنان قد صمد في المواجهة المكلفة. وهذا يثبت، ولو بشكل غير مباشر، أن الطائفية أقلّ تأثيراً بما لا يُقاس منها في العراق، وأن «العلمانية» بصيغة أو بأخرى، قد حققت نجاحاً، إذ كان من الصعب التمييز بين السوريين على قاعدة طائفية.
في أي حال، لا بد من الاعتراف بأن دولاً عربية، إضافة إلى تركيا، قد شاركت في الحرب على سوريا تحت شعار طائفي، بل مذهبي. ويمكن القول بالمقابل إن مشاركة إيران وفصائل حزبية على صلة بها قد زادت من الطابع الطائفي لهذه الحرب السياسية بامتياز، التي كانت تهدف إلى ضرب آخر قوة عسكرية عربية ما تزال تُحتَسب في رصيد المواجهة التي لا بد آتية، ولو بعد حين، مع العدوّ الإسرائيلي.
على أن هذه «الجبهة» قد توسّعت مؤخراً، وبعد مباشرة العراق حربه الفعلية لتحرير الموصل، العاصمة الثانية للعراق وحافظة بعض كنوز تراثه الحضاري النادر والاستثنائي في قيمته الفنية فضلاً عن موقعها في التاريخ. وهكذا حرّض الحكم التركي بعض أنظمة الجزيرة والخليج ضد الحكم في بغداد، إضافة إلى دفعها للاستمرار في حربها على النظام في سوريا.
هل من الضروري التذكير بأن حكم أردوغان كان الداعم الأخطر لحكم «الإخوان المسلمين» في مصر، ما سبب قطيعة رسمية وشعبية بينه وبين الشعب المصري قبل السلطة في القاهرة؟
لكأنها حرب مفتوحة بين العروبة، برغم ضعفها الراهن، وبين الإسلام السياسي في أسوأ صوره ممثلاً بـ «داعش» و «النصرة» وحكم «الإخوان» في أنقرة.
والميدان هو الحكم، في غياب الشعوب.
(]) تنشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

 

 


ماذا بعد انهيار هدنتي حلب وصنعاء؟ وهل خدع الامريكان الاكراد مرة أخرى واجلوا حلم دولتهم؟ وهل نرى تحالفا بينهم وبين النظام السوري في مواجهة التغلغل التركي؟ولماذا يسمح البارزاني للاسرائيليين بتغطية حرب الموصل؟
راي اليوم/عبدالباري عطوان/24 اكتبر 2016
انهارت يوم امس هدنتان، واحدة في حلب والثانية في صنعاء، وعادت الطائرات الى القاء ما في جوفها من حمم قاتلة، بينما تستمر المعارك على اشدها في اطراف مدينة ثالثة هي الموصل.
ضاعت البوصلة، لم يعد يعرف المواطن العربي خريطة التحالفات، والأطراف العديدة المشاركة فيها، لشدة تعقيداتها، وتداخلها، وتقلباتها، واستعصائها على الفهم بالتالي.
انهيار الهدنة في اليمن يعني مواصلة التحالف العربي بقيادة السعودية القصف الصاروخي لما تبقى، ويستحق القصف، او لا يستحقه في اليمن، هذا اذا بقي أي شيء قائما بعد غارات “عاصفة” مستمرة منذ 19 شهرا اهلكت الحرث والنسل، ومن شاهد صور الأطفال الجوعى في الحديدة، ومناطق أخرى في اليمن، من جراء الحصار، وجلودهم الملتصقة بعظامهم، واعينهم الجاحظة، والتعبيرات المؤلمة، الحزينة، اليائسة، على وجوه امهاتهم، يدرك حجم الجرائم ضد الإنسانية التي يجري ارتكابها في هذا البلد العربي الشهم المعدم.
لم نتوقع لهدنة حلب ان تُكمل مدتها وهي 72 ساعة للسماح بوصول المعونات الإنسانية الى اكثر من مئتي الف من أهلها المحاصرين أيضا، فالنوايا الروسية السورية باستئناف القصف للقضاء على المسلحين في حلب الشرقية ومعظمهم من جبهة “فتح الشام”، او النصرة سابقا، لم تكن خافية عن الامريكان والأتراك والدول العربية الأخرى الداعمة لهذه المعارضة والمعادية للتحالف الروسي.
احتمالات سقوط حلب الشرقية باتت كبيرة، ليس لان القصف سيكون سجاديا، واعداد الضحايا سيكون كبيرا بالتالي، انما ايضا لان القوى التي كانت تصرخ عبر اذرعها الإعلامية الجبارة لنصرة المدينة وأهلها، باتت مشغولة بحرب الموصل، التي جرى اشعالها عمدا في هذا الوقت، لانجاح عملية المقايضة، وتقاسم الغنائم بين المتحالفين المتقاتلين بالإنابة في المدينتين، أي حلب مقابل الموصل، ولكن هذا لا يعني ان معركة الأخيرة، أي الموصل، ستكون سهلة، بل اكثر صعوبة وتعقيدا مما يتوقعه الكثيرون، فالمتحصنون في خنادقها وحواجزها الاسمنتية وانفاقها، لم يهربوا منها الى الرقة، مثلما ذكرت وسائل اعلام التحالف، بل شنوا هجمات استباقية مضادة، مع تسليمنا بأن موازين القوى لصالح التحالف وآلته العسكرية الجبارة.
***
بات من الصعب علينا تمييز الخيط الأبيض من الأسود في هذه الحروب التي تتوالد على ارضنا، وفي مدننا منذ خمس سنوات، وتزداد اشتعالا، ونتحدى ان يقدم لنا من يدعون الفهم صورة واضحة تشرح لنا بأن ما يجري غير ما نؤمن به وهو ان الهدف ليس “الدولة الإسلامية”، ولا “داعش”، ولا “النصرة”، فهذه كلها أدوات او ذرائع، وانما تفتيت بلداننا وإعادة رسم حدود جديدة، لكيانات جديدة، ولشعوب جديدة متحاربة فيما بينها لاضعافها لمصلحة إسرائيل.
صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي كان بالأمس الطفل المدلل لامريكا والغرب، بات يصرخ اليوم من الخذلان الأمريكي، ويؤكد ان تركيا التي تقصف قوات سورية الديمقراطية دون رحمة وتطردها من المناطق التي سيطرت عليها في جرابلس ومنبج والباب وقرى وبلدات عديدة في شمال سورية، حصلت على ضوء اخضر امريكي وروسي.
عندما حذر كثيرون الاكراد الذين راهنوا مرة أخرى على الامريكان املا في الحصول على دولتهم، واكدوا لهم ان التعايش مع العرب في اطار دول مدنية في المستقبل المنظور، على أسس العدالة والمساواة، قوبل هؤلاء بالاتهامات بالعنصرية والشوفينية.
الاتراك توغلوا في الأراضي السورية لمنع تحقيق هذا الحلم الكردي، ويريدون إقامة منطقة عازلة على مساحة خمسة آلاف كيلومتر مربع، الحكومة السورية اعتبرت هذا التوغل احتلالا، والاكراد رأوا فيه تطهيرا عرقيا، والحديث الآن يدور عن تحالف بين الجانبين، وشن حرب استنزاف مشتركة ضد هذا الاحتلال.
اكراد أربيل بزعامة السيد مسعود البارزاني يوظفون قواتهم “البشمرغة” في خدمة التحالف الأمريكي، ويشاركون في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، او “داعش”، في الموصل املا في ان تكون المكافأة مزدوجة، أي اعلان استقلال إقليم كردستان بدعم امريكي، والحصول على “درة” التاج النفطي في الشمال العراقي، أي مدينة كركوك.
والأخطر من كل هذا وذاك السماح لاطقم محطات تلفزة إسرائيلية لمرافقة قواتهم في حربها لاستعادة مدينة الموصل، وإخراج قوات “الدولة الإسلامية” منها، في تحد واضح وصريح واستفزازي للمشاعر العربية والإسلامية.
اكراد العراق يدخلون في ثأرات مع العرب، او جزء منهم، في مدينة الموصل، وربما تمتد بعد ذلك في حال سقوطها الى بغداد والبصرة والنجف وسامراء وكل العراق العربي “اليوم التالي”، أي في مرحلة اقتسام الغنائم بعد ان يهدأ غبار الحرب، واكراد سورية “يتذبذبون” في تحالفاتهم وعداواتهم، تارة مع النظام السوري العربي، وتارة أخرى ضد النظام التركي الطوراني، وثالثة مع أمريكا، وحتى يستقروا على رأي، ويقرروا من هو العدو، ومن هو الصديق، ربما يكون الوقت قد فات في منطقة تشهد تغييرات متسارعة جدا لا تحتكم الى منطق.
***
هناك غرف سوداء، وتحالفات سرية مبهمة، بين قوى عظمى وأخرى إقليمية، تشحذ سكاكينها للحصول على نصيبها من لحم الرجل العربي المريض في تكرار حرفي لسيناريو ما بعد الحرب العالمية الأولى مع تبدلات في الوجوه وليس في الأدوار والأدوات.
حكومة حزب العدالة والتنمية التي سهلت هذا المخطط، بحسن نية او سوئها، لن تسلم، وقد تتذوق السم نفسه، وربما تجد نفسها امام خيارين في المستقبل المنظور: الأول، انقلاب عسكري جديد ينجح فيما فشل في تحقيق الانقلاب الأخير، او حرب داخلية عنصرية طائفية، وسيكون عدم الاستقرار هو العنوان الأبرز في الحالين.
صورة سوداوية مرعبة.. نعم.. ومن يرى غير ذلك من منظري الفوضى الخلاقة التي زرعوا بذورها في المنطقة قبل خمس سنوات، وبدأنا نحصد ثمارها قتلا وتدميرا وخرابا عليه ان يرينا ما يناقض ذلك، ويقدم لنا الحلول والمخارج، فهو ادرى بها، لانه ساهم بالدور الأكبر في وصولنا الى ما وصلنا اليه.







 

 


ايران الكاسب الاكبر في حال الانتصار في معركتي حلب والموصل.. والتحالف الكردي السوري قد يكون الرد على التوغل التركي في شمال سورية.. وتصاعد الازمة بين بغداد وانقرة قد يتطور الى صدام عسكري وشيك
راي اليوم/عبدالباري عطوان/22 اكتبر 2016
بينما تتسم السياسة التركية في التعاطي مع الازمتين السورية والعراقية بالتخبط، تبدو حظوظ ايران، خصمها الاقليمي، اوفر حظا بالنجاح، فمن المفارقة ان ايران تتواجد في الحلفين “الفائزين” ضمنيا حتى الآن في معركتي حلب والموصل، فحلفاؤها الروس هم الذين يخوضون المعركة الاولى ويلقون بكل ثقلهم الجوي والعسكري فيها، وبما يمهد لقوات الجيش السوري بالتقدم في اتجاه الاحياء الشرقية المحاصرة، اما حلفاؤها العراقيون فقد اعلنوا حرب تحرير الموصل واخراج قوات “الدولة الاسلامية” منها بغطاء جوي امريكي، اي ان القوتين العظميين امريكا وروسيا يقاتلان من اجل نصرة حلفاء ايران، وخدمة مصالحها الاستراتيجية، بينما العرب يبدو خارج الصورة ولا دور لهم يتسم بالفاعلية.
القيادة التركية فتحت “عش دبابير” على نفسها بالقاء كل ثقلها في الازمة السورية على امل الاطاحة بالرئيس بشار الاسد ونظامه، فوجدت نفسها بعد خمس سنوات تغوص اكثر واكثر فيها، تماما مثلما تورطت حليفتها المملكة العربية السعودية في المستنقع اليمني ولا تعرف كيف تخرج منه.
***
المصالحة التركية الروسية وفرت طوق نجاة لهذه القيادة لتقليص خسائرها في الملفين العراقي والسوري، وابعاد شبح الارهاب وعدم الاستقرار عن عمقها الديمغرافي والجغرافي معا، والتقط الرئيس رجب طيب اردوغان هذه الانفراجة وتوجه الى طهران لتطوير العلاقات الاقتصادية معها، ورفع التبادل التجاري بين البلدين الى ثلاثين مليار دولار سنويا، واطلق السيد بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي، تصريحات تؤكد رغبة بلاده في اعادة العلاقات مع كل من القاهرة ودمشق الى جانب تل ابيب طبعا، ولكن من يتابع تأزم العلاقات التركية هذه الايام مع الدول العربية الثلاث، اي العراق وسورية ومصر، يصعب عليه ان يفهم كيف تدار السياسة الخارجية والاقليمية التركية هذه الايام لما تحتويه من تناقضات وتراجعات.
التلاسن الذي وقع بين الرئيس اردوغان ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي حول تواجد قوات تركية في معسكر بعشيقة قرب الموصل، وخرج عن كل آداب الحوار والدبلوماسية، يعكس ازمة ما زالت مستمرة، فالاتراك لا يريدون استمرار وجود قواتهم قرب الموصل فقط، وانما المشاركة في حرب استعادتها من “الدولة الاسلامية”، وهي مطالب ما زالت تقابل بالرفض من قبل الحكومة العراقية، وتضع بذلك الولايات المتحدة حليفة البلدين في حرج شديد، وهذا ما يفسر الزيارة المفاجئة لوزير الدفاع الامريكي اشتون كارتر الى كل من انقرة وبغداد بحثا عن حل، ينهي او يقلص، حدة التوتر بين البلدين، ويحول دون حدوث صدام عسكري في هذا الوقت شديد الحساسية.
الخلاف التركي العراقي يبدو “متواضعا” بالمقارنة الى خلاف اكثر خطورة يتصاعد بحدة بين الجارين التركي والسوري، اثر توغل القوات التركية في عدد من بلدات ريف حلب الشمالي تحت ستار دعم فصائل سورية تقاتل قوات سورية الديمقراطية الكردية، العدو اللدود لتركيا التي تضعها على قائمة الارهاب، وتعتبرها ذراعا عسكريا لحزب العمال الكردستاني.
القيادة العامة للجيش السوري والقوات المسلحة السورية اصدرت بيانا شديد اللهجة اكدت فيه “ان تواجد وحدات الجيش التركي داخل الحدود السورية تصعيد خطير ومدان يشكل انتهاكا صارخا لسيادة الاراضي السورية وسيتم التعامل معه كقوة احتلال”.
وجاء بيان الجيش هذا بعد اقل من يومين من تهديد القيادة العسكرية السورية بإسقاط اي طائرة تركية تخترق الاجواء السورية، مما يعني اننا في انتظار الشرارة التي يمكن ان تشعل فتيل حرب قد تنجر اليها الدول العظمى الحليفة للطرفين.
تركيا تحارب على عدة جبهات في الوقت نفسه، تقاتل الاكراد في سورية والعراق، وتعلن الحرب على النظامين السوري والعراقي، وتطرد تنظيم “الدولة الاسلامية” من البلدات والقرى التي كان يسيطر عليها في جرابلس والباب ومنبج، وتريد القضاء عليه في الموصل، وتواجه ذيول انقلاب عسكري كان يريد الاطاحة بالسيد اردوغان وحكومته المنتخبة، وما زالت تحت الرماد.
***
هل من الحكمة خوض كل هذه الحروب، وفتح كل هذه الجبهات، دفعة واحدة، وهل يمكن الانتصار فيها جميعا؟ من الصعب الاجابة بنعم اعتمادا على العقل والمنطق، فتركيا ليست دولة عظمى، ولا نعتقد ان حلف الناتو، التي تعتبر عضوا مؤسسا فيه، يمكن ان يدعمها في كل هذه الحروب، وبالقياس الى تجربة اسقاطها لطائرة روسية.
تركيا “كانت” دولة مستقرة تقدم نموذجا في الحكم، اثار اعجاب العالم بأسره يزاوج بين الديمقراطية والاسلام على قاعدة نمو اقتصادي غير مسبوق، وسياسة صفر عداوة مع الجيران، فلماذا يواجه هذا النموذج التحلل والاندثار الآن، ويتحول جميع الجيران، باستثناء اسرائيل، الى اعداء لاصحابه؟.
نوجه السؤال الى الرئيس اردوغان، ورئيس وزرائه السيد يلدريم، ومستشاريه، خاصة الدكتور ابراهيم كالين، وان كنا لا نتوقع اجابة مقنعة منهم، لانهم لا يحتملون رأيا مخالفا لرأيهم.
تركيا تواجه المصير نفسه الذي لعبت دورا كبيرا الى جانب آخرين في تصديره الى سورية، والاخطر من ذلك انها تخلق جبهة موحدة وقوية من الاعداء ضدها، مما يؤكد انها لم تستفيد مطلقا من دروس الازمة السورية، والمؤامرة الغربية في المنطقة، وهذا ما يفسر حراجة موقفها الحالي، والاخطار الكبيرة التي تزحف نحوها.




 

 


تفاهم عون-الحريري وتداعياته السياسية
محمد مصطفي علوش/الشرق/قطر/22 اكتبر 2016
أصبح رئيس التيار الوطني الحرّ ميشال عون أقرب اليوم إلى قصر بعبدا من أي يوم آخر بعد أن تبنى ترشيحه بشكل رسمي لرئاسة الجمهورية خصمه سعد الحريري زعيم أكبر كتلة سنية في البرلمان.

المعارض البارز للخطوة هو رئيس البرلمان وزعيم حركة أمل نبيه برّي الذي قال في حق سعد الحريري يوما: أنا معه ظالما أو مظلوما فهو الشخص الأكثر اعتدالا في الطائفة السنية في لبنان. والحريري من وجهة نظر برّي أحرق مراكبه كلّها مع حلفاء الأمس وهو يسير عكس المناخ السائد لقواعده الشعبية.

صحيح أن الحريري تنقل من موقف إلى آخر وما زال يقدم التنازل تلو التنازل، إلا أنه بحركته هذه خلق مشاكل وفجر صراعات داخل جبهة 8 مارس. فحليفا الأمس ميشال عون وسليمان فرنجية هما اليوم في خصومة شديدة كما أن ترشيح الحريري لعون مؤخرًا فجّر الصراع بين الأخير ونبيه بري. وعلى ما يبدو فإن ما طرأ على جبهة 14 مارس بعد انسحاب وليد جنبلاط منها ثم القوات اللبنانية وفتور الكتائب، قابله في الجبهة المضادة، تآكل وتشققات عميقة.

الانتفاضة التي افتعلها نبيه بري -وهو سياسي مخضرم ويعرف تماما من أين تؤكل الكتف- ليست اعتراضا على شخص عون وإن كان لا ينسجم معه وهما في حلف واحد منذ 11 عاما، وإنما اعتراض على تفاهمات وقعت بين الثنائي الحريري-عون دون أن يكون لبرّي دور في هذه التفاهمات.

لقد أفرزت التفاهمات العونية-المستقبل سلّة سياسية كاملة، تبدأ بتسمية عون رئيسا للجمهورية والحريري رئيسًا للحكومة ولا تنتهي عند الاتفاق على نصيب كل جهة من الحكومة القادمة ونوع الحقائب السيادية وأسماء مرشحيها وصولا إلى تكريس قانون الانتخاب المعروف بـ"قانون الستين" في الانتخابات البرلمانية القادمة على أن يُرحّل النقاش في سنّ قانون انتخابي بديل للبرلمان القادم. فهل ستحترق طبخة عون-الحريري قبل أن يُدعى الناس إلى الوليمة؟ وهل سيكتفي بري بالمعارضة البناءة للحكومة القادمة أم سيعرقل عملها؟

حزب الله الذي قال وزيره محمد فنيش إن الصمت أبلغ كلام في الرد على من يسألون عن موقف الحزب مما يجري، يبدو أنه في موقف حرج، لأنه يشهد تفككا لجبهة 8 مارس. فهل سيتمكن من إرضاء حليفه بري إذا كان الحزب بالفعل راضيا بالتسوية التي هندسها حليفة عون مع الحريري؟

وما المتغيرات الإقليمية التي تحدث في الجغرافيا المجاورة للبنان إلا انعكاس جديد لصورة التحالفات القائمة داخل البلد.. فالمعارضة القادمة ستكون خليطًا من موالاة ومعارضة في حال أبصر التفاهم العوني-المستقبلي النور، ومن في السلطة غدا سيكون لهم مواقف مختلفة لتلك التي تبنوها وهم في السلطة أمس. فهل هناك دعم دولي وإقليمي للتفاهمات الجديدة؟

الرياض التي استدعت سفيرها منذ مدة من لبنان ولم تعين خلفا له إلى اليوم لم يصدر عنها ما يؤيد خطوة الحريري الحالية بل ما نُقل عن سفارتها في مدح السياسي جان عبيد (مرشح دائم لرئاسة الجمهورية) أوحى بأنها غير معنية بما قدم عليه الحريري. يحكى هنا عن فتور تجاه الحريري، وأن الرياض تبحث عن بدائل أو تريد تنويع رجالاتها في لبنان. إيران بدورها أخلت الطريق لحليفها حزب الله. فهو مطلق الحرية في اتخاذ ما يراه مناسبًا، وثقتها بقدرة الحزب على إدارة الأزمة الداخلية في لبنان لا مجال للريبة فيه. أما عن سوريا التي كانت تصنع الرؤساء في لبنان وتهندس الحكومات وتتدخل في كل شاردة وواردة فهي اليوم أعجز من أن يكون لها كلمة الفصل في أي طبخة. وما ينقل عن مسؤوليها بخصوص هذا السياسي أو ذاك هو من باب جبر خاطر لتاريخ من النفوذ أفل نجمه منذ زمن.

وسواء كان هناك ضوء أخضر خارجي واضح لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في لبنان أم لا، فإن من المشكوك به أن ذلك قد يخرج لبنان من أزماته التي تعصف به أو يحدث فارقًا جوهريا في حجم ونوع المشاكل التي تغرق فيها البلاد. التفاهم السياسي يحرك المياه الراكدة في الحياة السياسية نعم. وقد ينعش الأمل بتحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكن القناعة الراسخة عند الجميع أن الأمر لا يعدو أن يكون تغييرا طفيفا لا يضفي قيمة حقيقة عما يعيشه لبنان.

 

 


 السفير
تركيا أردوغان وسلوكها الإمبراطوري: إحياء الصراع المذهبي لتغطية المطامع


طلال سلمان 
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-10-19 على الصفحة رقم 11 – قضايا وآراء
تشهد العلاقات العربية ـ التركية في الأعوام الأخيرة توتراً تزيد من حدّته النبرة الإمبراطورية في كلام الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.
في البدء تدهورت العلاقات بين مصر وتركيا نتيجة الموقف الفاضح في انحيازه إلى حكم «الإخوان المسلمين» خلال الفترة القصيرة التي تمكنوا فيها من الوصول إلى السلطة في مصر، في العام 2012. وهي ما زالت حتى اليوم متوترة، وما زالت أنقرة تستضيف عدداً من قيادات تنظيم «الإخوان» وتجاهر بدعمهم، برغم ما أظهره الشعب المصري من رفض لحكم «الجماعة» الذي ثبت افتقاره إلى القبول الشعبي، وما تزال العلاقات بين القاهرة وأنقرة مجمدة عند أسوأ الحدود.
بعد ذلك توترت العلاقات بين تركيا وسوريا التي كانت قد وصلت مع رئاسة بشار الأسد إلى ذروة التعاون، سياسياً واقتصادياً، بحيث سحبت من التداول الأزمة الصامتة والمفتوحة منذ العام 1938 عندما اقتطع الانتداب الفرنسي «القضاء السليب» أي كيليكيا واسكندرون من أرض سـوريا، و«منحه» إلى تركيا لتحييدها، بل اكتسابها إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه العلاقات قد شهدت في السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الراحل حافظ الأسد توتراً خطيراً بلغ حافة الحرب نتيجة اتهام سوريا بدعم انتفاضة الأكراد ضد أنقرة. ثمّ سويت الأزمة بالطلب إلى الزعيم الكردي عبد الله اوجلان الذي كان يدعو إلى الكفاح المسلح طلباً لاستقلال الأكراد في تركيا عن حكم أنقرة، أن يغادر. فغادر إلى بعض أنحاء أفريقيا حيث استطاعت المخابرات التركية اختطافه والإتيان به إلى أنقرة، حيث حوكم وحُكم بالإعدام، وما زال في السجن حتى اليوم، لاستخدامه كمفاوض ـ رهينة ـ من أجل تسوية أزمة العلاقات المتوترة بين أنقرة والأكراد.
لذلك كان الانقلاب في الموقف التركي من سوريا مفاجئاً، خصوصاً وقد تزامن مع تفجر حركة الاعتراض في درعا وأنحاء أخرى فيها، إذ تجاوز الاتفاق السياسي بمضامينه الاقتصادية، التي كانت في مصلحة تركيا، حدود المصالح السورية. لكن القيادة في دمشق ظلت تدافع عن تقربها من أنقرة باعتباره «تحولاً لخيرها وتطوراً استراتيجياً يعادل في مردوده المعنوي القرار بمباشرة الحرب ضد العدو الإسرائيلي في السادس من تشرين الأول 1973».. على حد تعبير مسؤول سوري كبير، ذات يوم.
ومع تطور الأحداث الدموية في سوريا، كان التدخل التركي يتزايد ويتطور في دعم قوى المعارضة واحتضانها سياسياً، مع تزكية مباشرة لدور «الإخوان المسلمين» فيها، ثمّ تشجيع بعض «الفصائل» على حمل السلاح، وتدريب مقاتليها وتسليحهم ومساعدتهم ميدانياً في مواجهة الجيش السوري وحلفائه. بل إنها اصطنعت «فصائل» مقاتلة من التركمان وأقليات أخرى فيها، وفتحت أمامهم المعابر، وأمّنت لهم القواعد الخلفية والذخيرة والوقود والغذاء. وغدت اسطنبول «مقراً» لقيادات المعارضة قبل أن تتقدم الدوحة لتشاركها مهمة الدعم والإمداد وتوفير مختلف أنواع التسهيلات. ثمّ لحقت بها الرياض، فيما كانت قيادة الحكم في دولة الإمارات تندفع لتوثيق علاقاتها مع حكومة أنقرة، متجاوزة ما كان بين «أبناء الشيخ زايد» والرئيس السوري بشار الأسد من صداقة وود يعززها أنهم جميعاً من «جيل القادة الشباب».
هكذا انتظمت دول عدة في جبهة معادية للنظام السوري، وقد اجتهدت في استخدام المذهبية للتغطية على حقيقة موقفها السياسي، في استعادة لبعض الصفحات الدموية في التاريخ الإسلامي الحافل بالانشقاقات والصدامات السياسية بغطاء مذهبي.
الجديد والنافر في سلوك القيادة التركية مؤخراً إصرارها على أن يكون لها دور في معركة تحرير الموصل في العراق، وبذريعة مذهبية معلنة تُنصّب أنقرة مرجعية لأهل السنّة حيثما تواجدوا.
ولقد دخل هذه المعركة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان شخصياً، فرفض طلب السلطات العراقية سحب كتيبة من الجيش التركي دخلت شمال العراق قبل حين، بذريعة تدريب قوات البشمركة الكردية، مقرراً أنه يتوجب أن يكون «للسنّة» ممَثّلين بتركيا دور في تحرير هذه المدينة «السنية» وهي العاصمة الثانية للعراق، ومتذرعاً بأن له الحق بالتدخل في الشأن العراقي ليساند «أهل السنّة»، تماماً كما إيران التي تساند «الشيعة» فيه.
ومن أجل تدعيم هذا التوجه المذهبي الذي من شأنه إخراج الحرب في سوريا وعليها من طبيعتها السياسية وتحويلها إلى مشروع حرب طائفية في المنطقة، ظهر إلى العلن مشروع تحالف بين تركيا أردوغان والسعودية وقطر والإمارات، سرعان ما أعلن دعمه للمعارضة السورية المسلحة، ما أدى إلى إفشال مشروع الهدنة على جبهات الحرب في سوريا.
هكذا تتم تغطية المطامع السياسية بالمذهبية، في استعادة غير مبررة لصفحات سوداء من التاريخ الإسلامي، ما تزال قابلة للاستثمار. فليس من خدمة للعدو الإسرائيلي أخطر من النفخ في نار المذهبية وإعادة إحياء مآسي الصراع بين السنّة والشيعة، التي يفترض أن تكون قد استقرت في بطون التاريخ، خصوصاً في ظل انبثاق الوطنيات بعد دهر القهر العثماني وتبلور «العروبة» كمشروع سياسي جامع للعرب في مختلف أقطارهم بروابط الجغرافيا والتاريخ والدين (ولو تعددت مذاهبه، كإرث من الماضي وليس كصيغة للحكم في الحاضر والمستقبل).
على أي حال، نحن الآن أمام تركيا جديدة، ورئيسها الذي يعامل نفسه وكأنه خليفة المسلمين ويحلم باستعادة أمجاد «السلطنة العثمانية»، يعادي مصر ويقاتل في سوريا ويحتل مناطق من العراق ويعلن أنه «شريك» في معركة الموصل حتى لو رفضت الحكومة العراقية، ويتذرع بالوجود الإيراني في العراق ليطالب بحقه في حماية «السنّة»... ويندفع في اتجاه روسيا بعد الاختلال الذي طرأ على علاقة التحالف المكين مع الولايات المتحدة الأميركية وتطلع تركيا إلى الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي. وهو مطلب عزيز المنال كما تدل مواقف الدول الأوروبية. فيكون الرد التركي اتهام هذه الدول بالتعصب الطائفي، وربما العرقي أيضاً.
وبديهي أن تثير هذه الممارسات المتناقضة إشكالات عديدة «للسلطان» الجديد، لا يكفي لتغطيتها تحالف طارئ مع بعض الأنظمة العربية النفطية في مواجهة سوريا بالمشاركة في الحرب عليها، سواء تم تمويه هذه الحرب بالاعتراض على ممارسات النظام فيها (بينما حلفاؤه من العرب ملوكاً وأمراء ومشايخ لم يتعرفوا إلى الديموقراطية، ولا هم في وارد اعتمادها أساساً لأنظمتهم القبلية التي تحتكر الثروة والسلاح والسياسة). كما أنها لا تبرر هذا المسلك «الاستعماري» في العراق، بذريعة المشاركة في عملية تحرير الموصل على اعتبار أنها «مدينة سنية»، وكأن تركيا القرن الحادي والعشرين، وذات النظام العلماني (وإن كان الحكم راهنا «إخوانيّ» الشعار والممارسة) هي هي سلطنة بني عثمان والعصر عصرها.
وطالما استمرت الأنظمة العربية بعيدة عن شعوبها وغريبة عن عصرها، فمن البديهي أن تتسابق الدول (كبراها والمتوسطة) إلى استرهانها. وسلوك تركيا أردوغان يصب في هذا النهر.
تُنشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

 

 


تحديات كبيرة أمام الإخوان المسلمين
د. سعيد الشهابي
Oct 17, 2016
جماعة «الاخوان المسلمين»، الاقدم من بين المشاريع الهادفة لاقامة الحكم الإسلامي، تعيش ظروفا صعبة تهدد بالمزيد من التداعي في كيانها. وهذه الظروف متعددة بتعدد مواقع الحركة في البلدان التي تعمل فيها. ففي مصر تواجه مصاعب تختلف عنها في سوريا او الاردن او اليمن او المغرب او السودان. يضاف إلى ذلك ما يسود من لغط في اوساطها، سواء حول تاريخ التأسيس والنشأة، ام دورها في عالم اليوم، ام عن مدى قدرتها على استيعاب الاجيال الجديدة، ام على ظروف مشاركاتها في الحكم، ومدى نجاح تجاربها او اخفاقها.
ومن الضرورة هنا التأكيد على ان الحركة محكومة بالقوانين الطبيعية والسنن الالهية التي تحكم الكيانات السياسية والاجتماعية، سواء كانت حكومات ام حركات. وما يقال عن جماعة الاخوان، ينطبق كذلك، في مجمله، على الحركات الاخرى، خصوصا حزب الدعوة الإسلامية في العراق، الذي يواجه، هو الآخر، امتحانا شاقا بعد ان اصبح شريكا اساسيا في حكم العراق، واتهم كبار بعض رموزه بالفساد المالي والاداري. ومن المناسب جدا قراءة اوضاع الحركتين اللتين تمثلان طليعة التوجه الإسلامي النهضوي الحديث في العالم العربي، بشقيه السني والشيعي. ولكي تكون القراءة واعية فالاجدر ان لا تنطلق من مشاعر مذهبية او طائفية لأن ذلك لا يحقق الهدف. بل المطلوب تقييم مسار اكثر من نصف قرن من الحراك الإسلامي المعاصر: ظروف التأسيس، اهدافه، معوقاته، التحديات المحلية والإقليمية والدولية التي تواجهه، واقعه، ومستقبله.
في الاسبوع الماضي اثير اللغط حول تصريحات اطلقها نائب المرشد العام للاخوان المسلمين، حول علاقة بعض عناصر الجماعة مع اجهزة الامن المصرية، الامر الذي أساء البعض فهمه واحدث ارباكا في اوساط الجماعة. تلك التصريحات كانت توثيقا لمسار تاريخي للجماعة التي تعرضت للاضطهاد منذ تأسيسها قبل قرابة العقود التسعة. ومن المؤسف جدا ان تستدرج الحركة لنقاش مثل هذا في الوقت الذي تعيش فيه أسوأ اوضاعها وأشدها محنة وضغطا. وثمة امور عديدة يجدر ذكرها هنا:
الاول ان جماعة «الاخوان المسلمين» استعصت على الانقراض، برغم ما تعرضت له من قمع في العديد من البلدان خصوصا بلد المنشأ، مصر. وآخر هذه الحملات الانقلاب العسكري على الحكم الذي ارتبط باسمها برئاسة الدكتور محمد مرسي. وهذا يؤكد قانونا اثبتته التجارب مفاده ان القمع والاضطهاد والتنكيل لا يقوض الحركات ولا يهزم الافكار، مهما كانت قسوته، وان كان قادرا على الحاق الاذى بالمجموعات وربما تدميرها تدريجيا. لكنها سرعان ما تستعيد توازنها وتعيد تنظيم صفوفها.
الثاني: ان الحركة فقدت اغلب عناصرها التاريخية بمرور الوقت، وهو امر طبيعي لاية حركة يمتد بها العمر. وهذا ليس المشكلة، بل الازمة تكمن في مدى قدرتها على استيعاب عناصر جديدة في ظل قيادات انهكها طول السير وتغيرت الظروف التي عاشتها، واصبحت غير قادرة على استيعاب حقائق الواقع المتجددة. والواضح انها عجزت عن تجديد قياداتها او استيعاب مستلزمات الاجيال الجديدة التي تنتمي لزمان مختلف تماما وهموم لا ترتبط بالسياسة او الدين او القيم.
الثالث: ان الحركة، كما هي اغلب الحركات الإسلامية، استهدفت بشكل ممنهج ليس من اجهزة الحكم في بلدانها فحسب، بل من القوى الكبرى التي ترى فيها تهديدا لنفوذها خصوصا حين تبدو جادة في طرح مشروعها الحضاري. وقد رفع الاخوان شعار «الإسلام هو الحل» كثيرا، خصوصا في الحملات الانتخابية في عهد حسني مبارك. الامر الذي ينطوي على ما يقلق مناوئي المشروع الإسلامي. يضاف إلى ذلك ان الشعار الذي يستطيع جذب الجماهير، هو نفسه الشعار الذي يستفز الانظمة والقوى الغربية التي ترى فيه منافسا قادرا على توفير البديل. وقد لوحظ ان هذا الشعار، برغم مبدئيته وانسجامه مع ايديولوجية الجماعة، قد أبعد عن الواجهة.
الرابع: ان الحركات ذات الايديولوجيا الدينية ليست محصنة من داخلها ضد تأثيرات تجارب الحكم ومقتضياته وتأثيراته وقوانينه. والاخوان وغيرهم من الحركات محكومون جميعا بالقوانين الطبيعية والسنن الالهية، فان لم تنجح في ادارة الحكم فانها ستسقط. الخامس: تعددت المشارب داخل التنظيم الواحد، واصيب بتصدعات متكررة، واصبح هناك اكثر من تنظيم باسم الاخوان في الإقليم الواحد، كما هو الحال في الجزائر والسودان وتونس. ومع ان الثقافة العامة بقيت واحدة تعود بجذورها إلى الشهيد حسن البنا الذي اسس الجماعة في 1928 واستشهد في 1949، ولكن اختلفت المواقف السياسية وتعددت التنظيمات، وحدثت انشقاقات عديدة. السادس: ان الفروع التنظيمية للاخوان لها تحالفات مختلفة. فمن بينها المبدئي الذي يؤمن بوحدة الامة ويرفض الطائفية والتمزيق، ومنها ما يكفر الآخرين. كما ان مواقف الاخوان، كما هي مواقف التوجهات الاخرى، تتباين باختلاف الظروف، فهناك من يتمتع بعلاقات جيدة مع إيران مثلا وحلفائها، ومنها من ليس كذلك. ولدى الجماعة علاقات مع تركيا نظرا لتناغم الطرح الايديولوجي، وقد وفرت لقياداتهم ملجأ آمنا في السنوات الاخيرة، كانوا بحاجة اليه. السابع: ان الجماعة تعرضت لاستهداف متواصل من قبل انظمة الحكم المناوئة لها. وساهم في ذلك غياب الموقف الواضح لدى قياداتها حول انظمة الحكم في المنطقة. فقد استهدفت بشدة خلال حكم عبد الناصر واكتظت السجون بقياداتها وكوادرها، ثم جاء السادات ليفتح صفحة جديدة معهم وليطلق الكثيرين منهم في العام 1972 في ذروة ازمته مع السوفيات. وفي الثمانينات عاش الاخوان المصريون حقبة انفراج متميزة وشاركوا في الانتخابات عدة مرات، وانشأوا مؤسسات دينية ورعوية عديدة ساهمت في توسيع حضورهم المجتمعي. وتأرجحت علاقاتهم مع الرئيس حسني مبارك في العقدين التاليين، حتى ساءت مع نهاية التسعينات وسيقوا إلى المحاكم العسكرية. وجاء الربيع العربي ليوفر لهم فرصة العودة للحياة السياسية بشكل فاعل عن طريق صناديق الاقتراع، حتى انقلب العسكر عليهم في 2013 واعيد فتح السجون لهم بعد ان قتل الآلاف منهم عند مسجد رابعة العدوية ومسجد.
الثامن: ان تجربة الاخوان لا تنحصر بمصر، بل توفرت لهم فرصة الحكم في تونس ولكنهم لم يحسنوا الاستفادة منها برغم شعور قادة حركة النهضة انهم اكثر حظا من اخوان مصر. وقبل بضعة شهور حدثت مشادات بين قادة الاخوان خلال اجتماع عقد في تركيا، ظهر شيء منها في رسالة مفتوحة قدمها الشيخ راشد الغنوشي للمؤتمرين، مهددا بالانسحاب من الجماعة والتخلي عما يسمى مشروع «الإسلام السياسي». وكان الشيخ الغنوشي اكثر ارتباطا بالمرحوم الدكتور حسن الترابي الذي كان له، هو الآخر، تجاربه مع حكام السودان منذ نصف قرن. ولكن تلك التجربة انتهت بالطلاق مع نظام البشير الذي انقلب على حكومة الصادق المهدي المنتخبة في 1989، بدعم «الجبهة الإسلامية القومية» بزعامة الترابي. واستقبل السودان في التسعينات كوادر «النهضة» التونسية الذين فروا من بطش زين العابدين بن علي. وسرعان ما دب الخلاف بين الترابي والبشير فعاد الترابي إلى السجن مجددا.
يمكن القول ان «الاخوان المسلمين» اليوم يواجهون اصعب حقبة في تاريخهم لاسباب عديدة: اولها غياب قياداتهم التاريخية التي ارتبطت بمرحلة التأسيس، الامر الذي افقد التنظيم العمق التاريخي الذي مثله اولئك الرموز مثل مصطفى مشهور (2002) ومحفوظ نحناح (2003) وحسن الترابي (2016) وحسن هويدي (2009). ثانيها: استهدافهم كرأس حربة للإسلام السياسي في العالم العربي، وتوجيه الاتهامات لهم جزافا بالتطرف والعنف، وثالثها: تكثيف الضغوط عليهم بعد فشل استئصالهم لاحتواء تأثيرهم واشغالهم بقضاياهم الداخلية، تارة بالدعاية المضادة إلى حد «شيطنتهم» وتشويه صورتهم حتى لدى المتعاطفين معهم، واخرى بالتهديد الامني، وثالثة بالاختراق، رابعها: اشغالهم بالبلبلات الإعلامية وتأثر قياداتهم بالتطورات السياسية تارة وسياسات الحكومات الهادفة لتحييدهم او احتوائهم، وجنوحهم لتحقيق مكاسب آنية على حساب المواقف المبدئية. وخامسها: محاولات استدراجهم للمشروع الطائفي لابعادهم عن اهدافهم التغييرية وتحييد دورهم في توحيد الامة واستعادة وعيها ونهضتها. ثمة حاجة ضاغطة لصحوة اخوانية تمنع تداعي اعرق الحركات الإسلامية المعاصرة، فذلك ليس لصالح المشروع الإسلامي.

٭ كاتب بحريني

 

 


نهاية “الدولة الإسلامية” ربما تكون وشيكة نظريا ببدء التحالف لمعركة الموصل لتفكيكها.. لكن هل ستختفي الأسباب التي هيأت لصعودها؟ وكيف سيكون “اليوم التالي” في حال سقوط الموصل؟ ولماذا هي مختلفة عن الفلوجة والرمادي وتكريت؟
عبد الباري عطوان/راي اليوم/انگلستان 17 اكتبر 2016
اعلن السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي بدء عملية استعادت مدينة الموصل العسكرية من ايدي قوات “الدولة الإسلامية” التي سيطرت عليها قبل عامين، وتشير ضخامة اعداد القوات العراقية والكردية المشاركة فيها الى مدى الجدية التي يوليها التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة لتحقيق “انتصار” لادارة الرئيس باراك أوباما يختتم به دورتي حكمه، ويسهل فوز مرشحة حزبه الديمقراطي في انتخابات الرئاسة السيدة هيلاري كلينتون.
بدايات الحروب دائما معروفة، ولكن نهايتها تظل مجهولة، والانتصار مهما كان سهلا، لا يمكن ان يكون ضمانة للاستقرار والديمومة، وهناك دائما استثناء لهذه القاعدة، وحرب الموصل قد تدخل التاريخ العسكري، مثل معارك أخرى، كحطين، ودابق، والقادسية، وعكا، وستالينغراد، وسايغون، والقائمة تطول.
فاذا كانت معركة حلب هي معركة روسيا وحلفاؤها، فان معركة الموصل هي معركة امريكا وحلفائها ايضا، ومن المفارقة ان بعضهم حلفاء روسيا أيضا، ويلتقون معها، أي أمريكا، على أرضية العداء لهذه “الدولة” التي غافلت الجميع وفاجأتهم باستيلائها السريع، وبأقل قدر من الخسائر، على هذه المدينة.
الذين يتنبأون بنهاية سريعة لهذه المعركة بسبب ضخامة الحشود، والتجهيزات الهائلة للأطراف المشاركة فيها بقيادة دولة أمريكا العظمى، ربما يكونوا متفائلين اكثر من اللازم، لان الخصم مختلف، واستعداداته الدفاعية من المفترض انها ضخمة، وخيار مقاتليه، اما الموت او الموت، ونحن نتحدث هنا عن النواة القوية للتنظيم.
***
طوال العامين الما ضيين ومقاتلي “الدولة الإسلامية” يستعدون لهذه المعركة ويتوقعونها، ويحفرون الانفاق والخنادق، ويدركون حجم الحشود المهيئة لقتالهم، فهم سيقاتلون وظهورهم الى الحائط، الامر الذي قد يؤدي الى ارتفاع حجم الخسائر في صفوف المهاجمين والمدافعين أيضا، الى جانب الخسائر في صفوف المدنيين.
الأرض تقاتل مع أصحابها، والمدافعون في موقف اقوى من المهاجمين، واذا صحت الانباء التي تقول بأن “الدولة الإسلامية” تملك أسلحة كيماوية، فإنها لن تتردد في استخدامها، لأنه لن يكون لديها ما يمكن ان تخسره لان الموصل، وحسب أدبياتها، ليست الفلوجة وتكريت والرمادي، وخسارتها تعني خسارة العراق كله، ومقدمة لخسارة عاصمتها في الرقة.
هناك خمسة الاف جندي امريكي يتواجدون حاليا في العراق، وسيكون هؤلاء في المقدمة على الأرض، ويديرون المعركة، ويحددون الأهداف للطائرات في الجو، ولكن العبء الأكبر سيلقى على عاتق القوات العراقية التي سيزيد تعدادها عن ستين الفا، وقوات الحشد الشعبي ذات الغالبية الشيعية، وقوات الحشد الوطني والعشائري السني، الى جانب قوات البشمرغة.
هناك أسئلة عديدة تبحث عن إجابات، أولها كم ستطول هذه الحرب؟ ومن هم ضحاياها؟ وهل سقوط الموصل في ايدي التحالف سيكون نهاية “الدولة الإسلامية”؟ وما هو موقف الدول الإقليمية مثل تركيا والسعودية وايران مثلا؟ وهل سيؤدي هذا السقوط الى بدء صفحة جديدة من التعايش الطائفي في العراق، ام اشعال حرب مذهبية؟
من الصعب الإجابة على كل هذه الأسئلة ومعركة الموصل ما زالت في يومها الأول، ولكن لم تتوقع الولايات المتحدة التي احتلت العراق بسهولة ودون خسائر ان تنفجر المقاومة لاحتلالها على ارضه، مثلما لم تتوقع ان تملأ الجماعات الإسلامية المتشددة الفراغ الذي تركه انهيار النظام السابق، كما ان التحالف الأمريكي الخليجي التركي الذي دعم المعارضة المسلحة في سورية كان يقول ان أيام الرئيس الأسد معدودة، ولم يخطر في ذهنه ان الحرب ستدخل عامها السادس، وستتدخل روسيا عسكريا فيها.
منطقة الشرق الأوسط اكثر مناطق العالم قدرة على المفاجأة، وهي الأصعب على العرافيين الذين يحاولون التنبؤ بتطورات احداثها، ودائما “اليوم التالي” للمعارك والانتصارات بداية تطورات لم تكن في الحسبان مطلقا.
لا نعتقد ان سقوط الموصل واستعادتها سيكون نهاية “الدولة الإسلامية”، تماما مثلما كان سقوط حركة طالبان عام 2001 بداية لانبعاث جديد لها، فخسارة “الدولة الاسلامية” للموصل، وربما الرقة بعدها، قد يعفيها من عبء كبير أي إدارة هذه المناطق في ظل وجود طائرات وقوات لتحالف يضم اكثر من ستين دولة وحصار خانق، وسيجعلها، وهي التي جندت عشرات الآلاف من المقاتلين، اكثر خطورة اذا ما نزلت تحت الأرض، واعتمدت الإرهاب كأداة انتقامية من خصومها، عربا كانوا او غربيين.
الامريكان وحلفاؤهم الذين دخلوا بغداد بعد سقوطها في أيديهم تحدثوا عن “عراق جديد” حافل بالديمقراطية والحريات والرخاء الاقتصادين، والسيد العبادي تحدث بالاسم عن “عراق مختلف” يتعايش فيه الجميع، ولمح الى تصحيح اخطاء الماضي التي أدت الى ظهور ظاهرة “الدولة الإسلامية” والجماعات المتطرفة، وهذا الوعي بالمخاطر المستقبلية على درجة كبيرة من الاهمية، ولكن المهم هو التطبيق العملي، والروح الوطنية الجامعة.
***
استعادة الموصل بمشاركة الاكراد وقواتهم، وإصرار الاتراك على حصتهم من الكعكة، ومراقبة روسيا المريبة، وتأهب ايران، كلها مؤشرات على ان المستقبل ربما يشهد صراعات من نوع آخر، فكل الأطراف تشحذ سكاكينها وتريد نصيبها من “الغنيمة”.
لا نطرح وجهة النظر هذه لأننا نريد رسم صورة تشاؤمية، وانما للتحذير من المخاطر، والحث على تجنب الأخطاء، فنحن أبناء هذه المنطقة، وعشنا احداثها على مدى أربعين عاما، ونعرف مكامن الخطر، ونرفض ان نكون طرفا منحازا ونمارس التضليل، فللتضليل اهله وامبراطورياته الإعلامية الضخمة واذرعتها الضاربة.
قليلون هم الذين سيتأسفون على هزيمة “الدولة الإسلامية” بالمقارنة بحجم المعسكر الذي يريد زوالها، ويعتبرها ظاهرة إرهابية دموية تشوه الإسلام، وهذا لا يعني التقليل من خطر هؤلاء ووجهة نظرهم، ونجد لزاما علينا التذكير بأنهم كانوا الحاضنة لها في العراق وسورية، التي احتاج الامر الى ستين دولة من بينها قوتان عظميان، وعشرات الدول الإقليمية والأوروبية نصف العظمى لمحاربتها وهزيمتها.
التحالف الستيني وحلفاؤه يملكون دائما الخطة A، ولكنهم يفتقرون دائما للخطة B، أي ما بعد الحرب، فهل يكررون الخطأ نفسه في الموصل؟
نترك الإجابة للاسابيع والاشهر، وربما السنوات المقبلة.

 

 


 راي اليوم

 

الرباط- “رأي اليوم” – أحمد برطيع:
العلاقات المغربية الإيرانية تتجاوز أزماتها الدبلوماسية والمملكة تعين دبلوماسيا قريبا من طهران سفيرا لها وانتهاء حوالي عقد من القطيعة من البلدين
تجاوزت العلاقات المغربية الإيرانية سوء فهمها الكبير، بعد أن عين العاهل المغربي سفيرا جديدا للمملكة لدى طهران، كما يبدو أن هذا التعيين جاء إثر نجاح المملكة التوصل لاتفاق مع إيران بشان العلاقات بين البلدين قبل أن تقرر تعيين سفير جديد لها في البلد، جاء ذلك بعد أن مرت العلاقات الثنائية بين البلدين بلحظات خلاف عاصفة دامت قرابة عقد من الزمن، وكانت الدولتان قد حاولتا تثبيت علاقاتهما نهاية السنة الماضية دون ان تتكلل بالنجاح، وخوصوصا بعد  أن هاجمت إيران المغرب عبر تقرير نشرته وكالة فارس التابعة للحرس الثوري الإيراني مما اضطر الأخير إلى الرد على هذا الهجوم الجديد بعد أيام من تعيين سفير إيراني جديد لدى المغرب.
 وقام العاهل المغربي محمد السادس، بأخذ المبادرة مع تعيينه عددا من السفراء الجدد لدى مجموعة من الدول، وكان من بين السفراء المعينين، حسن حامي سفيرا للمغرب لدى جمهورية إيران في لانهء القطيعة بين البلدين.
حسن حامي، السفير المغربي الجديد في طهران ليس من الوجوه المعروفة في الأوساط السياسية ولا حتى الدبلوماسية المغربية، تعيينه تم بناء على مجموعة من الخصوصيات والاعتبارات، وأول ما لاحظه المتتبعون للشأن السياسي الإيراني هو إسم السفير الذي يعكس انسجامه مع معتقدات الجمهورية المستقبلة، مما ينم عن دراسة دقيقة سبقت اختيار ممثلي الدولة المغربية في الخارج، بالإضافة إلى الإطلاع الكبير على ثقافة إيران وجغرافيتها، ونسيجها الإجتماعي. وأمام ندرة المعلومات عن السفير الجديد فسح المجال لربط التعيين بإدراك السفير لطبيعة البلد والشعب الايراني.
وقد نشر موقع “المغرب الديبلوماسي” المغربي في نسخته الفرنسية، maroc-diplomatique.net أن السفير الجديد في طهران حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية، بدأ عمله في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية المغربية سنة 1986، حيث شغل منصب نائب رئيس البعثة في مالي والنرويج وكوريا الجنوبية. كما كان سفيرا للمغرب في دولة أذربدجان، وبين عامي 1995 و1999 شغل منصب رئيس قسم الدراسات التقسيم والتنسيق والتطوير قبل أن يصبح رئيسا لقسم اللغة العربية والمنظمات الإسلامية، وهو المنصب الذي غادره في عام 2008 بعد تعيينه سفيرا  للمغرب في أذربيجان. السفير حسن حامي له العديد من الكتب التي ألفها باللغة الفرنسية والإنجليزية وله ديوانين باللغة العربية.
 وشهدت العلاقات المغربية الإيرانية خلال العقد الأخير ترنحا مستمرا حيث ظلت منقطعة قبل أن تبادر إيران إلى تعيين سفير جديد لها بالرباط استقبله العاهل المغربي محمد السادس في يونيو من السنة الماضية (2015).
جاء تعيين حسن روحاني السفير الإيراني الجديد محمد تقي مؤيد في إطار الترتيبات الأولى لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتي انقطعت منذ 2009 بسبب انتقاد إيران لمواقف المملكة المغربية المتضامنة مع دولة البحرين.
الأعراف الدبلوماسية المغربية معروفة بالحزم في القضايا التي تمس سيادتها، مباشرة بعد هذه الانتقادات أغلق المغرب السفارة الإيرانية في المغرب وسحب سفيره من طهران.
أحمدي نجاد خلال ولايته أقر لوزير الدولة المغربي آنذاك محمد اليازغي الذي كان ممثلا للملك  في القمة الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية التي عقدت في اسطمبول التركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009. أقر له عن عميق المودة التي تكنها الجمهورية الإسلامية للمملكة وقال له بلغة عربية صريحة (كما صرح بذلك وزير الدولة في حوار أجرته معه صحيفة الشرق الأوسط سنة 2010): نحن نحبكم نحبكم نحبكم.. أجابه حينها الوزير نحن أيضا نحبكم ولكن وجهتم لنا إهانة باستدعاء القائم بالأعمال المغربي في طهران في حين لم تقوموا بالشيء نفسه مع 40 دولة عبرت عن تضامنها مع البحرين، إذ استدعيتم ممثل المغرب وحده وهذا غير عادل” ثم تابع أن نجاد قال له بلغة عربية فصيحة ما العمل؟ “الأمر بين أيديكم نحن نريد رد الاعتبار” هكذا أجاب محمد اليازغي سؤال نجاد.
 لكن هذا الإقرار لم يشفع لإيران ولم يدفع المغرب إلى تجاوز تصرف طهران، وأبقى على قطع العلاقات الدبلوماسية، التي لم تتجدد إلا خلال الأسبوع المنصرم.
حسين أمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني سبق أن أقر نهاية السنة الماضية أن السفارتين سوف تفتحان قريبا، مصادر صحفية كشفت أن الخارجية المغربية اشترطت لعودة السفراء احترام السيادة الوطنية لكلا البلدين، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين.
أزمة جديدة لاحت في أفق العلاقات الإيرانية المغربية في الوقت الذي كان الجميع ينتظر تطبيع العلاقات بين المغرب والجمهورية الإسلامية تناثر غبار أزمة جديدة في الأفق.
سبب الأزمة كانت وكالة فارس المقربة من الحرس الجمهوري الإيراني التي نشرت  في 23 يونيو 2015 تقريرا صحفيا تحت عنوان “المغرب أسير السياسات الصهيونية” تهاجم فيه المغرب وساسته، كان التقرير الذي أعده الكاتب عبدالله عبادي، ينتقد السياسيات المغربية في معالجة الملفات السياسية طارحا تساؤلات حول خلفيات اتخاذ هذه المواقف.
المغرب من جهته، خلال مؤتمر صحافي عقده وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، أسبوعا بعد نشر التقرير، قال أن “الإساءة للمغرب مرفوضة ومدانة وغير مقبولة” مبرزا أن “المغرب بلد حر لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مستقل، يمارس سيادته وفقا للمقتضيات الدستورية”. الناطق الرسمي أكد أنه “ستتم دراسة الحالة المرتبطة بنشر المقال بهذا العنوان، ودراسة قضاياها المرتبطة بها، وسنعلن عن أي جديد يتعلق بها”.
على إثر التقرير الصحفي الذي نشرته وكالة فارس الإيرانية، المقربة من الحرس الجمهوري الإيراني احتجت الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون، السيدة مباركة بوعيدة على القائم بأعمال السفارة الإيرانية بالرباط الذي استدعته الجمعة المؤرخ في 26 يونيو 2015 بدل السفير المعتمد محمد تقي مؤيد  الموجود خارج المغرب، وأبلغته انزعاج بلادها من هذا التقرير الذي يتهم المغرب بإتباع السياسات الصهيونية معربة عن رفض بلادها المطلق للمضمون التقرير الذي اعتبرته مغرضا ومسيئا لصورة المغرب.
بلاغ لوزارة الخارجية الصادر الجمعة في 26 يونيو 2015 أبرز أن الوزيرة المنتدبة امباركة بوعيدة أبلغت أثناء لقائها بالقائم بالأعمال التابع للسفارة الإيرانية “احتجاج المملكة المغربية الشديد ورفضها المطلق لمضامين المقال المذكور معتبرة إياها خطيرة وذات أبعاد غير مقبولة تنم عن نية مبيتة للإساءة المقصودة لبلادنا”.
البلاغ أعرب عن “استياء المملكة المغربية لهذا الأسلوب غير المسؤول الذي يقوض جهود البلدين الرامية إلى إعادة بناء الثقة، مشيرة إلى أنه بقدر تمسك المملكة بإقامة علاقات مع إيران على أسس قوية مبنية على الثقة والاحترام المتبادل بقدر ما ترفض أي استفزاز أو إساءة لصورتها وسمعتها”. الوزيرة المنتدبة طالبت حسب البلاغ السلطات الإيرانية “بتقديم التوضيحات الضرورية واتخاذ الإجراءات المناسبة إزاء هذا العمل المسيء للعلاقات بين البلدين”.
الخارجية الإيرانية بدورها خرجت لتعرب عن حسن نية بلادها اتجاه المغرب، وقالت المتحدثة الرسمية باسمها مرضية أفخم في لقاء صحفي عقد يوم 28 يونيو 2015  إبان أيام الأزمة في محاولة منها لتلطيف الأجواء أن سياسية إيران تهدف إلى إقامة علاقات أخوية مع جميع الدول الإسلامية ومن بينها المغرب.
وأبرزت أفخم أن العلاقات المغربية الإيرانية تدخل في سياق سياسة غيران المبنية  على ” توسيع التعاون في جميع المجالات” منوهة  “في هذا الإطار .. إلى إعادة افتتاح السفارة المغربية في طهران وذلك بإيفاد سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية الى هذا البلد” تقصد المغرب، مبرزة أن إيران عازمة على “التعاون مع منطقة شمال إفريقيا والمغرب على أساس مبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية”.

 


عن أوباما وسنودن ووكالة الأمن القومي الأميركية
القبس/مصطفي اللباد/16 اكتبر 2016
تجلس في مقعدك الوثير في السينما الواقعة في قلب حي مانهاتن الشهير بمدينة نيويورك لتشاهد الفيلم الجديد عن الشخصية المثيرة للجدل إدوارد سنودن. تتسلّح بكل ما أمكن شراؤه من وسائل التسلية من مقصف السينما، حبات الذرة المقرمشة وقطع الحلويات المعروفة والمشروب الغازي الأميركي الشهير، كي تستدعي استرخاء مطلوبا لفهم أبعاد الفيلم السياسي الكبير الذي يستأثر باهتمام الصحف ووسائل الإعلام الأميركية. تنتظر بصبر انتهاء الإعلانات المقتضبة عن مجموعة من الأفلام المعروضة في صالات أخرى، قبل أن يأتي الدور أخيرا على عرض الفيلم. أخرج الفيلم البوليسي الطراز والإيقاع أوليفر ستون، ولعب دور سنودن الممثل الأميركي جوزيف غوردون ليفيت، ويضم طاقم الفيلم الممثلة ميليسا ليو والممثل زاكاري كوينتو والممثلة الشابة شايلين وودلي.
يحكي الفيلم قصة الموظف السابق في «وكالة الأمن القومي» الأميركية، إدوارد سنودن، الذي يكشف «جحيما سريا»، كما قال مخرجه أوليفر ستون. ومرد ذلك الوصف أن إدوارد سنودن، وهو اختصاصي كمبيوتر ومعلوماتية لدى «وكالة الأمن القومي» الأميركية، قد سرّب كمية هائلة من المعلومات عن تجسس الاستخبارات الأميركية والبريطانية على الهواتف والإنترنت داخل أميركا وخارجها، لصحيفتي واشنطن بوست وغارديان في يونيو 2013. بعدها فر سنودن إلى هونغ كونغ، ومنها إلى موسكو، حيث أمضى بعض الوقت في منطقة الترانزيت في مطار موسكو، ليمنح بعدها حق اللجوء المؤقت على الأراضي الروسية. هكذا استكمل سنودن مسلسل الإثارة والجدل يتفجير قضية سياسية داخلية بما كشفه، وخارجية أيضاً، إذ أصبح مواطنا أميركيا لاجئا في روسيا، على العكس من مسار اللجوء الذي عرف في الأغلب، لجوء المواطنين الروس إلى أميركا لأسباب مختلفة.
يدور الفيلم في قالب بوليسي وإيقاع متميز، محاولا اللعب على شعورين رئيسيين عند المشاهد، الحزن على المآل الذي آل إليه سنودن المطارد واللاجئ بعيدا عن بلاده، والدراما الشخصية لشاب في نهاية العشرينات من عمره وبداية العقد الثالث، انضم إلى أعرق وأخطر المؤسسات في أميركا وتدرج صعودا فيها بصورة لافتة، من دون أن يمتلك شهادة جامعية أو حتى شهادة إنهاء الدراسة الثانوية، وكل ذلك بفضل قدراته الفذة على اختراق المواقع والبرامج على شبكة الانترنت أو ما يطلق عليه «هاكر».
يحاول الفيلم تقديم ما فعله سنودن على أنه مفهوم جديد للوطنية الأميركية، حيث أبى سنودن وفقا لسردية الفيلم، وهو المتمتع بكل أسباب الرفاهية الشخصية، السكوت عن استخدام مؤسسات الأمن القومي الأميركية التقنيات المتوافرة لها للتجسّس على ملايين المواطنين الأميركيين، سواء في مكالماتهم الهاتفية أو اتصالاتهم عن طريق الانترنت؛ مكررا بصورة فجة في مقاطع مختلفة من الفيلم أن ذلك الأمر يتناقض مع أسس الحريات التي قامت عليها الولايات المتحدة الأميركية.
مزج الفيلم بين الوثائقي المتوافر بشدة، وبين تصريحات سنودن الحقيقية بأنه سيعود إلى أميركا وسيمثل أمام القضاء إذا قُدمت له ضمانات بمحاكمة عادلة. كما أعلن أوليفر ستون، مخرج الفيلم إنه يأمل في أن يُمنح سنودن عفوا رئاسيا من الرئيس الحالي باراك أوباما، مطلقا حملة إعلامية لذلك الغرض تتكون من «اتحاد الحريات المدنية» و«منظمة العفو الدولية» ومنظمة هيومن رايتس ووتش. ويقدم توقيت عرض الفيلم في شهر سبتمبر، أي قبل فترة قليلة من خروج الرئيس أوباما من البيت الأبيض ودخول رئيس/ رئيسة جديدة إليه، تفسيرا كافيا لكونه مدبرا ومقصودا، في إطار حملة منظمة ذات هدف سياسي واضح.
ترى الجهات المنظمة للحملة المؤيدة لإدوارد سنودن والمذكورة أعلاه في أن تصرف الموظف السابق في «وكالة الأمن القومي» الأميركية قد فرض بالفعل إصلاحات تتعلق بالشفافية والخصوصية على عمل أجهزة الاستخبارات، وهو ما يوجب الثناء عليه وليس معاقبته. ولذلك يقدم الفيلم سنودن على أنه «بطل وطني» وليس خائنا لبلاده، حيث تكمن دوافعه في تسريب آلاف الوثائق ــــ وفقاً للفيلم ـــ في الحرص على الديموقراطية والحريات وضرورة منع استغلال السلطة من مؤسسات الأمن القومي.
على الأرجح سيواجه أوباما خلال الفترة القليلة المتبقية من رئاسته ضغوطا معاكسة، حيث أدانت لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأميركي بعد تحقيقات دامت سنتين سنودن بالفعل، واتهمته بالاستيلاء على مليون ونصف مليون وثيقة تتعلق بأسرار عسكرية وأمنية، وليس فقط ببرامج المراقبة التي قد تتناقض مع خصوصية المواطنين.
تخرج من السينما إلى الشارع ذي البنايات الشاهقة، وفي رأسك ترتسم علامات استفهام كثيرة، كيف يمكن لشخص مهما كان عبقريا في اختراق المواقع أن يرتقي في أعلى مراتب أجهزة الأمن القومي الأميركية من دون أن يكون حاصلا على شهادة اتمام الدراسة الثانوية، حتى كمسوّغ للتعيين في مؤسسة بيروقراطية عريقة؟ هل ضربت المعلومات التي سربها سنودن إدارة الرئيس أوباما وتحالفاتها في المؤسسات الأميركية أم خصومه؟ كيف توفر لشخص طبيعي من دون مساعدة مؤسساتية الهروب من هاواي إلى هونغ كونغ إلى موسكو ويُفترض أن أعتى أجهزة المخابرات الدولية تتعقبه؟ لمَ كان انضمام المنظمات النافذة في الرأي العام الأميركي والمندرجة في الحملة المطالبة بالإفراج عن سنودن؟ أنتيجة اقتناع بالفيلم والدوافع التي قدمها ليقوم بما قام به؟ هل سيستطيع أوباما اتخاذ القرار بالعفو عن سنودن في ضوء تضارب المصالح ومجموعات الضغط في أميركا واحتدام السباق الرئاسي بين كلينتون وترامب؟

 

 


 صحوة أمريكية بريطانية مفاجئة لانهاء فوري للحرب في اليمن.. هل هي الصواريخ الإيرانية الصنع التي وصلت الطائف.. ام الدعم الروسي الزاحف؟ ام تهديد الملاحة في البحر الأحمر؟ ولماذا نؤيد هذه المبادرة مبدئيا؟
عبدالباري عطوان/راي اليوم/15 اكتبر 2016
الإعلان الذي صدر اليوم (الجمعة) عن ماثيو راكروفت سفير بريطانيا في الأمم المتحدة، وقال فيه ان بلاده ستقدم مشروع قرار يطالب بوقف فوري لاطلاق النار في اليمن، واستئناف العملية السياسية يشكل بدء العد التنازلي لانتهاء “عاصفة الحزم”، وتفكك التحالف العربي وانتصار الكف اليمني على المخرز الحكومي السعودي.
هذا القرار الاممي في حال صدوره يشكل “طوق نجاة” للقيادة السعودية من المستنقع اليمني الذي غرقت فيه طوال الأشهر الـ19 الماضية نتيجة قرارات متهورة.. متسرعة.. تعكس جهلا سياسيا عسكريا وجغرافيا باليمن وبأس اهله.
البريطانيون اكثر الغربيين معرفة باليمن وطباع اهله المفعمة بالكرامة وعزة النفس، والنفس الطويل في المقاومة، وادركوا بدهائهم ان التحالف العربي الذي تقوده السعودية، ويضم معظم حلفائها الخليجيين لن ينتصر في هذه الحرب مهما امتلك من أدوات القوة، ومهما طال الزمن، مثلما ادركوا ان هذه الحرب ستطول، وربما تهدد تطوراتها المستقبلية الامن والاستقرار في المنطقة، وخطوط الملاحة الدولية التجارية الرئيسية، وصادرات النفط وعمودها الفقري (اكثر من 18 مليون برميل يوميا) وتمدد القوتين الإيرانية والروسية في هذه المنطقة الاستراتيجية الحساسة، لهذا قرروا التحرك بسرعة لتطويق الحرب وتقليص الخسائر.
لا نعتقد ان البريطانيين يقدمون على مثل هذه الخطوة، وبمثل هذه السرعة الا بطلب امريكي أوروبي، وعدم ممانعة سعودية، فمن يعرف البريطانيين وتاريخهم في منطقة الشرق الأوسط، وهو تاريخ سيء حافل بالمؤامرات، سيؤيد حتما مثل هذه النتيجة.
***
الحرب التي تشنها السعودية في اليمن باتت مصدر احراج للاتحاد الأوروبي وامريكا، فقد اعطى هذا التحالف المؤيد لهذه الحرب منذ بدايتها نهلة امدها بضعة اشهر للقوة السعودية الجوية والبرية والبحرية الجبارة لحسم هذه الهرب، ثم مددوها لسنة ونصف السنة، وعندما لم تنجح في هذه المهمة، رفعوا “الكرت الأحمر” خاصة بعد ان تعاظمت الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، وتصاعدت الاحتجاجات من قبل المنظمات الإنسانية الدولية.
الولايات المتحدة كانت طرفا رئيسيا في هذا العدوان على اليمن منذ اليوم الأول، ليس بتزويد طائرات “عاصفة الحزم” بالوقود في الجو، وانما من خلال إدارة جنرالاتها للعمليات العسكرية وتحديد الأهداف، وتقديم المعلومات العسكرية، وتحديد الأهداف، وتقديم المعلومات لاستخبارية اللازمة، ومنع توجيه أي انتقادات للحكومة السعودية وحلفائها في أجهزة الاعلام الغربية والعربية معا، والأكثر من ذلك انها باعت السعودية ما قيمته 20 مليار دولار من الأسلحة الحديثة في عام 2015 فقط، أي في ذروة العدوان.
السفير البريطاني تذرع بان الدافع الأبرز الذي يدفع بلاده للتقدم بمبادرتها هذه، المجزرة التي ارتكبتها طائرات التحالف السعودي بقصف قاعة عزاء في صنعاء، اسفر عن مقتل 140 شخصا واصابة 600 آخرين، ولكن هناك أسباب أخرى اكثر أهمية، وهي القصف الصاروخي الذي استهدف سفينة إماراتية في باب المندب، وسفن حربية أمريكية قبالة الشواطيء اليمنية، وكذلك الصاروخ الباليستي الذي انطلق من صعدة شمال اليمن، ووصل الى مدينة الطائف.
البريطانيون الذين استعمروا الجنوب اليمني لعشرات السنين، وانسحبوا مهزومين عام 1976 بفعل ضربات المقاومة اليمنية، توصلوا الى قناعة بأن الروس والايرانيون قادمون الى اليمن بنفوذهم واسلحتهم، الامر الذي سيؤدي الى تحكمهم بأهم مضيقيين بحريين في العالم، أي مضيق هرمز في مدخل الخليج، ومضيق باب المندب في فم البحر الأحمر.
***
عارضنا في هذه الصحيفة العدوان السعودي على اليمن في يومه الأول، وذكّرنا بمقولة الملك الراحل عبد العزيز آل سعود لابنائه، بأن اليمن مقبرة الغزاة فاجتنبوه، ولكن احفاده لم يعملوا بنصيحة جدهم، وطالنا الكثير بسبب موقفنا هذا، ومن هنا فإننا نؤيد أي قرار او مجهود اممي يوقف هذه الحرب، ويحقن دماء الاشقاء السعوديين قبل اليمنيين أيضا، وبأسرع وقت ممكن، ولا نعتقد ان القيادة السعودية باتت في وضع يؤهلها لاملاء شروطها التي عرقلت، بل نسفت مفاوضات الكويت.
الصمود والتضحيات اليمنية هي التي أحدثت هذه “الصحوة” للدبلوماسية الدولية، والاستيقاظ من غفوتها “المصطنعة”.. ومن يضحك أخيرا، يضحك كثيرا، ولا شك ان هذا المثل ينطبق على المقاتل اليمني وحاضنته الشعبية الاصيلة.

 

 


 مصر والتصويت المزدوج في مجلس الأمن.. لماذا؟
مصطفي بسيوني/السفير/10 اكتبر
أثار التصويت المصري أمس الأول في مجلس الأمن الدولي لمصلحة القرارين الروسي والفرنسي حول سوريا الكثيرَ من الجدل. فقد عُدّ القراران متناقضين ويستدعيان موقفاً واضحاً، ولا يمكن الموافقة على أحدهما، إلا برفض الآخر.
الجدل الذي أثاره التصويت المصري على القرارين استدعى بياناً رسمياً من وزارة الخارجية المصرية، حاولت فيه توضيح موقفها على لسان مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة عمرو أبو العطا، الذي أوضح أن «مصر تؤيد كل الجهود الهادفة لوقف مأساة الشعب السوري، وأنها صوتت بناءً على محتوى القرارين، لا من منطلق المزايدات السياسية التي أصبحت تعوق عمل مجلس الأمن». كما ذكر المندوب الدائم المصري أن السبب الرئيسي في فشل المشروعين يعود للخلافات بين الدول الدائمة العضوية بالمجلس، معرباً «عن أسفه إزاء عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرارات فاعلة لرفع المعاناة عن الشعب السوري والقضاء على الإرهاب في سوريا نتيجة تلك الخلافات».
التوضيح المصري لم يكن مقنعاً للجميع. فالصديق السعودي أبدى انزعاجه من التصويت، معتبراً إياه «مؤلماً». ونشر الكاتب السعودي المقرب من النظام جمال خاشقجي على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» مقارنته بين موقف السنغال، التي لم تتلق لسنوات عشر ما تلقته مصر من السعودية من دعم ومساعدات في عامين.
فراس الخالدي، عضو لجنة المتابعة لمؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، بدا موقفه أكثر تفهماً للتصويت المصري، وإن لم يخل من النقد، وقال في تصريحات لـ «السفير»: «نحن نضع في الاعتبار الوضع المأساوي والمعقّد في سوريا الذي يشهد الكثير من المعالجات الخاطئة، ونحن إذ نُرحّب بالتصويت المصري لمصلحة القرار الفرنسي، الذي يتضمن حظر طيران النظام فوق حلب، فقد كنا نتمنى أن تكتفي مصر بالامتناع عن التصويت على القرار الروسي، بدلاً من التصويت لمصلتحه».
ويضيف الخالدي «الحقيقة أننا لم نقتنع بالتفسير المصري للتصويت لمصلحة القرار الروسي، وأعتقد أن مصر بتصويتها لمصلحة القرارين حاولت أن ترضي الطرفين، ولكنها في الواقع أغضبتهما معاً».
الموقف المصري تضمن في تفسيره للتصويت لمصلحة القرارين هجوماً غير خفي على المواقف الدولية على لسان المندوب المصري الدائم في الأمم المتحدة، الذي وجّه نداءً للقوى الدولية والإقليمية والداخلية في سوريا «بتجنب الصراعات والمطامع السياسية والنعرات الطائفية من أجل إنقاذ الشعب السوري من المآسي التي يعانيها يومياً»، بحسب بيان الخارجية المصرية.
وهو ما يتفق معه ضمنياً أستاذ السياسة في جامعة القاهرة حسن نافعة الذي قال لـ «السفير» إن «البعض يرى في التصويت المصري لمصلحة القرار الروسي انحيازاً لروسيا، وهذا غير صحيح، لأن مصر صوتت أيضاً لمصلحة القرار الفرنسي. والتصويت المصري استهدف شيئاً واضحاً ومتضَمّناً في القرارين، هو وقف المذبحة، بغض النظر عن مسؤولية النظام السوري».
ويضيف نافعة «ربما الاستقطاب بين الشرق والغرب ليس بالدرجة ذاتها التي كان عليها خلال الحرب الباردة، ولكنْ هناك تطور في الوضع الدولي والاستقطابات حالياً، وهو ما يلقي بظلاله على الوضع في سوريا. فالصراع أصبح إقليمياً ودولياً، لا مجرد صراع بين شعب ونظام، وهو ما يُضرّ بمصالح الشعب السوري. ربما مصر أقرب للرؤية الروسية في المسألة السورية. ولكن السعودية وقطر وتركيا جزء من الأزمة، والانحياز للرؤية السعودية لن يكون في مصلحة الشعب السوري».
ويوضح نافعة أن «التصويت المصري لن يؤدي إلى شقاق في العلاقات المصرية - السعودية. العلاقات متذبذبة بالفعل بين البلدين، ولكنها لن تصل إلى شقاق. وربما آن الآوان لأن تدرك السعودية أنها لن تقدر على قيادة النظام العربي بمفردها. كذلك لا ينبغي أن تعتقد أن مساعداتها للنظام المصري تعني أن يكون في جيبها، فالسعودية ودول الخليج ساعدت بالفعل النظام المصري، ولكن في المقام الأول بسبب خشيتها من حكم الإخوان في مصر وأثره على استقرار أنظمة الخليج».
رغم التوضيح الذي قدمته الخارجية المصرية، وما يبدو من وجاهته، وتفضيله مصلحة الشعب السوري، ووقف نزيف الدماء على الانحيازات السياسية، لا يمكن استبعاد مؤثرات أخرى على التصويت المصري الذي بدا ظاهرياً متناقضاً.
فمصر تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى عودة السياحة الروسية إلى سيناء، التي توقفت منذ ما يقرب من عام بعد قرار وقف الطيران الروسي لمصر إثر سقوط الطائرة الروسية في سيناء الخريف الماضي. والتصويت ضد القرار الروسي، وحتى الامتناع عن التصويت قد يؤجل عودة السياحة الروسية، في الوقت التي تعانيه مصر نقصاً في العملة الصعبة.
كذلك تعتمد مصر على السعودية في إمدادات البترول، بتسهيلات تمكّنها من مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة. وربما يكون بيان وزارة البترول المصرية الصادر أمس الأول عن عدم وصول شحنات بترولية من السعودية ذا مغزى.
وجاء في البيان أن «المتحدث الرسمي لوزارة البترول أوضح أن الهيئة المصرية العامة للبترول لم تتلق أي مخاطبات رسمية من شركة أرامكو السعودية بشأن موقف تسليم الشحنات البترولية طبقاً للتعاقد الجاري بين الشركة والهيئة المصرية العامة للبترول، التي تمثل جزءاً من احتياجات مصر». وأوضح المتحدث أن «هيئة البترول تعاقدت على كميات إضافية للوفاء باحتياجات السوق المحلي واستمرار الحفاظ على مخزون استراتيجي من المنتجات البترولية».
وقد يكون هذا البيان إشارة مهمة إلى احتمال استخدام السعودية إمدادات البترول للضغط على الموقف المصري.
في النهاية، ربما أوضحت الخارجية المصرية مبرر التصويت المزدوج، ولكن لا ينفي ذلك أن عين الديبلوماسية المصرية أثناء التصويت لم تغادر السياحة الروسية والبترول الخليجي. وعلى أي حال، لم يمرّ القراران اللذان صوتت عليهما مصر من مجلس الأمن مرور الكرام، والهدف الأساسي الذي أعلنته الخارجية المصرية لتصويتها لم يتحقق. ولم يعد أمام الخارجية المصرية سوى محاولة توضيح تصويتها للأصدقاء.

 

 


 الاخبار
سباق ما بعد الموصل: خرائط التقسيم حاضرة!

تظهر الموصل كأنها «الجوكر» الأخير الذي بإمكان واشنطن المقامرة به (أ ف ب)
مع اقتراب موعد معركة الموصل، يتعالى الحديث عن مشاريع مستقبلية تُرسم لما بعد حقبة «الدولة الإسلامية ــ داعش» في محافظة نينوى وفي عاصمتها. ولعلّ الأبرز من بين تلك المشاريع، مقترح محلّي مدعوم تركيّاً ومرغوب فيه كرديّاً لتقسيم نينوى إلى ثماني محافظات، من بينها «سهل نينوى» الذي كان نوّاب أميركيون قد تقدّموا بمشروع لتحويله إلى محافظة تحت عنوان «حماية الأقلّيّات»

دعاء سويدان
من تكريت، إلى الرمادي، فالفلوجة، حاولت واشنطن إخضاع المعادلة الميدانية لحساباتها، وتمرير مشاريعها من بوّابة محاربة «داعش». نجحت، طوال الفترة التي أعقبت تشكّل قوّات الحشد الشعبي، في تأخير المعارك وتكثير البؤر الإرهابية وضرب القوى العراقية بعضها ببعض وتضعيف حكومة بغداد المركزية.
لكنها على الرغم من ذلك، لم تفلح في صدّ الموجة التي كانت تدفع باتّجاه استعادة الأراضي الخارجة عن سيطرة الدولة، أو أقلّه تلك المشتملة خطراً كبيراً على العاصمة.
اليوم، تظهر الموصل كأنها «الجوكر» الأخير الذي يمكن الإدارة الأميركية المقامرة به، لكن ليس على قاعدة «التخادم» مع الإرهاب ومناكفة الحشد الشعبي هذه المرّة، إنّما على ما هو أشدّ خطورة، كونه يتّصل برؤية واشنطن لمستقبل الأقلّيّات الدينية والإثنية في غرب العراق، وبتطلّعها إلى تقوية نفوذها في الشمال والشرق السوريّين، تحضيراً لهندسة أميركية محتملة لمآلات الصراع في سوريا.
منذ بدء المواجهات التمهيدية لمعركة الموصل، بدا واضحاً أن التحرّكات الأميركية العملياتية أو الإستشارية تدفع بقوّة باتّجاه حصر عناصر «داعش» في الصحراء الغربية للعراق، ما قد يدفعهم في حال عجز خندقهم الناري (الذي حفروه باتّساع مترين حول الموصل بغرض عرقلة تقدّم القوّات العراقية وحجب الرؤية عن طائرات الإستطلاع) عن تحقيق أهدافه، إلى تسليم المدينة والفرار باتّجاه مناطق الرقة ودير الزور؛ هناك حيث تسعى الولايات المتّحدة إلى إغراق الجيش السوري في دوّامة جديدة من الإستنزاف، وتعويم حلفائها وسط الأطراف المحتشدة لمحاربة «داعش»، ما يمكّنها لاحقاً من فرض شروطها السياسية على دمشق وحلفائها.

على المقلب العراقي، لا يبدو المشهد إلّا أكثر إقلاقاً. آخر التصريحات الصادرة عن واشنطن، على لسان نائب وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، تؤكّد أنّه لن «يتمّ السماح للحشد الشعبي بدخول مدينة الموصل بعد استعادتها»، وأن «قوة قبلية، تمّ تدريبها وتجهيزها، مكوّنة من 15 ألف شخص، أُنيطت بها مهمّة السيطرة على المدينة بعد تحريرها». تصريح ينبئ بأن الإدارة الأميركية ستجتهد في منع تشكّل مشهدية جامعة، ولو رمزيّاً، في عاصمة نينوى، وإدخال المدينة ضمن سلطة مستحدثة «طائفية» صافية، يتمّ فرضها تدريجيّاً تحت ستار «دمج المكوّنات»، بما يتوافق، في نهاية المطاف، مع تطلّعات أثيل النجيفي وطارق الهاشمي ومن لفّ لفّهما إلى «حكم سنّي».
في هذا السياق، ليس مشروع القرار الذي تقدّم به للكونغرس نوّاب جمهوريّون وديموقراطيّون، في أوائل أيلول الماضي، تفصيلاً عابراً. صحيح أنّه لن يلقى سبيله إلى التنفيذ على الأمد القريب، إلّا أنّه يبقى مشروعاً قائماً تمكن استعادته من الأدراج أنّى شاءت واشنطن، تماماً كما يتمّ التلويح دوريّاً بمشروع جو بايدن (القديم) لتشطير العراق إلى ثلاث دول، سنية وشيعية وكردية. يدعو مشروع القرار المشار إليه إلى تحويل سهل نينوى لمحافظة مستقلّة، وجعله منطقة غير متنازع عليها، متذرّعاً، في ذلك، بحقّ السكّان السريانيّين والآشوريّين والكلدانيّين (المسيحيّين) والأيزيديّين وغيرهم (تعمّد المشروع تمييع الإشارة إلى بقية المكوّنات التي تضمّ عرباً سنة وشيعة) في تقرير مصيرهم (وهي دعوة أعادت إحياء طموحات قديمة، تمتدّ إلى عام 2004، لإنشاء «كيان مسيحي» في سهل نينوى). هكذا، وجد مؤيّدو المشروع فرصتهم لبعث مناداة المؤتمر الآشوري العام والحركة الديموقراطية الآشورية والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بمنح المسيحيّين حكماً ذاتيّاً في منطقة سهل نينوى.

رهانات الأكراد

لم يعدم المشروع الأميركي أصواتاً تنظّر له في منابر مختلفة تحت عنوان حماية الأقلّيّات وتعويضها عمّا لحق بها من ظلم على أيدي مسلّحي «داعش» وإشراكها في القرار السياسي والإداري. غير أن أكثر من بدا متحمّساً للمشروع لم يَعْدُ أربيل عاصمة إقليم كردستان، إذ إن الأخير يراهن على استفتاء مسيحيّي «سهل نينوى» مستقبلاً في الإنضمام إلى الإقليم، وبالتالي اقتطاع أراضيهم من العراق وضمّها إلى كردستان.
علاوة على ذلك، تظهر أربيل متطلّعة بشغف إلى مشروع يتجاوز مجرد تحويل سهل نينوى إلى محافظة، ليقتضي تقسيم نينوى نفسها إلى ثماني محافظات. إفادة الإقليم من المشروع المذكور ذات أوجه متعدّدة: أولها أن قضاء سنجار، الذي كان رئيس الإقليم، مسعود البرزاني، قد وعد عقب استعادته على أيدي «البيشمركة» بدعم أميركي في تشرين الثاني 2015، بتحويله إلى محافظة وضمّه إلى كردستان، سيشكّل وناحيتَاه (الشمال والقيروان) محافظة واحدة مع نواحي القحطانية (بعد استقطاعها من قضاء البعاج)، وربيعة وزمار (بعد استقطاعهما من قضاء تلعفر)، ووانة (بعد استقطاعها من قضاء الموصل)، وبهذا يسهل ضمّ محافظة أولى إلى كردستان. ثاني أوجه الإفادة يكمن في قضاء مخمور، الذي يُفترض أن يتحوّل ونواحيه الثلاث (الكوير، فايدة، القراج) إلى محافظة ثانية تبدو، من الناحيتين الجغرافية والديموغرافية، مهيّأة لإلحاقها بكردستان. أمّا ثالث أوجه الإفادة فيكمن في المحافظة السابعة، أي الموصل، التي ستُستقطع منها نواحي بعشيقة، المحلبية، القيارة، الشورة، حمام العليل، فيما ستُضم أجزاء واسعة من ناحية حميدات إلى كردستان، وذلك عن طريق إلحاق الجانب الأيسر من طريق تلعفر ــ الموصل، حيث مركز الناحية (بادوش) والقرى التابعة له، بناحيتَي وانة وزمار اللتين ستتبعان محافظة سنجار. (للاطلاع على بقية المحافظات المفترضة وفق المشروع، راجع الكادر 1)

تركيا و«النجيفيّان»
لم يُفلح عرابو مشروع تقسيم نينوى إلى ثماني محافظات في تمريره برلمانيّاً، إذ صوّت مجلس النوّاب العراقي، في 26 أيلول الماضي، على إبقاء المحافظة بحدودها الإدارية الحالية (التي كانت عليها قبل عام 2003)، مشيراً إلى أن أيّ تغيير في ذلك مخالف للدستور وباطل. بيد أن إسقاط المقترح في البرلمان لا يعني أفول الحديث عنه إلى غير رجعة.
لم تكد تمرّ أيّام قليلة على تصويت مجلس النوّاب، حتّى سارع رئيس قائمة «متّحدون»، أسامة النجيفي، إلى بدء سلسلة لقاءات بالسفراء العرب لدى العراق، استهلّها باجتماعه بالسفير الأردني، أشرف الخصاونة، حيث استعرض معه مشروع «إقامة إقليم في نينوى». وقال النجيفي، أثناء اللقاء، إن «إقامة إقليم في نينوى، يضمّ محافظات عدّة، من شأنه أن يمنح الأقلّيّات خصوصيّتها، ويطمئن أبناءها إلى المستقبل»، نافياً أن يكون ذلك «دعوة للتقسيم».

وكان محافظ نينوى السابق، قائد قوّات «الحشد الوطني»، أثيل النجيفي، قد أعلن، في 9 أيلول الماضي، أنّهم «يعملون على مشروع سيجري بموجبه تقسيم نينوى إلى ما بين 6 و8 محافظات»؛ علماً أن النجيفيَّين كانا قد رفضا، في ما مضى، قرار مجلس الوزراء المبدئي، في آذار/مارس 2016، بتحويل طوزخورماتو والفلّوجة وسهل نينوى وتلعفر إلى محافظات مستقلّة، ما يعني أن الحديث عن «معالجة الشرخ الذي أوجده داعش والظلم الذي ألحقه بالأقلّيّات»، ليس سوى ستار لتمرير مشاريع مشبوهة على أنقاض التنظيم الإرهابي. وأشار أثيل النجيفي، في التصريح المذكور، إلى أن «تركيا تعتبر ما يحدث هنا يؤثّر على أمنها القومي بشكل كبير جدّاً، فمن غير المعقول أن تسمح بتهديد أمنها القومي»، مستبعداً «وجود حديث عن انسحاب القوّات التركية من معسكر زليكان (المعروف بمعسكر بعشيقة)». تصريح يثبّت أنّه لا يزال لأنقرة ظهير قوي في الموصل، تستند إليه لتثبيت «احتلالها» المعسكر رغم كلّ التحرّكات الحكومية الرافضة لذلك، وتراهن عليه في فرض مطالبها على أجندة ما بعد «داعش».
ربّما هذا هو ما دفع الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى رفع سقف خطابه قبل أيّام، مؤكّداً أنّه لن يسمح بـ«أيّ سيادة طائفية على الموصل، لأن الهدف فقط هو تطهيرها من داعش»، مشدّداً على أنّه «يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السنّة العرب والسنّة التركمان والسنّة الأكراد»، وأنّه "يجب ألّا يدخل الحشد الشعبي الموصل». وقال إردوغان «إنّنا سنبذل قصارى جهودنا في عملية تحرير الموصل، ويجب أن نكون على طاولة الحلّ، ويجب ألّا نكتفي بالمراقبة». لا حاجة للإشارة، هنا، إلى المطامع التركية التاريخية في مدينة الموصل، التي بات حديثها معروفاً، إلّا أن ما يُضاف إلى تلك المطامع تطلّع أنقرة إلى القضاء على عناصر حزب العمّال الكردستاني (الفرع التركي) في سنجار، والبقاء على مسافة قريبة من تلعفر تسمح لها بشدّ عضد «التركمان السنّة»، فضلاً عن الوقوف سدّاً منيعاً ضدّ أيّ تواصل حيوي بين أكراد سوريا وأكراد نينوى.
تراهن تركيا، في ما تقدّم، على مساندة «الحشد الوطني» و«البيشمركة» لها، إلّا أن حسابات الحقل قد لا تطابق حسابات البيدر، إذ لا يُستبعد حدوث تصادم بين «الحزب الديموقراطي الكردستاني»، بزعامة مسعود البرزاني، و«الإتّحاد الوطني الكردستاني»، بزعامة جلال الطالباني، تأسيساً على اتّهامات بأن الأوّل «وضع كلّ بيضه في سلّة إردوغان»، وآثر علاقاته المميّزة مع تركيا على التحالفات الكردية العابرة للحدود. كما أنّه ليس من الواضح حتّى الآن ما سيؤول إليه موقف البرزاني إزاء الحضور التركي في الموصل، وخاصة بعد اتّفاقه مع بغداد على ترتيبات مشاركة «البيشمركة» في تحرير المدينة مقابل اتّفاق على تقاسم نفط كركوك مناصفة.
وسط ذلك كلّه، لا يزال «الحشد الشعبي» رافضاً وضع «فيتو» على مشاركته في أيّ موقعة من المواقع «الوطنية» في العراق. قيادات الحشد ووجوهه تؤكّد أن لا مناص من مشاركة فصائله في معركة الموصل، مشدّدة على رفض أيّ حضور أو مشاركة أجنبية في المعركة، وذلك في وقت تتعالى فيه الأصوات السياسية المحذّرة من مخطّطات التفتيت والمطامع الأميركية والتركية. وهي تحذيرات يشتدّ إزاءها إصرار أنقرة على «منع إشراك ميليشيات شيعية في العملية... والإقتصار على القوّات التي درّبناها في معسكر بعشيقة»، وفق تعبير وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو. ومن جهة إقليم كردستان، فإنّ مستشار مجلس أمن الإقليم، سرور البرزاني، شدد أمس على أن «المناطق التي تخضع حاليّاً لسيطرة البيشمركة هي مناطق حُرّرت بدماء الأكراد»، وأن «البيشمركة لن تنسحب منها».
في ظلّ هذا المشهد، لا يبدو أن مواجهة المشاريع التقسيمية التي استشرست الأنياب لتحقيقها ستكون سهلة المخاض. ومن هنا، قد يكون غرب العراق مقبلاً على تطوّرات خطيرة، يظهر واضحاً أن ارتداداتها ستطاول بقية بلاد الرافدين وما جاورها من بلاد الشام.

نينوى الجديدة
يشمل المشروع المتداول لتقسيم نينوى، إضافة إلى المحافظات المفترضة الأولى والثانية والسابعة التي سيَفيد منها كردستان بشكل مباشر، خمس محافظات تتوزّع على النحو الآتي: المحافظة الثالثة هي سهل نينوى (التي تطمع أربيل في كل الأحوال في ضمّها لاحقاً للإقليم)، والتي ستضمّ أقضية الحمدانية وتلكيف والشيخان، إضافة إلى ناحية بعشيقة (بعد استقطاعها من قضاء الموصل)؛ والمحافظة الرابعة هي القيارة المتشكّلة من ناحية القيارة (أكبر نواحي نينوى حاليّاً) وناحيتَي الشورة وحمام العليل (بعد استقطاعها جميعاً من قضاء الموصل)؛ والخامسة هي تلعفر التي تشمل قضاء تلعفر (بعد حرمانه ناحيتَي ربيعة وزمار)، وناحية العيّاضية التابعة له، وناحية المحلبية (بعد استقطاعها من قضاء الموصل)؛ والسادسة هي الحضر التي تتألّف من قضاءَي الحضر والبعاج (بعد حرمان الأخير ناحية القحطانية)؛ والثامنة والأخيرة هي التي تنجم عن اقتراح بتقسيم الموصل إلى محافظَتين (يمنى ويسرى).

الأكراد للمسيحيّين: خلاصكم عندنا

انطلاقاً من تطلّعات أربيل إلى ضمّ «سهل نينوى» لكردستان، بدأ إغراء المسيحيّين، في الوسائل الإعلامية الكردية، بما سيلقونه في الإقليم من امتيازات وعناصر قوّة في حال دفعهم باتّجاه تشكيل فدرالية مسيحية. بعض من ذلك الحديث عن أن سهل نينوى امتداد تاريخي وجغرافي لكردستان واقع ضمن المناطق المتنازع عليها مع بغداد، وانتساب «معظم سكّانه» إلى غير العرب، والحماية المقدّمة من «البيشمركة» لسكّان المنطقة طيلة «فترة التغيير» منذ 2003، ووصول المسيحيّين إلى قمّة القيادة في «الحزب الديموقراطي الكردستاني» (حزب البرزاني) وفي مجالس المحافظات والمجالس الإدارية التابعة للإقليم، وإمكانية تشكيلهم نسبة وازنة في كردستان تتجاوز بمئات الأضعاف نسبتهم في العراق، وبالتالي تخوّلهم حقّ التقرير في الإقليم.

عربيات
العدد 3003 السبت 8 تشرين الأول 2016

 

 


 عاصفة الحزم” ترتكب “مجزرة” جديدة في صنعاء وتوحد الشعب اليمني ضدها ودولها.. لماذا تقصف الطائرات السعودية مجلس عزاء في قاعة مدنية؟ هل توقعت ان يكون صالح وعبد الملك الحوثي بين المعزين؟ وكيف ستبرر هذا العدوان لشعبها والعالم؟ وهل هذا نتيجة الاحباط والفشل؟
ارتكبت طائرات “عاصفة الحزم” السعودية مساء اليوم السبت مجزرة تضاف الى سلسلة مجازرها في اليمن، عندما قصفت مجلس عزاء اقامه اللواء جلال الروشان، وزير الداخلية اليمني، الذي يعتبر من ابرز الشخصيات الوطنية، ويحظى بإحترام معظم اليمنيين، ان لم يكن كلهم، حتى ان الرئيس عبد ربه منصور هادي عينه وزيرا في منصبه هذا، حتى بعد سيطرة انصار الله الحوثيين وقوات حليفهم علي عبد الله صالح على العاصمة صنعاء.
مجلس العزاء اقيم في الصالة الكبرى في العاصمة صنعاء من اللواء الروشان، تأبينا لوالده الذي توفي بعد مرض عضال، وحضره المئات، ان لم يكن الآلاف، من اليمنيين من الشخصيات البارزة وشيوخ القبائل، اي انه لم يكن ثكنه عسكرية، ولا قاعدة للصواريخ، ومن اعطى الاوامر للطائرات بالقصف، كان يعلم هذه الحقيقة جيدا.
لا يوجد اي مبرر اخلاقي لارتكاب مثل هذه المجرزة لان الغالبية الساحقة من القتلى والمصابين من المدنيين، ولا نعرف حتى كتابة هذه السطور، ما اذا كان اللواء الروشان من بينهم، مثلما لا نعرف ايضا هوية الضحايا الآخرين البارزين، ولا نستبعد ان يكون من بينهم وزراء وضباط كبار، حاليين وسابقين، من الجيش اليمني، جاءوا يقدمون واجب العزاء.
هناك بعض المعلومات الاولية تفيد بأن هذا القصف المتعمد جاء بسبب اعتقاد لدى التحالف في الرياض بأن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، والسيد عبد الملك الحوثي، والسيد صالح الصماد، رئيس المجلس السياسي  الاعلى، كانوا من بين الحضور، وحتى لو كان هذا الاعتقاد صحيحا، فإن هذا لا يبرر ارتكاب هذه المجزرة، التي ستعمق حالة الغضب، والنزعات الثأرية لدى اليمنيين جميعا، كما انه مخطيء من يعتقد ان قتل هؤلاء لو تم، سيدفع اليمنيين للاستسلام، بل سيزيد من عزيمتهم ومقاومتهم للعدوان.
المملكة العربية السعودية، قائدة التحالف العربي الذي يخوض الحرب في اليمن، تتحمل مسؤولية المجزرة، غير المبررة، تماما مثلما تتحمل مسؤولية مجازر اخرى استهدفت اعراسا، ومستشفيات، ومعامل لتعبئة المياه، ومزارع دواجن وابقار.
اكثر من عشرة آلاف يمني قتلوا، وثلاثين الف آخرين اصيبوا في هذه الحرب المستمرة منذ عام ونصف العام، ضد اكثر شعوب العالم فقرا وجوعا، ولن تنتصر فيها المملكة مهما امتلكت من اسباب القوة والطائرات وصواريخ الدمار الحديثة.
ثلثا الشعب اليمني الشهم الطيب المضياف، يواجه المجاعة، واطفاله يموتون من سوء التغذية، وجميع المستشفيات باتت في حالة يرثى لها بعد نفاذ الادوية، ومقتل الاطباء من جراء القصف، حتى منظمة اطباء بلا حدود اوقفت كل عملياتها، وسحبت اطباءها وممرضيها، واغلقت ستة من مستشفياتها احتجاجا.
الشعب اليمني الذي يحمل الرصيد الاكبر عربيا واسلاميا من الكرامة والانفة وعزة النفس، لا يستحق هذه المجازر من اشقائهم، ولا هذا الحصار الظالم، فهو لم يقدم على اي اعتداء على ارض المملكة، ولم يكن الباديء بإشعال فتيل الحرب، بل جرى جره اليها مكرها، ودون اي ذنب.
ندين في هذه الصحيفة “راي اليوم” هذه المجزرة، مثلما ادنا كل المجازر السابقة التي ارتكبتها طائرات “عاصفة الحزم”، ونطالب بوقف هذا العدوان فورا،  الذي يدمر بلدا شقيقا، ويقتل ابناءه.

 

 

 


طهران تواجه سؤال التحدي في علاقتها مع موسكو
يتابع الإيرانيون بقلق مآل التسخين المحفوف بالمخاطر بين واشنطن وموسكو في جبهات الشمال السوري، في ضوء المواجهات الجديدة بين الطرفين. المواجهة التي تقودها موسكو ضد واشنطن بسبب اتهامات روسية للأمريكيين بتعمد قصف قوات ومعسكرات الجيش السوري في دير الزور بتزامن هجوم شنته ميليشيات «داعش» الإرهابية ضد مطار دير الزور عصر يوم السبت (17/‏9/‏2016)، والمواجهة التي تقودها واشنطن ضد موسكو وتتهمها والقوات الجوية السورية بشن الهجوم على قافلة المعونة التابعة للأمم المتحدة في ريف حلب، وهو الاتهام الذي نفاه الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة مع وكالة أسوشيتدبرس (22/‏9/‏2016)، موضحاً أن «تلك القوافل كانت في منطقة المجموعات المسلحة التي يجب توجيه الاتهامات لها»، ومشيراً إلى أن «الأمم المتحدة قالت إنه لم تكن هناك ضربات جوية على القافلة»، ما يعني أن قوات المعارضة هي التي قصفت تلك القافلة، وليس القوات الروسية، أو السورية.
هاتان المواجهتان خلقتا قناعة لدى الإيرانيين بأن الهدنة التي أقرها اتفاق الوزيرين الأمريكي والروسي، جون كيري وسيرجي لافروف، في التاسع من سبتمبر/‏أيلول الفائت، قد تلاشت مع التباعد في الرؤى الآخذ في الازدياد حول الأزمة السورية، وأن الولايات المتحدة مصممة على الاحتفاظ بهامش المناورة والاحتفاظ بالورقة السورية، وترحيلها إلى ما بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر/‏تشرين الثاني المقبل، خصوصاً مع تزايد كثافة الوجود العسكري الأمريكي في شمال سوريا، خاصة في الحسكة، أو قاعدتي الرميلان وعين العرب، معززاً بالوجود العسكري للفرنسيين والإنجليز والألمان، بشكل يوحي بأن «عملية تدحرج للحضور الأمريكي- الأطلسي» في سوريا، تحاكي تجربة التدحرج الأمريكية في العراق مطلع التسعينات، وعلى عكس كل تحسبات الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ووزير خارجيته جون كيري، قد أخذت تفرض نفسها، ولعل الضربة الأمريكية للقوات السورية في دير الزور كانت مؤشراً قوياً على ذلك.
هذه الضربة، والهجوم المتزامن لميليشيات «داعش» على مطار دير الزور، أدى إلى ترسيخ قناعة روسية - إيرانية مضمونها أولاً أن الضربات الأمريكية تجاوزت، منذ اللحظة الأولى، فرضية الخطأ المحتمل والمستحيل إلى عملية مدبرة ومتشعبة الأهداف، أبرزها إخراج القوات السورية من دير الزور ضمن مخطط أمريكي لتفريغ الشمال السوري من قوات النظام، توطئة لتسليمها إلى منظمات المعارضة الكردية الحليفة.
أزمة انعدام الثقة بين موسكو وواشنطن كشفتها ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، بقولها إن «موسكو توصلت إلى استنتاج مرعب بأن أمريكا تساعد (داعش) في سوريا».
كان من المقرر أن يقدم المندوبان الأمريكي والروسي في مجلس الأمن من خلال هذا الاجتماع تفاصيل حول اتفاق الهدنة الأمريكي- الروسي الذي توصل إليه كل من وزيري الخارجية جون كيري وسيرجي لافروف، ووقف القتال في سوريا يوم التاسع من سبتمبر /‏أيلول، لكن الأمريكيين رفضوا في هذا الاجتماع تقديم أية معلومات، أو تفاصيل لمجلس الأمن لمنع المجلس من إصدار أية توصية بخصوصه، وكانت النتيجة هي إلغاء الجلسة كلها، الأمر الذي خلق قناعة لدى روسيا أن الولايات المتحدة تتنصل من هذا الاتفاق، أو أن هناك من هم أطراف في القرار الأمريكي غير الرئيس ووزير خارجيته، من يرفضون الاتفاق.
تصعيد أمريكي غير مسبوق في سوريا تدرك إيران أن روسيا وحدها ليست المستهدفة منه، بل النظام السوري، وحلفاؤه، خاصة إيران، الأمر الذي بات يشكل ضغوطاً غير مسبوقة على دوائر صنع القرار الإيراني بالنسبة للخطر القادم، والأعباء الإيرانية الجديدة في سوريا، وفي القلب منها حدود العلاقة مع روسيا، وهي العلاقة التي تعرضت لاهتزاز مؤقت عقب الأزمة الطارئة الناتجة عن تعمد الإعلام الروسي كشف موافقة إيران على استخدام الطائرات الروسية لقاعدة مطار همدان العسكري (شمال غربي إيران)، «لشن ضربات ض أهداف معادية في سوريا».
كشف موسكو هذه الأسرار تسبب باندلاع ردود فعل إيرانية غاضبة وسريعة على مستويين؛ الأول، على مستوى الحكومة الإيرانية وعلى لسان وزير الدفاع حسين دهقان الذي انتقد الطريقة التي أدارت بها الدولة الروسية إعلامها للترويج لمثل هذه الترتيبات، والثانية على مستوى البرلمان الذي خرجت منه أصوات تطالب بالتحقيق في انتهاك الحكومة المادة 146 من الدستور التي تنص على «منع وجود قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي الإيرانية، ولو لأهداف سلمية». الأمر الذي استدعى رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني لنفي منح روسيا أي قاعدة على الأراضي الإيرانية.
هذا السجال انتهى بإعلان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، وقف استخدام الطائرات الروسية لقاعدة مطار همدان لشن غارات في سوريا، وقال «لقد نفذوا المهمة وذهبوا الآن».
والآن، مجدداً، وفي ضوء تسارع الأحداث والتطورات في سوريا، وظهور مؤشرات على نوايا أمريكية لمزيد من التورط المباشر في الحرب في سوريا، وسيعود السؤال مجدداً إلى طهران: ما هي حدود التحالف مع روسيا، وهل يمكن أن يتحول «التعاون الانتقائي» مع موسكو إلى تحالف استراتيجي، أو حتى إلى«تحالف انتقائي»؟ هذا هو التحدي. 

 

 

 


 السفير

 

إيران وتركيا: حدود الأدوار في المنطقة العربية
مصطفى اللباد
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-10-05 على الصفحة رقم 13 – قضايا وآراء
مع الطموح المعلن لكل من إيران وتركيا في تأدية أدوار إقليمية في منطقتنا العربية، والفجوات الكبيرة التي تركها خلفه النظام الإقليمي العربي الغارب، يبدو مفيداً التمعن في حدود وقيود الأدوار الموضوعية المفروضة على كل من الدولتين الإقليميتين الكبريَين (أربعة قيود)؛ فليست الأمور بالسهولة التي قد تبدو عليها من الوهلة الأولى.
يتميز النظام السياسي للبلدين بمذهبية طاغية، قد تقوّي أدوارهما الإقليمية لدى شرائح بعينها، لكنها في الوقت نفسه تضعّفها عند شرائح أخرى، وإذ يساعد عامل الدين الإسلامي المشترك، باعتباره أحد مكونات الهوية العربية والإيرانية والتركية، على النظر إلى إيران وتركيا باعتبارهما تتقاسمان مشتركات ثقافية مع العرب، لا يجعل أياً منهما عضواً في الهوية العربية الغالبة مع ذلك. ربما يفسر ذلك تركيز إيران وتركيا ـ مع تفاوت مشروعيهما الإقليميين ـ على الروابط الدينية مع العرب، من أجل تأمين القبول الإقليمي اللازم لأدوارهما وتجسير هذه الفجوة الهوياتية. وهنا تجدر ملاحظة أن إيران الشاهنشاه وتركيا العلمانية، برغم قوتهما العسكرية وعلاقاتهما مع الغرب، لم تفلحا في إثبات الحضور وبعض القبول في المنطقة في الفترات السابقة، مثلما أفلحت في ذلك إيران الإسلامية وتركيا تحت حكم «حزب العدالة والتنمية» ذي التوجه الإسلامي.
ومن وجه ثان، أفلحت كل من إيران وتركيا في تقديم صورتيهما في المنطقة استناداً إلى شعاراتهما المفضلة المدروسة بعناية، التي تم الاشتغال عليها ببراعة، وذلك بقطع النظر عن نسبة الصحة في كل صورة. وهنا تنبغي ملاحظة أن شرط الصورة ينطبق على كل من إيران وتركيا، أساساً بسبب غياب صورة لنموذج عربي راهن في الإقليم، لا فقط البراعة في الاشتغال على الصورة من طرف طهران وأنقرة. ومن وجه ثالث، تملك كل من إيران وتركيا راهناً أفضلية التأثير الأيديولوجي على الدول العربية، تلك التي فقدت منذ عقود إمكانية التأثير على البناء الأيديولوجي للمنطقة. استثمرت إيران سياسياً ومالياً لثلاثة عقود من الزمن في بناء شبكة تحالفات من القوى الشيعية في دول المشرق العربي، استغلالاً لتآكل الانتماء الدولتي وعجز الأنظمة العربية عموماً وأنظمة المشرق العربي خصوصاً عن التعامل مع كل مواطنيها على قدم المساواة. واستثمرت إيران أيضاً في عجز الدول العربية عن اجتراح حل سياسي للقضية الفلسطينية المؤثرة بشدة في وجدان العرب، فحصلت بسهولة على ورقة الصراع مع إسرائيل، وأضافت بالتالي الكثير من الثقل لتأثيرها على البناء الأيديولوجي للمنطقة. هنا تُلاحظ دقة الحسابات الإيرانية لجهة عدم توسيع جبهات الصراع بغرض إبقاء التوتر في حدود مضبوطة بين حلفاء إيران وإسرائيل، ما يؤسس عاطفياً ووجدانياً لتأثير إيران الأيديولوجي المطلوب، والحيلولة في الوقت ذاته دون أن يتطور الأمر إلى حرب مباشرة بين إيران وإسرائيل.
من ناحيتها، وبسبب ابتعاد تركيا لعقود طويلة عن المنطقة وانشغالها بالغرب بمعناه الأوروبي و«الأطلسي»، لم تحظ تركيا بمثل هذه الإمكانية. ومع ذلك بدا التأثير التركي الأيديولوجي واضحاً مع صعود جماعة «الإخوان المسلمون» إلى السلطة في مصر وليبيا وتونس في المرحلة الأولى من «الربيع العربي»، وأفلحت تركيا في التوسط بين الجماعة والغرب في ملفات شتى، فحظيت وقتذاك بما يشبه الاعتراف الدولي بتأثيرها على جماعة «الإخوان». ومع إطاحة حكم الجماعة في دول «الربيع العربي» فقد تراجع التأثير التركي الأيديولوجي كثيراً، وإن بقي قائماً في حدود لا تقارن بنظيره الإيراني. وفي النهاية، من الإنصاف القول إن تأثير تركيا على جماعة «الإخوان المسلمون» لم يكن بالكثافة والعمق مقارنة بتأثير إيران على تحالفاتها الإقليمية، فتركيا لم تُنشئ جماعة «الإخوان» من العدم، بل تأثر قادة «حزب العدالة والتنمية» الحاكم فيها بفكر الجماعة قبل أن يصلوا إلى الحكم.
يتمثل القيد الرابع في القدرات الشاملة لكل من تركيا وإيران، حيث تتوازن الكتلة السكانية لكل منهما في مواجهة إحداهما الأخرى (أربعة وسبعون مليون نسمة لإيران وأكثر من اثنين وسبعين مليون نسمة لتركيا)، وتشكلان تفوقاً ديموغرافياً نظرياً على سكان المشرق العربي (إذا نظرنا إليه بمعزل عن امتداداته المصرية). ومع تميز الثقافتين الفارسية والتركية، يبقى تأثيرهما محدوداً نسبياً في ثقافة العالم العربي باعتبارها نتاج تفاعل حضارات مختلفة، ولكن مع تبلور هوية عربية غالبة. بالمقابل يملك البلدان قدرات عسكرية نسبية غير مُنكرة، لا يمكن المقارنة الفعلية بينهما إلا خبير عسكري، ولكن يمكن القول إن القوة العسكرية لأي منهما تتفوق على القوة العسكرية الحالية لدول المشرق العربي مجتمعة (العراق وسوريا ولبنان والأردن) إذا نظرنا إليها بمعزل عن العمق العربي. ومن المعلوم أنّ القوة العسكرية مفهوم زمني ونسبي، بحيث تقاس خلال فترات زمنية بعينها، وهي قابلة للتبدل في فترة زمنية ليست بالطويلة.
في الجانب الاقتصادي يبدو التفوق التركي واضحاً على نظيره الإيراني، فإذا اعتمدنا المؤشر الأكثر تداولاً في المحافل البحثية لقياس القوة الاقتصادية، أي الناتج المحلي الإجمالي ـ برغم التحفظات الممكنة على كفايته التفسيرية ـ وجدنا المؤشر التركي يتفوق على نظيره الإيراني بأكثر من الضعف أي نحو 734 مليار دولار لتركيا مقابل نحو 331 مليار دولار لإيران، والأرقام بحسب «مؤشر الشفافية العالمي» لعام 2014. ويعني ذلك أن قدرة تركيا على إسناد طموحها الإقليمي اقتصادياً تتفوق على القدرة الإيرانية في ذلك، برغم أن الوضع الحالي يشهد انفلاشاً إقليمياً إيرانياً في مقابل تأثير تركي محدود برقعة صغيرة في شمال العراق وشمال سوريا مقارنة بالتأثير الإيراني الواضح في العراق وسوريا ولبنان. بمعنى آخر، تشكل القدرات الاقتصادية إحدى نقاط الضعف الإيرانية لتأدية دور إقليمي، بحيث يصبح الانفلاش الإقليمي المذكور عبئاً متعاظماً بمرور الوقت على القدرات الاقتصادية الإيرانية المحدودة نسبياً مقارنة بتركيا. وفي كل الأحوال، يعتمد الاقتصاد الإيراني إلى حد كبير على النفط (أكثر من خمسين في المئة من موازنته العامة)، فيما يبلغ المكوّن التكنولوجي للاقتصاد التركي المتقدم نسبياً حدوداً ضئيلة للغاية. ومعنى ذلك أنّ أياً من إيران وتركيا لا تملك تفوقاً اقتصادياً كاسحاً على الدول العربية، بل إن الصورة قد تنقلب كلياً في حال النظر إلى الدول العربية بحسبانها وحدة تحليل اقتصادي متصلة تعرف تكاملاً وتعاوناً اقتصادياً في ما بينها.

إيران تبدأ عهد عقود نفطية جديدة
العرب آنلاين/پريسا حافظي/5 اكتبر 2016
إيران، التي تحتاج إلى استثمارات أجنبية لتطوير حقولها المتقادمة، تحاول تحسين الشروط التي تضعها في عقود التطوير لجذب المستثمرين الأجانب.
تأمل طهران في أن تبدأ عهدا جديدا من تطوير حقول الطاقة يجتذب مستثمرين أجانب، بعد أن بدأت العمل بنموذج جديد للعقود في محالة لتعزيز الإنتاج بعد عقوبات دولية استمرت لسنوات.

وبدأت طهران أمس في تطبيق العقد الجديد الذي طال انتظاره، من خلال توقيع شركة النفط الوطنية الإيرانية عقدا لإنتاج النفط مع شـركة إيرانيـة، وهي تأمل بعـد ذلك في تعميمه على التعـاملات مع الشـركات الأجنبية، بعد أن أصبح أكثر جاذبية.

ونقل الموقع الإلكتروني لوزارة النفط الإيرانية عن الوزير بيجان زنغنه قوله بعد توقيع العقد إن “الوزارة ترحب بالتعاون مع جميع الشركات التي تستطيع المساعدة في تعزيز إنتاج النفط الإيراني”.

وذكر الموقع أن أول عقود النموذج الجديد المسمى بعقد البترول الإيراني جرى توقيعه اليوم مع شركة بي.أو.جي.آي.دي.سي.

ورجح زنغنه أن يتم توقيع المزيد من هذه العقود بحلول مارس المقبل، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل. وأكدت وكالة تسنيم شبه الرسمية للأنباء، أن شركة النفط الوطنية الإيرانية ستوقع ثاني عقد من هذا النوع اليوم الأربعاء.

وذكر مـوقع وزارة النفـط أن العقد الجديد الموقع أمس، والذي يجري بموجبه تطوير المـرحلة الثانية من حقل ياران الـواقع جنوب غرب إيران بالقـرب من الحدود العراقية، تبلغ قيمته نحو 2.5 مليار دولار.

ونقل التلفزيون الرسمي عن زنغنه قوله إن “إيران بحاجة إلى استثمارات تزيد على 100 مليار دولار لتطوير قطاعها النفطي.. نرحب بالتعاون مع جميع الشركات التي بوسعها توفير رأس المال وأحدث التقنيات من أجل زيادة الإنتاج”.

وبعد أن توصلت إيران إلى اتفاق نووي تاريخي مع القوى العالمية الكبرى في العام الماضي، جرى رفع العقوبات عن طهران في شهر يناير الماضي. وتسعى إيران العضو في منظمة أوبك إلى زيادة إنتاجها النفطي ليصل إلى مستوى ما قبل العقوبات البالغ 4 ملايين برميل يوميا.

وتحاول إيران، التي تحتاج إلى استثمارات أجنبية لتطوير حقولها المتقادمة، تحسين الشروط التي تضعها في عقود التطوير لجذب المستثمرين الأجانب الذين ابتعدوا عن البلاد خلال سنوات العقوبات.

ونقل موقع “الموزارة” عن العضو المنتدب لشركة النفط الوطنية الإيرانية علي كاردور قوله إن “طاقة إنتاج النفط الخام في إيران يجب أن تصل إلى ما يتراوح بين 5.2 مليون و5.7 مليون برميل يوميا في المستقبل”.

وانتقد المنافسون المتشددون للرئيس الإيراني حسن روحاني عقد البترول الإيراني الذي ينهي نظام إعادة الشراء، الذي بدأ العمل به قبل أكثر من 20 عاما ويحظر على الشركات الأجنبية الحصول على أي حقوق في الاحتياطيات أو حصص مساهمة في الشركات الإيرانية.

وتقول شركات نفط كبرى إنها لن تعود إلى العمل في إيران إلا إذا أجرت طهران تغييـرات كبيرة في عقـود إعـادة الشراء التي قالت شركات مثل توتال الفرنسية وإيني الإيطالية إنها لم تجن من ورائها أمـوالا بل تسببت في تكبّـد بعضهـا خسـائر.

وهبطت أسعار النفط أمس بعد ظهور أنباء عن أن إيران وليبيا واصلتا زيادة إنتاجهما، مما يلقي بظلاله على الاتفاق الـذي تـوصلت إليـه أوبـك، الأسبـوع الماضي، لتثبيـت مستـويات الإنتـاج فـي مسعـى لكبـح هبوط الأسعار المستمر منذ عامين.

ورغم ذلك يرى زنغنه أن التعاون بين أوبك وبين المنتجين المستقلين سيلعب دورا مهما في تحقيق استقرار أسعار النفط، وهو يؤكد أن “الوضع يتحسن.. رد فعل السوق على قرار منظمة أوبك كان إيجابيا.. والدول المنتجة خارج أوبك يمكن أن تساهم في استقرار الأسعار”.

 


هل “تعليق” أمريكا لقنوات اتصالها مع روسيا عودة للحل العسكري واسقاط النظام في دمشق؟ وهل تخلت عن حلب لمصلحة “حرب عصابات” بعيدة الأمد؟ وكيف ستكون استراتيجيتها المقبلة؟ وما هي فرص النجاح والفشل؟
عبدالباري عطوان/4 اكتبر 2016/ راي اليوم
تعليق الولايات المتحدة الامريكية لقنوات الاتصال مع روسيا حول الملف السوري قد يتحول الى “طلاق نهائي” بين القوتين العظميين يترتب عليه تصادم الاجندات والإرادات معا، الامر الذي لا يثير القلق فقط، وانما الرعب أيضا، بالنسبة الى أبناء المنطقة والعالم فـ”اكبر النيران من صغائر الشرر”.
الادارة الامريكية التي أقدمت على هذه الخطوة لم تكشف مطلقا عن خطوتها القادمة، ومشروعها البديل، لان هذا “التعليق” يعني انهيار العملية السياسية التفاوضية، وتبني “الخيار” العسكري، والعودة الى الأولويات الامريكية الأولى، أي تغيير النظام في سورية، وما عودة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لترديد كلامه في هذا الصدد الا مؤشر مهم.
وزارة الخارجية الروسية لمحت يوم امس في بيان رسمي الى هذا التحول، عندما قالت “ان واشنطن مستعدة لعقد صفقة مع الشيطان من اجل اسقاط حكم الرئيس بشار الأسد”.
ترى من هو هذا “الشيطان” الذي يمكن ان تتحالف معه الولايات المتحدة، هل هو جبهة “فتح الشام” النصرة سابقا؟ ام “الدولة الاسلامية” نفسها، ولكن مع تغيير جلدها، وربما اسمها؟ ام تركيا التي اتهمها الرئيس بشار الأسد في حديث مع مجلة إيرانية بانها “لاعبة لصالح أمريكا وتتحرك بأمرها وهي حجر من احجار اللعب في السياسة الخارجية الامريكية”.
***
يوم أمس الاثنين انهالت قذائف الهاون على السفارة الروسية في دمشق، واتهمت الخارجية الروسية جبهة “فتح الشام” بالوقوف خلف هذا القصف الذي جاء من مناطق تسيطر عليها في ريف العاصمة، ولا نعتقد ان هذا القصف جاء بمحض الصدفة، وانما في إطار تحالف جديد “ربما” بين هذه الجبهة والإدارة الامريكية، او بالأحرى بينها وبين جناح “صقور البنتاغون” الذين خربوا الاتفاق الأمريكي الروسي، والفقرة المتعلقة فيه بتشكيل غرفة عمليات مشتركة تشرف على تصفية هذه الجبهة، أي “النصرة”.
وربما يجادل البعض بأن الطائرات الامريكية قتلت يوم أمس أبو الفرج المصري أحد أبرز قيادات “جبهة النصرة”، فكيف تتحالف مع هذه المنظمة التي تضعها على قائمة “الإرهاب” وتعتبرها الذراع العسكري لتنظيم “القاعدة”؟
السؤال وجيه، ولكن ليس كل ما تطبخه الولايات المتحدة في غرفها الاستخبارية السوداء معلن، ولا نستبعد ان تكون عملية الاغتيال هذه مجرد “تغطية” على التحالف الجديد، وما يؤكد هذه الفرضية، اعتراف أحد قادة جبهة “فتح الشام” بتقديم الإدارة الامريكية أسلحة حديثة للتنظيم في الماضي القريب، وان هذا الدعم تراجع في الفترة الأخيرة التي شهدت التفاهمات الامريكية الروسية.
التحرك الدبلوماسي انتهى، او جرى وضعه على الرف، والحل العسكري بات يحتل قمة أولويات الطرفين الأمريكي والروسي، فالقيادة الروسية نقلت في الأيام القليلة الماضية، شحنات جديدة من صواريخ “اس 300″ في نسختها الاحدث والأكثر تطورا الى سورية، جنبا الى جنب مع صواريخ “اس 400″، ولا نعتقد ان هذه الصواريخ القادرة على اسقاط طائرات ستستخدم ضد المعارضة السورية التي لا تملك أصلا طائرات بطيار او بدونه.
مدينة حلب التي فجر القصف الروسي المكثف لأحيائها الشرقية التنسيق مع امريكا، تشهد حاليا حرب شوارع في ظل تقدم الجيش السوري بغطاء جوي روسي، وهناك تكهنات في أوساط الخبراء العسكريين بأن القيادة الامريكية بدأت تتعايش مع مسألة سقوط المدينة، وتتبنى تركيا الاحتمال نفسه، فقد غادر المدينة آلاف المقاتلين للانضمام الى الجيش التركي في حربة ضد الاكراد في مدينتي جرابلس والباب، وتوقفت امدادات الأسلحة للمقاتلين المحاصرين فيها.
الرئيس باراك أوباما كان يريد ان يختم فترته الرئاسية الثانية والأخيرة بالقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” واخراجها من الرقة (عاصمتها السورية) ومن الموصل (عاصمتها العراقية)، ولكن تبدو هذه المهمة أكثر صعوبة الآن، ولا نستبعد في ظله، أي الخلاف، ان تتغير خرائط التحالفات الروسية والأمريكية على الارض السورية في الأسابيع والاشهر المقبلة.
***
في تقديرنا هناك حالة من الحنين لدى جنرالات البنتاغون للتجربة الأفغانية في الثمانينات، وتكرارها في سورية، ولكن الظروف تغيرت، وروسيا بوتين ليست الاتحاد السوفيتي، وسورية مختلفة كليا عن أفغانستان، ونشك ان تقبل تركيا تقمص دور الباكستان، لأنه بكل بساطة لا يوجد على قمة الحكم فيها جنرال مثل برويز مشرف.
مأزق القوى العظمى في سورية يتفاقم، واحتمالات الصدام الأمريكي الروسي غير مستبعدة، ونحن في انتظار التعرف على البدائل العسكرية الامريكية بعد تعليق الاتصال مع روسيا، ولا نعتقد ان الرئيس بوتين وحلفاءه في وارد التراجع، لان هذا يعني تراجع “روسيا القوية”، التي يحاول بناءها وتعزيزها واعادة امجادها كقوة عظمى مرهوبة الجانب.

 

 


قانون "جاستا": النهاية الرابعة للشرق الأوسط القديم
النهار/جهاد الزين/4 اكتبر 2016
خرج الشرق الأوسط من القرن العشرين بشكل حاسم منذ بضعة أيام ودخل القرنَ الحادي والعشرين عندما رفض الكونغرس الأميركي الفيتو الذي وضعه الرئيس باراك أوباما على قانون "جاسْتا"، القانون الذي يعطي أهل ضحايا أحداث 11 أيلول 2001 حق مقاضاة أي حكومة يدَّعون أنها مسؤولة عن رعاية أو تشجيع أعمال إرهابية قام بها مواطنون من رعاياها.

القانون الذي يضع السعودية في وضع قانوني حَرِج جداً داخل الولايات المتحدة لم يسمِّ السعودية ولا أي دولة، ولكنه عملياً لا يستهدف أساساً غير السعودية.
انتهى القرن العشرون في الشرق الأوسط بما لا يدع مجالاً للشك في نهايته عندما تقوم واشنطن، بالنتيجة، بهجوم عقابي على أكبر حليفة لها في المنطقة، بعد إسرائيل، بل الدولة (السعودية) التي قام حولها كل "نظام" الشرق الأوسط في القرن العشرين. مساحة عقابية لم تتعرّض لمثلها حتى دولة كانت محترفةَ عداءٍ لأميركا هي إيران.
كان للقرن العشرين نهايات عديدة في السنوات الماضية:
انهيارٌ مريع لأربع دول في المنطقة: العراق، سوريا، اليمن، ليبيا. هذه نهاية أولى.
الاتفاق النووي الإيراني الأميركي (الغربي الروسي)
"ثورة الغاز الصخري" التي تُحوِّل تدريجياً، وبسرعة، الولاياتِ المتحدةَ الأميركية من دولة مستوردة للنفط إلى دولة مكتفية بل مصدِّرة.
... كلٌ من هذه النهايات الكبرى الثلاث لم تقْنعنا بشكل كافٍ أنها نهاية نظام وعلاقات قرن سابق وبداية استراتيجية لقرن جديد دخل علينا زمنياً قبل ستة عشر عاماً ولكنه يدخل الآن بوقائعه الفجة والمدهشة وبشكل متلاحق.
ها هي منذ أيام وفي واشنطن تحصل نهاية القرن العشرين الجديدة وتبدأ بداية القرن الحادي والعشرين الهائلة التغيير.
لا تفوق الدلالات التي ينطوي هذا المجال العقابي المفتوح (مجال عقابي على وزن مجال فضائي) سوى أن تقوم واشنطن بخطوة مماثلة ضد إسرائيل. وهذا لا يدخل ولن يدخل طبعاً في أي مخيلة. أقول ذلك فقط للدلالة على استثنائية هذه الخطوة البالغة الدلالة والخطورة ضد السعودية من حيث الاحتمالات التي تفتحها. مع العلم أن مجال الاختلاف الجدي الوحيد بين إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا هو المتعلّق بالشأن الفلسطيني، لأن تأسيس الدولة الفلسطينية، أياً تكن هشاشتها وحدودها، هو منذ سنواتٍ مشروعٌ غربيٌّ ولم يعد عملياً مشروعاً عربياً أو إسلامياً، لكن هذا حديث آخر وهو لا يخفف أبداً من وزن إسرائيل المتزايد الأهمية في الاستراتيجية الغربية. بينما مكانة السعودية نفسها باتت مطروحة بشكلٍ خطِر للمرة الأولى منذ تأسيسها عام 1933.
تزداد المساعدات الأميركية الضخمة أصلاً لإسرائيل في الأسبوع نفسه الذي يُطلق الكونغرس فيه العنان لقانون جاستا. خلاف أوباما - نتنياهو الشخصي الشهير لا يمنع هذا التطوير لمستوى العلاقات. بينما قانون جاستا يأتي بعد أقل من عام وبضعة أشهر على التحذير المعلن الذي وجهه الرئيس باراك أوباما على صفحات "النيويورك تايمس" إلى دول الخليج عبر معادلته المعروفة: نحميكم من الاعتداء الخارجي ولكننا لا نستطيع أن نساعدكم ضد أي خطر داخلي. عليكم إصلاح أوضاعكم.
قانون "جاستا" (أو قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب) حسب اسمه التشريعي في الكونغرس يمكن أن يتحوّل إلى كرة نار تضع مصير الأموال السعودية الموجودة داخل الولايات المتحدة الأميركية، أملاكاً أو الأهم سنداتٍ، تحت بساط التكهّن. لقد طال التجميد الأميركي مايةً وخمسين مليار دولار إيرانياً في السنوات الخمس والثلاثين المنصرمة بينما "اللعبة" الآن تتعلق بسبعماية وخمسين مليار دولار سعودي هي حجم المساهمة السعودية بسندات الخزينة الأميركية. ألف علامة استفهام؟
صحيح أنه لا يجب أن نتوقّع انهيارات دراماتيكية في العلاقات الأميركية السعودية وبشكل سريع، خصوصاً بسبب حجم التحذيرات الداخلية في أميركا ضد القانون ولا سيما ما يمكن أن يُسمّى "اللوبي السعودي"، غير أنه آن الأوان لنصدِّق هنا في الشرق الأوسط أن ما يحدث متَّجِهٌ نحو نظام علاقات جديد.
من الصعب عدم الوقوع في الإبهام اللفظي حين نضيع في السؤال عن الفارق بين شرق أوسط جديد آخذٍ بالتشكّل تساهم الولايات المتحدة بتشكّله هذا عبر تغيير مرتكزات بعض تحالفاتها الثابتة منذ أكثر من ثمانين عاماً فيما هي "تنسحب" منه، وبين شرق أوسط تضع الولايات المتحدة أسس شخصيته الجديدة وهي باقية فيه بالمعنى التقليدي؟
كان القرن العشرون بالنتيجة قرناً عربياً في مآسيه وثرواته وخرائط الدول المشاغبة فيه. الأكيد أن منطقتنا تتغيّر. وحتى القوى التي تبدو مستفيدة من انتهاء أو إضعاف المركز العربي الذي لازم تأسيسَه، مثل إيران وتركيا، لا يمكنها أن تكون خارج ديناميات التأثر في أوضاعها الداخلية بهذا التغيير المتواصل في الخرائط والثروات.
تركيا تبتعد عن الغرب بأشكال مختلفة. إيران رغم تردد نظامها، تقترب فعلياً من الغرب. إسرائيل لا تقترب ولا تبتعد لأنها دولة غربية في المنطقة.
لا ينقلب التاريخ دفعة واحدة إلا نادراً. لكن، يجب أن نصدق النهايات المتلاحقة للشرق الأوسط القديم. ليس من حتميات. لكنها أربع "نهايات" كبيرة حتى الآن.

 

 


السعودية وتركيا: أسباب التحالف تتوطد
القدس العربي/ 4 اكتبر 2016
يجمع بين تركيا والسعودية الكثير من الأواصر وتمثّل كلّ منهما قطبا خطيراً في العالم الإسلامي، فالأولى مهبط الوحي والرسالة الإسلامية ومركز أماكنها المقدّسة وأرض الحجّ التي يهفو إليها مسلمو الأرض، والثانية هي مقرّ الخلافة العثمانية التي ورثت مجد الحضارة الإسلامية وأسّست امبراطورية هائلة جمعت أغلب الأقطار العربيّة تحت راية الخلافة التي انطوت مع احتلال الدول الغربيّة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى لتلك البلدان وصولاً إلى تأسيس الجمهورية التركية الحديثة عام 1923 والمملكة العربية السعودية بصيغتها وحدودها الحاليّة بعدها بتسع سنوات عام 1932.
قبل تأسيس مملكتها (الثالثة بعد محاولتين سابقتين) كانت الجغرافيا السعودية مجال صراع مصريّ ـ عثمانيّ وقد تضاربت وتلاقت مصالح هذه الأطراف الثلاثة عدّة مرّات وتعتبر قصة الملكة عفّت، المولودة في إسطنبول من أب من أصول نجديّة وأم شركسيّة، والتي كانت لغتها تركية وتزوجت الملك فيصل بن عبد العزيز في عشرينيات القرن الماضي مثالا على الأثر المجدي لتفاعل القوة الناعمة بين بيئتين، وكان تأثيرها الليبرالي حاضراً حيث كانت ترافق زوجها في رحلاته للدول الأجنبية وتلتقي الرؤساء كما حصل مع الفرنسي جورج بومبيدو عام 1972، وقادت، حسب مؤرخين نهضة نسائية من دون إثارة حروب مع المؤسسات المحافظة والتقليدية في المملكة.
إضافة إلى هذا النموذج اللافت حول إمكانيات التلاقح الفكري بين بيئتين في تاريخ الأسرة المالكة فإن أبرز ما يجمع السعودية وتركيا بعد تأسيسهما كانت علاقة التحالف الوطيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع الغرب عموماً، وأن أغلبية مواطني البلدين من المذهب السنّي، لكن نقاط الترابط كانت غالباً ما تتوقّف عند هذا الحدّ، فالمملكة مشهورة بتقاليدها الدينية المحافظة بينما كانت جمهورية أتاتورك مثالاً للتطرّف في إقصاء الدين عن الحياة السياسية، إضافة إلى كون الحكم السعودي يقوم على قاعدة السلطة المطلقة فيما كانت اتّبعت تركيّا النظام الديمقراطي البرلماني وللأحزاب والنقابات والمجتمع المدني فيها أدوار وازنة كبيرة.
ويمكن الاعتقاد أن صعود حزب العدالة والتنمية وهو حزب يعتبر نفسه محافظاً غير معاد للغرب ويتبنى رأسمالية السوق جعل الطرق سالكة بين تركيا والمملكة المحافظة غير المعادية للغرب والتي تتبنى أيضاً رأسمالية السوق لكنّ الأمر لم يكن بهذه البساطة فرغم لقاء المصالح بين البلدين على مناهضة نظام بشار الأسد في سوريا عام 2011، فإن دعم السعودية للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك على الضدّ من الثورة المصرية في العام نفسه، ثم برودها الأقرب للجفاء نحو الرئيس الإخواني المنتخب محمد مرسي ثم تحالفها مع انقلاب عبد الفتاح السيسي عليه وإعلانها «الإخوان المسلمين»، في عهد الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، تنظيماً إرهابيّاً، أزّمت العلاقات وانعكست سلباً على التعاون لصدّ التحدّيات السياسية المهولة.
كان الاتفاق النووي الغربي مع إيران عام 2013 واستيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014 وضغوط الإدارة الأمريكية في الموضوعين اليمني والسوري على الرياض أسبابا متعددة لتنامي الشعور بالغضب السعودي الذي انعكس فتوراً وحملات إعلامية شديدة على إدارة أوباما، وهو ما فتح الطريق عمليّاً لإحساس متعاظم في أنقرة والرياض بوجود مخطط أمريكي لتحجيمهما، وانضاف إليهما حاليّاً تحدّي الكونغرس لفيتو أوباما حول قانون «العدالة والإرهاب» المفصّل، على ما يبدو، لابتزاز السعودية ماليّاً.
الأتراك من جهتهم فاضت كأسهم من الخذلان الأمريكي الفظيع المتمثّل في دعم حزب «الاتحاد الديمقراطي» و«وحدات الحماية الكردية»، واللذين تعتبرهما أنقرة تشكيلين إرهابيين تابعين لحزب العمال الكردستاني، ورفض «الناتو» دعمهم بمواجهة الروس بعد حادثة إسقاط طائرة السوخوي الشهيرة، وحظر كل خططهم لوقف دخول اللاجئين السوريين عبر فرض منطقة آمنة وحظر جوّي، وكانت محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة القشّة التي قصمت ظهر البعير ودفعت الرئيس رجب طيب إردوغان للاعتذار إلى روسيا وتطبيع العلاقات معها (وكذلك مع إسرائيل اللاعب الوازن الثاني في الإقليم).
تقدّم هاتان اللائحتان أسبابا كبرى وحقيقية لتحالف المضطرّ بين الرياض وأنقرة، ولكن هذا التحالف الاضطراري قد يبرهن على فاعليّة كبيرة للطرفين يحوّله من ضرورة موضوعية إلى حاجة استراتيجية.

 

 


 راي اليوم
OCTOBER 2, 2016
تطبيق قانون “الإرهاب” الأمريكي سيبدأ قريبا جدا.. والمحامون يشحذون سكاكينهم ضد السعودية.. والدعاوى جاهزة.. هل كان أوباما جادا في معارضته القانون؟ وما هي خطط الحرب الامريكية القانونية الابتزازية؟ وكيف سيكون الرد السعودي؟ اليكم “خريطة طريق” أولية
عبد الباري عطوان
كبريات شركات المحاماة في الولايات المتحدة الامريكية بدأت قبل شهر تحضير العرائض التي ستتقدم بها الى المحاكم الامريكية لرفع دعاوى تعويض ضد الحكومة السعودية، وامراء في الاسرة الحاكمة، ورجال اعمال، وربما شيوخ في دول خليجية أخرى، تطبيقا لقانون “العدالة لرعاة الإرهاب” الذي اقره كل من مجلسي النواب والشيوخ قبل أسبوع، ويسمح لأهالي ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر باللجوء الى القضاء الأمريكي طلبا للتعويضات.
ليس هناك أكثر جشعا وانتهازية من معظم شركات المحاماة الامريكية في العالم، فهؤلاء يبحثون عن فرصة لمقاضاة أي طرف يقع بين براثنهم لابتزازه وافلاسه، خاصة إذا كان عربيا او مسلما، غنيا او ينتمي الى دولة غنية.
في أمريكا هناك مجموعة من المحامين يطلق عليهم Class Action Lawyers، لها مكاتب في كل مدينة او بلدة، وتعلن يوميا في محطات التلفزة عن خدماتها في رفع دعاوى تعويض، وتحرض المواطنين مهما كانت إصاباتهم للجوء اليها دون ان يدفعوا دولارا واحدا كأتعاب، على قاعدة: (No Win No Fee)، على ان تخصم الاتعاب من التعويض النهائي في حال فوز القضية، وبدأت هذه القاعدة تنتقل الى بريطانيا ودول أوروبية أخرى.
قضية تعويض ضحايا الحادي عشر من سبتمبر ستكون صيدا ثمينا لهؤلاء “الهوامير” حسب التوصيف الخليجي، و”الذئاب” حسب التوصيف العالمي، ولا نستبعد ان نصحو يوم غد الاثنين على مئات القضايا مرفوعة ضد المملكة وامرائها في أكثر من ولاية أمريكية.
أخطر ما كشفت عنه هذه “الواقعة” انه لا يوجد أي “لوبي عربي” او بالأحرى “لوبي سعودي” في الولايات المتحدة، رغم ان العرب، والخليجيين منهم بالذات هم الأكثر ثراء في العالم، وتزيد استثماراتهم في الولايات المتحدة عن تريليونين ونصف تريليون دولار، ان لم يكن أكثر تستأثر السعودية وحدها بحوالي ثلثها، فهل يعقل ان لا يصوت في مجلس الشيوخ الا سيناتور واحد فقط من مئة سيناتور ضد مشروع القانون المذكور؟ وهل يمكن ان نصدق ان الرئيس أوباما الذي استخدم حق “الفيتو” ضده يعارضه فعلا، واستخدم نفوذه وحزبه في المجلسين، وحشد النواب والشيوخ الديمقراطيين لمنع اعتماده؟ لا نعتقد ذلك؟ كان ممثلا بارعا، وما زال.
***
السعوديون كانوا، مثلما اتضح، يعيشون تحت انطباع خاطيء حول حجم مكانتهم، وقوة نفوذهم، وعمق تحالفهم مع “الصديق” الأمريكي، ويملكون الاسلحة وأدوات التأثير، المالي والاقتصادي في الولايات المتحدة، وها هم يجدون أنفسهم “وحيدين” دون أصدقاء في مواجهة اكبر عملية “ابتزاز″ مالي في تاريخهم، بل وتاريخ العالم بأسره.
ردود الفعل السعودية على هذا الابتزاز كانت تتسم بلغة التهديد والوعيد في البداية، وسمعنا السيد عادل الجبير يهدد بسحب مئات المليارات من الاستثمارات في حال اعتماد هذا القانون، ولكن هذه اللغة تراجعت فور اعتماده، واختفى السيد الجبير من المسرح كليا، ولم نسمع له أي تصريح في هذا الصدد، ولا حتى في قضايا أخرى في الأسبوعين الماضيين، وخيرا فعل.
السلطات السعودية تحشد حاليا العديد من الوزراء والنواب والقيادات الأمنية الامريكية المتقاعدة لتكوين “لوبي” يدافع عنها في مواجهة هذه الهجمة القانوينة الابتزازية، وبدأ هؤلاء يحجون الى الرياض فرادى وجماعات لاغتنام الفرصة، وبيع بضاعتهم بأعلى الاثمان، ولكن الوقت ربما يكون متأخرا.
الامر الغريب ان مسؤولين سعوديين سربوا لصحفهم وادواتهم الإعلامية الضاربة، معلومات على درجة كبيرة من السذاجة، أبرزها ان هذا القانون لا يستهدف السعودية وانما إيران، وينسى هؤلاء ان إيران الموضوعة على قائمة الإرهاب الامريكية منذ ثلاثة عقود لا تحتاج مقاضاتها الى صدور مثل هذا التشريع، وقد لوحقت إيران امام المحاكم الامريكية وصودرت لها أصول وودائع قبل سنوات.
لائحة الدعاوى قد تكون طويلة، ولائحة المدعين قد تكون أطول بعدة اميال، فكل واحد متضرر من هجمات سبتمبر يسّن اسنانه، ويشحذ سكاكينه، ابتداء من شركات العقار، ومرورا بأهالي الضحايا وانتهاء بشركات التأمين، وكل شيء مؤمن عليه في أمريكا، وكل من تضرر حتى من غبار التفجيرات، او تأثر نفسيا، قد يطلب التعويض.
لنأخذ قضية المواطن السعودي ياسين قاضي الذي “جرجرته” المحاكم الامريكية بتهمة دعم الإرهاب وتقديم تبرعات لتنظيم “القاعدة”، فهذه القضية بدأت قبل 13 عاما ولم تنته، وكلفت صاحبها عشرات الملايين من الدولارات، وضغط نفسي لا يقدر بثمن، بسبب جشع المحامين وشراستهم، فأسلوبهم هو استخدام كل ما في جعبتهم من مدافع قانونية ثقيلة، ويضعونك امام خيارين: اما الإفلاس ورفع الراية البيضاء، وفي هذه الحالة يفرضون، او يستصدرون الحكم الذي يريدون، او تغرق في نزيف مالي في حال اصرارك على الاستمرار.
لنترك الإجراءات القانونية جانبا في الوقت الراهن على الأقل، ونسأل عن الخطوات التي يمكن ان تقدم عليها السلطات السعودية لمواجهة هذه الهجمة غير المتوقعة في شراستها من قبل الحليف الأمريكي الاستراتيجي “السابق” الذي مارس أبشع أنواع الخديعة والغدر ضدها.
قبل الإجابة نقول انها معركة، بل “ام المعارك” ويجب ان تواجه بقوة وصرامة، والدبلوماسية لم تعد تفيد كثيرا بعد ان أصبحت المسألة قانونية ذات طابع سياسي ابتزازي، ومن هنا نقترح الخطوات التالية:
أولا: ان تتصالح القيادة السعودية مع “اعدائها”، وان تخرج بأسرع وقت ممكن من حرب اليمن بأقل الخسائر، وتعترف باخطائها وخطاياها الكارثية، وتراجع مواقفها في الازمة السورية، وتنفتح على العراق وإيران.
ثانيا: السعودية بحاجة الى “لوبي” يكسب العرب قبل الامريكان، من خلال مواقف وطنية جديدة تستميل الشعوب قبل الحكومات، فصورتها في العالم العربي سيئة، بل أكثر سوءا من صورتها في العالم الغربي، ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه.
ثالثا: حشد دول الخليج خلفها بإلغاء ارتباط عملاتهم جميعا بالدولار، وتسعير برميل النفط على أساس عملات أخرى غير الامريكية.
رابعا: إيقاف كل المعاملات بالدولار الأمريكي لتجنب مركز التسويات الامريكية، ومقره نيويورك، الذي تمر عبره كل هذه المعاملات والتحويلات.
خامسا: سحب كل الاستثمارات والأصول من الولايات المتحدة تدريجيا.
سادسا: توظيف بيوت محاماة دولية، بالتنسيق مع الحكومات العربية التي تضرر مواطنوها، وبناها التحتية من التدخلات العسكرية الامريكية، مثلما هو الحال في ليبيا والعراق واليمن وسورية، الى جانب أفغانستان، ومقاضاة الإدارة الامريكية لطلب آلاف المليارات من الدولارات كتعويضات لأهالي الضحايا والدمار المادي الذي لحق بهذه البلاد.
سابعا: وقف كل أنواع التنسيق مع الإدارة الامريكية حول انتاج وتسعير النفط، مثلما جرى عليه الحال طوال السنوات الأربعين الماضية.
ثامنا: اغلاق القواعد الامريكية في المنطقة، ووقف كل أنواع التنسيق الأمني واعمال مكافحة الإرهاب مع واشنطن.
***
اقتراحنا لهذ النقاط الا يعني ان السلطات السعودية ستعمل بها، او تستطيع ان تعمل بها، ولكنها مجرد “خريطة طريق”، وسط حقول من الألغام الامريكية والغربية، يمكن الاخذ بها كليا او جزئيا، او اهمالها كليا، فمن واجنبا ان نحلل ونجتهد، لأننا مسؤولون امام القراء الذين هم أهلنا واشقاؤنا الذين نقف في خندقهم دائما.
السعودية تقف امام حرب شرسة أعلنتها عليها الولايات المتحدة، وقد يتطلب الامر لاحقا، وبأمر القانون، فتح كل خزائن مخابراتها، ووزارة داخليتها امام المحامين والمحققين في هذه القضايا، لتقديم وثائق متعلقة بالإرهاب وهجمات سبتمبر والمتورطين فيها، فهذا القانون يلاحق الممول والمنفذ، والمشارك في التمويل، او التحريض، او من ساعد بطريقة مباشرة او غير مباشرة، وقدم خدمات للمنفذين.
لا نعتقد ان السلطات السعودية ستستمع الينا او الى امثالنا، من العرب وهذا لا يضيرنا ولا نسعى اليه مطلقا، وانما الى “نصائح” أمثال دينيس روس، ومارتن انديك، وتشاس فريمان، واستشاراتهم توصياتهم، وهنيئا لها ولهم، وسنرى الى اين سيقودونها، والأيام بيننا فعلا.. ونأمل ان يكتب الله لنا ولهم عمرا لنتعرف على النتائج.

 

 


 بارزاني يزور طهران خلال أيام
الحيات/باسم فرنسيس/3 اكتبر 2016
استبعد نواب أكراد أن تكون المحادثات التي أجراها رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في بغداد قد توصلت إلى اتفاق على حل الخلافات حول النفط، فيما أعلن مسؤول إيراني أن بارزاني سيزور طهران على «رأس وفد رفيع المستوى بناء على دعوة رسمية».

وأجرى بارزاني نهاية الأسبوع الماضي سلسلة لقاءات في بغداد مع القادة العراقيين ورئيس الوزراء حيدر العبادي تناولت الملفات العالقة بين الطرفين واستعادة الموصل، وسط تباين في مواقف القوى السياسية حول قدرتها على تجاوز الخلافات المتراكمة، وأبرزها ملف النفط.

وقال النائب عن حركة «التغيير» هوشيار عبدالله إن «زيارة بارزاني كانت شخصية وحزبية بحتة، وهو من أوصل العلاقة مع بغداد إلى طريق مسدود من خلال تصريحاته ومواقفه المتشنجة وسياسة التصعيد التي انتهجها عبر الخطاب القومي». وأضاف أن «الزيارة تمثل هروباً من الأزمة في الإقليم، وجاءت كخيار اضطراري للتغطية وتهدئة الرأي العام وغليان الشارع، بعد أن أصبح بارزاني محاصراً على الصعيدين الداخلي والإقليمي، بسبب توتر علاقاته مع الأطراف الكردية والأحزاب الشيعية في العراق، ولا تبدو علاقته جيدة مع إيران التي يرجح أن يزورها قريباً، ولم يبق أمامه سوى تركيا التي تعاني أصلاً من أزمات».

وعن إمكان التوصل إلى اتفاق نفطي جديد قال عبدالله إن «بارزاني لم يصرح ولم يشر إلى وجود اتفاق، فقط لمح إلى وجود مبادرة أو محاولة، على أمل أن يأتي وفد فني للبحث في التفاصيل، ثم أنه لا يستطيع الموافقة على تصدير نفط الإقليم عبر شركة النفط الوطنية العراقية (سومو)، لارتباطه باتفاقية مع أنقرة لخمسين عاماً، والجانب التركي يتحكم بنسبة كبيرة في نفط الإقليم».

إلى ذلك، قال القيادي في «الجماعة الإسلامية» الكردية النائب عن كتلتها في البرلمان الإتحادي زانا روستاي لـ «الحياة» إن «التقارب بين اربيل وبغداد ضرورة ملحة، وجزء من الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الإقليم ناجمة عن الأزمة في العلاقات بين الطرفين».

وأضاف: «ربما يكون لدى بارزاني أهداف خاصة من وراء الزيارة التي جاءت بعد إقالة وزير المال هوشيار زيباري التي أثرت سلباً في دور حزبه الديموقراطي في بغداد بعد أن ساءت علاقاته مع عدد من القوى العراقية، على غرار توتر علاقته مع الأطراف في إقليم كردستان، وعلى خلفيه ذلك يحاول عقد تحالف جديد لتجاوز الأزمة التي يمر بها».

وأوضح أن «بارزاني أعرب عن استعداده لحل الخلافات مع بغداد، وكنا نأمل في أن يتبنى الخطوة ذاتها لحل الأزمة في الإقليم وهي أولى، لأن الديموقراطي كان مسؤولاً عن غالبية المشكلات مع الحكومة الاتحادية، فبإمكانه أن يحلها إذا كانت لديه الإرادة الحقيقية».

من جهة أخرى، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤول في وزارة الخارجية لم تكشف اسمه قوله إن «بارزاني ورئيس حكومة الإقليم سيصلان إلى طهران الأسبوع المقبل لإجراء سلسلة مشاورات في العلاقات الثنائية ومناقشة القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية ومكافحة الإرهاب لا سيما معركة تحرير الموصل».

 

 


البارزاني في بغداد للتحالف مع العبادي ضد المالكي
العرب آنلاين/محمد هارون/3 اكتبر 2016
في 18 يوليو الماضي حط نوري المالكي في مطار السليمانية، أكبر مدن إقليم كردستان، ليقدم التهنئة إلى قادة حزب الاتحاد الوطني وحركة التغيير اللذين وقعا اتفاقية ثنائية بينهما. وصفت زيارة المالكي بأنها تسعى إلى تحجيم رئيس الحزب الديمقراطي مسعود البارزاني وإزاحته عن رئاسة الإقليم، ومن يومها بات معروفا في الأوساط السياسية والنيابية، بأن زعيم حزب الدعوة يتطلع إلى التحالف مع حزب جلال الطالباني وحركة نوشيروان مصطفى، ويسعى إلى تشكيل ائتلاف نيابي يجمع الأطراف الثلاثة، من أهدافه عزل البارزاني كرديا وإضعافه عراقيا، وإنعاش حلم الولاية الثالثة للمالكي التي ضاعت عليه وأصبحت من الماضي.

ورغم أن المالكي قد صرّح يومها بأن زيارته إلى السليمانية تأتي لإجراء لقاءات (عادية) مع قادة الاتحاد وحركة التغيير، إلا أن أوساط البارزاني، فسّرت دوافع الزيارة بأنها محاولة من رئيس الوزراء السابق لترتيب تحالف سياسي جديد (شيعي ـ كردي) غرضه التمهيد لعودته إلى رئاسة الحكومة التي راحت عليه في أغسطس 2014 بعد اتفاق أغلب الأطراف الشيعية على استبداله بقيادي من حزبه وقطب من ائتلافه حيدر العبادي، الذي تمرد عليه وتصدى له في لحظة شجاعة نادرة، وأزاحه حتى عن منصب نائب رئيس الجمهورية الذي مُنح له مجاملة اقتضتها الظروف القائمة وقتئذ.

ومع أن تحالف (الدعوة والاتحاد الوطني والتغيير) لم يعلن رسميا ولم يؤطر تنظيميا، إلا أنه ظهر على الساحة السياسية، على شكل تفاهمات بين الأطراف الثلاثة إزاء العديد من القضايا والملفات، وبرز بصورة واضحة تحت قبة البرلمان، عندما صوت نواب الكتل الثلاث على إقالة وزير المالية هوشيار زيباري، القيادي في الحزب الديمقراطي وخال رئيس الحزب والإقليم مسعود البارزاني، في أول شقاق معلن في البيت الكردي، ينذر بتداعيات سياسية على مستقبل البارزاني في رئاسة الإقليم، واستمرار حيدر العبادي في رئاسة الحكومة الحالية، والأخير لم يخف انزعاجه من تنحية وزير ماليته في أجواء وصفها بأنها ليست سليمة وغير ملائمة، خصوصا وأنها تأتي بعد أيام من إقالة وزير دفاعه خالد العبيدي بالطريقة نفسها.

وواضح أن مسعود البارزاني الذي استشعر الخطر من الاتفاقية (الاستراتيجية) ـ كما سمّيت- بين الاتحاد الوطني والتغيير وقد تلتحق بها الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ علي بابير في أي وقت، ساءه جدا تقرّب المالكي، خصمه اللدود، من الكتلة الكردية الجديدة وسعيه إلى التحالف معها، وأدرك منذ البداية أنه هو المستهدف من هذا التطور السريع، وقد ثبت ذلك في إقالة خاله من وزارة المالية، وأدرك أن الدور قادم على حيدر العبادي، المتّهم من حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون، بأنه يجامل مسعود ولا يحاسبه على تصديره النفط إلى تركيا بكميات تفوق ما اتفق عليه مع بغداد، إضافة إلى عدم اعتراضه على استقطاع نسبة 17 بالمئة من الميزانية السنوية العامة لصالح الإقليم، وهي نسبة وصفها رئيس كتلة حزب الدعوة البرلمانية، خلف عبدالصمد، بأنها مبالغ فيها، وقالت عنها النائبة المقربة من المالكي، حنان الفتلاوي، بأنها مجحفة للشيعة وخاصة في البصرة التي تنتج حقولها قرابة مليوني برميل يوميا. والمفارقة أن اعتراضات النواب الشيعة على هذه النسبة تلقى استحسانا من نواب الاتحاد الوطني والتغيير والحركات الإسلامية الكردية، الذين يتهمون البارزاني بأنه يحتفظ بمواردها لنفسه وعائلته وحزبه في تصريحات معلنة ويؤكدون أنها تدخل في أرصدته المليارية.

ولم يكن أمام البارزاني، وهو يشهد خطورة الوضع المحيط به كرديا، وحجم التآمر عليه من تحالف المالكي وحزب الطالباني وحركة نوشيروان سياسيا، غير التوجه إلى بغداد بعد قطيعة لها استمرت خمس سنوات، واللقاء مع رئيس الحكومة (الاتحادية) كما يسميها الأكراد، حيدر العبادي، مخلّفا وراءه في أربيل أطنانا من التصريحات ذات الطابع الشوفيني، عن انفصال الأكراد وإعلان استقلالهم وتقرير مصيرهم في دولة كردية منشودة، منتقلا في العاصمة إلى مواقف جديدة برزت فيها عبارات “العراق عمق الأكراد الاستراتيجي” و“بغداد لن تتخلى عنا” و“مستمرون في دعم العبادي وحكومته”، حتى أنه وفي واحد من تصريحاته البغدادية الأخيرة، وهو يبرر دعواته السابقة إلى انفصال الإقليم الكردي، وقع في حرج شديد ولجأ إلى “التقية” الشيعية عندما قال إنه يقصد من استفتاء الشعب الكردي على تقرير مصيره بأنه استقلال وليس انفصالا، على طريقة “وفسر الماء بعد الجهد بالماء”، وهو ما لقى تجاوبا من العبادي الذي بلغت به نشوة الفرح بلقاء مسعود، وهو يحتاجه في الوقت الراهن لإغاظة ابن طوريج المالكي، والسيدة الحديدية في السليمانية هيرو خانم زوجة الطالباني، والماركسي الماوي السابق والعنصري الحالي نوشيروان مصطفى، والتعهد بدفع رواتب موظفي الإقليم المحجوبة منذ شهور من حكومة بغداد، مثل أقرانهم العرب في بغداد والمحافظات، وهي خطوة ستجد ارتياحا شعبيا في السليمانية، يحسب للعبادي والبارزاني اللذين نجحا، سويا، في تسديد هدف قاتل في مرمى الثلاثة.

زيارة البارزاني إلى بغداد وما صاحبها من أجواء إيجابية وما أسفرت عنه من نتائج طيّبة، أوقفت العبادي على رجليه، وأسهمت في رفع معنوياته بعد الهزة التي تعرض لها بخسارته لوزيريْ الدفاع والمالية في حكومته، وفوتت على المالكي فرصة دحرجة الحكومة الحالية نحو الهاوية ولو إلى حين، كما أن الزيارة عززت موقع مسعود كرئيس للإقليم وممثل حقيقي للأكراد يمارس سياسة “خذ وطالب” التي لا تتقنها هيرو خانم ولا يحسنها نوشيروان، اللذين سحرهما زعيم حزب الدعوة بكلامه المعسول، ولاحظنا كيف بادر كوسرت رسول، المرشح الساخن لرئاسة حزب الاتحاد الوطني في المرحلة المقبلة بعد الإطاحة بزوجة الطالباني وابنه قباد، بالترحيب بهذه الزيارة وعدّها فاتحة خير في إرساء علاقات وطيدة بين الإقليم والمركز.

 

 


 أهل القتيل جاملوا القاتل
فهمي هويدي/الشرق/2 اكتبر 2016
ما الذي كان يمكن أن يخدم القضية الفلسطينية أكثر، المشاركة العربية في جنازة بيريز أم مقاطعة المناسبة بإعلان يشرح العرب فيه قضيتهم وموضوع خلافهم مع ما يمثله الرجل؟ خطر لي السؤال حين وجدت أن خمس دول عربية أوفدت ممثلين لها لحضور الجنازة، في حين عبر وزير خارجية دولة عربية سادسة عن حزنه لوفاة الرجل ــ ولم أصدق أن زعيما عربيا كان في نيويورك ذرف الدمع حين تلقى الخبر. ولم أقتنع بالأسباب التي دعت بعض النشطاء العراقيين الأكراد في «دهوك» بإقامة مجلس عزاء تعبيرا عن حزنهم لما جرى، إذ أزعم أن ذلك كله كان خصما وليس إضافة. وإن الذين شاركوا في المناسبة بصورة مباشرة أو غير مباشرة صغروا ولم يكبروا. لذلك قدرت كثيرا موقف النواب العرب في الكنيسيت (ممثلو فلسطين ٤٨) الذين أعلنوا مقاطعتهم للجنازة، واحترمت ما قالته عايدة توما عضو الكنيسيت التي أعربت عن استغرابها إزاء توقع البعض مشاركتهم في جنازة الرجل الذي كرس حياته لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. أما الذي أشعرني بالإهانة حقا فقد كان تصريح وزير التعليم الإسرائيلي وزعيم البيت اليهودي «نفتالي بينيت» الذي أعرب فيه عن امتعاضه «وقرفه» من مصافحة الإسرائيليين الرسميين لأبومازن حين رأس وفد السلطة المشارك، بدعوى أن الرجل يشجع على قتل الإسرائيليين (!).

حين ذهب العرب إلى الجنازة فإنهم لم يختلفوا كثيرا عن حالة الخزي والذل التي انتابت أهل القتيل فهرولوا للمشاركة في جنازة القاتل، تملقا لأهله وخشية بأسهم، لا يقولن أحد إنه البروتوكول وأصول اللياقة الدبلوماسية، لأننا بصدد حالة لا علاقة لها بالبروتوكول أو بالأعراف الدبلوماسية إذ نحن بإزاء رجل تلطخت يداه بالدم الفلسطيني والعربي طيلة خمسين عاما. وما من كارثة حلت بالفلسطينيين أو جريمة ارتكبت بحق العرب إلا وكانت له يد فيها. صحيح أنه قام بأكثر من دور وارتدى أكثر من قناع، لكن قسماته الأساسية ووجهه الشرير لم يكن خافيا على أحد. وإذا امتدحه أهله أو نجح في خداع كثيرين في العالم الغربي على الأقل، فلا ينبغي أن نخذع نحن فيه، لأن كل الأقنعة التي تخفي وراءها وكل الأدوار التي لعبها لا يمكن أن تنسى أي عربي أو فلسطيني شريف حقيقته أو سجل جرائمه. لذلك فمن حق ذلك العربي أو الفلسطيني أن يعبر عن تقززه من وقوف مسؤولين أو مبعوثين عرب في طوابير المعزين، ناسين أو متناسين سجل الرجل الحافل بالجرائم التي ارتكبها ضد الإنسانية في فلسطين والعالم العربي. ويعذر المرء في هذه الحالة حين يرى في أولئك المبعوثين العرب شهادات تعبر عن الاستخذاء والهزيمة التي يعيش العرب في ظلها الآن.

لو أن العرب قاطعوا الجنازة في لحظة إفاقة استدعت ما تبقى من النخوة، وانتهزوا الفرصة لكي يعلنوا على الملأ الأسباب التي دعتهم إلى ذلك، خصوصا ما تعلق منها بالجرائم التي ارتكبها بيريز في فلسطين ولبنان على الأقل، واستعرضوا الجهد من خلال التوحش الاستيطاني الذي بذله لعرقلة أي تسوية سياسية تستهدف إقامة دولة فلسطينية. لو فعلوا ذلك لأحدثوا دويا عالميا يخدم القضية ولذكروا العالم بحقائقها التي يجري طمسها. لن يحرروا بذلك فلسطين حقا، لكنهم سينتهزون الفرصة لفضح جرائمها، فضلا عن أهميته في التنفيس عن حقيقة المشاعر العربية والفلسطينية والتقليل من الشعور بالمذلة والانكسار والإحباط الذي يسود العالم العربي.

أرجو ألا أكون مبالغا إذا قلت إن العرب الذين شاركوا في الجنازة، بمن فيهم وفد السلطة برئاسة أبومازن، لم تشغلهم قضية فلسطين في ذهابهم وإيابهم، وإنما كان لكل منهم حساباته الخاصة التي لا علاقة لها بالقضية. وأزعم في هذا الصدد أن أحدا منهم لو تذكر القضية لما ذهب أصلا. بالتالي فإن ذهابهم يظل بمثابة إدانة لهم ولمن يمثلون. وهذه ينبغي ألا تدعونا إلى اليأس بقدر ما تدعونا إلى المراهنة على غيرهم.

 

 


 الاخبار
إسرائيل ــ السعودية: نحو تحالف استراتيجي معلن
قد تكون الحاجة لتطوير التحالف بين النظام السعودي وإسرائيل، أكثر الحاحاً من أي مرحلة مضت. لكن الطرف السعودي يجد نفسه ملزماً باعتماد سياسة التدرج في تظهير العلاقات مع تل أبيب وتطويرها. مع ذلك، فإن مسار التطورات الاقليمية وفشل الرهانات المتوالية قد يدفعان الرياض للمبادرة إلى «قفزة نوعية» في تظهير وتعزيز العلاقات مع تل أبيب
علي حيدر

بنظرة خاطفة إلى التحديات التي مرت بها إسرائيل طوال تاريخها، يمكن القول إنها استفادت وتناغمت وتكاملت مع الدور السعودي الاقليمي في أغلب مراحلها وبما يتناسب مع الظروف السياسية لكل منها.
أيضاً، كانت إسرائيل وما زالت العدو اللدود لكل من ناصبه النظام السعودي العداء في العالم العربي. ومع أن الخطاب الرسمي العربي العام والظروف السياسية حالت دون تقارب بين الرياض وتل أبيب في مراحل تاريخية سابقة، لكن ذلك لم يحل دون تموضعهما في المعسكر الدولي والاقليمي نفسه، بل وتقاطعت أولوياتهما في أكثر من محطة تاريخية. ولتفسير هذا التداخل، يكفي الاستناد إلى حقيقة أنّ كلا الكيانين السعودي والإسرائيلي، وُجد في الحيز الاقليمي ذاته، وفي المرحلة التاريخية نفسها، وعلى يد الدولة الاستعمارية ذاتها، بريطانيا، ويتظللان حالياً بالمظلة الدولية نفسها، الولايات المتحدة.
لكن الآن، تتبنى كل من تل أبيب والرياض الخطاب السياسي نفسه، وتتقاطع أولوياتهما الاقليمية إلى حد التطابق، في تحديد الاعداء وكيفية مواجهتهم... بل يلاحظ أن مفردات الخطاب الدعائي تكاد تكون هي نفسها سواء لجهة المفردات المذهبية وتصنيف القوى الاقليمية في ما يتعلق بالنظرة والموقف من حزب الله والنظام السوري والجمهورية الاسلامية في إيران. في غضون هذا التوجه، ما نشهده من مواقف وخطاب إسرائيلي رسمي وغير رسمي، وتقارب سعودي باتجاه إسرائيلي ظهر منه حتى الآن، عدد من اللقاءات العلنية، وصولاً إلى زيارة الوفد السعودي إلى إسرائيل، ليس سوى حد أدنى ومقدمة لما يتوقع أن نشهده في المرحلة المقبلة.
يمكن اعتماد أكثر من مدخل في تأصيل التطور الذي تشهده العلاقات السعودية الإسرائيلية، وتفسيره بطرق مختلفة. لكن يبقى السياق الاقليمي محورها الأساسي والعامل الابرز في تفسير الاندفاعة المتبادلة بين تل أبيب والرياض، وصولاً إلى التدرج في تظهيرها، الذي قد يكون متأخراً كثيراً عن حقيقة ما يدور بعيداً عن الاضواء... وهو أمر له سوابقه في العلاقات الإسرائيلية العربية.
العامل الاساسي في اندفاع السعودية نحو الارتقاء بالعلاقات مع تل أبيب، يعود بالدرجة الأولى إلى فشل رهاناتها المتوالية في مواجهة أطراف محور المقاومة. بدأ هذا المسار من الدعم اللامحدود الذي قدمته السعودية في حينه لنظام صدام حسين في حربه ضد إيران، خلال الثمانينيات... تلاه في مرحلة لاحقة، وبفعل تطورات دولية واقليمية، الرهان على عملية التسوية في انتاج نظام اقليمي يجهض المقاومة ويقطع الطريق على تبلورها كخيار استراتيجي بديل في حركة الصراع مع إسرائيل. لكن هذا المسار لم تكتمل حلقاته في ظل صمود سوريا في حينه، وانتصار المقاومة في لبنان، ثم انفجار انتفاضة الأقصى عام 2000.
أيضاً راهنت السعودية لاحقاً على الاحتلال الأميركي للعراق، لجهة انتاج نظام سياسي عراقي يؤدي دور الشرطي الاميركي في المنطقة لاحتواء إيران وسوريا والضغط عليهما بل واسقاطهما لاحقاً، مدعوماً بوجود عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين. ومع التأكيد على أن المعركة لم تحسم حتى الآن على الساحة العراقية، لكن ما كانت تطمح إليه السعودية لم يتحقق في تلك الساحة... وبات أبعد ما يكون من أي وقت مضى.
إلى ذلك، فشلت المساعي السعودية والاميركية في الرهان على مسار القرار 1559، وما نتج عنه وتلاه من تطورات توجت بحرب عام 2006، التي رمت إلى اسقاط المقاومة في لبنان واخضاع النظام السوري أو اسقاطه. وفشلت أيضاً محاولة احتواء النظام السوري، بعدما أظهر صموداً استثنائياًَ في أعقاب احتلال العراق من خلال تمسكه بخيار دعم المقاومة في لبنان وفلسطين، ولم تنجح محاولات اغرائه واستدراجه للانتقال الى المعسكر الاميركي في المنطقة على حساب القضية الفلسطينية وبهدف اسقاط المقاومة في لبنان. وأيضاً فشل الرهان السعودي، ومعه كل من ينتمي الى هذا المعسكر، حتى الآن في اسقاط سوريا واستبدال نظامها ورئيسها بآخر معادٍ للمقاومة وخيارها، يتبنى الخيار السعودي الاقليمي من تل أبيب إلى طهران.
كذلك، مثّل الاتفاق النووي بين الدول العظمى وإيران، تتويجاً لفشل الرهان السعودي الذي كان يستند إلى خطاب أميركي ـ إسرائيلي يوحي بأن مستقبل هذا المسار يتجه اما نحو مزيد من العقوبات التي تشلّ إيران وتهدد نظامها... أو نحو ضربة عسكرية إسرائيلية و/ أو أميركية. الامر الذي كان سيؤدي أي منهما إلى إعادة تشكيل نظام اقليمي جديد، يُحجِّم ايران، ويضعف المقاومة ومحورها، على أقل تقدير.
تراجع الرهانات على مهاجمة إيران، وتحررها من العقوبات - على الاقل في ما يتعلق بعلاقاتها مع بعض الدول العظمى - وفشل احكام السيطرة على العراق، وفشل اسقاط الرئيس الاسد... ونجاح المقاومة في لبنان في فرض معادلات عززت قدراتها، ومنحتها هامشاً أوسع. كل ذلك، ساهم في تعزيز حاجة النظام السعودي الى حليف اقليمي بديل يثق بقدراته ويتطابق معه في التوجهات والاولويات، ويراهن من خلال «التخندق» معه على التعويض عن الخسارات الاقليمية المتتالية، وعلى انتاج قدر من التوازنات والمعادلات التي تحد من مفاعيل تسلسل هذا المسار الفاشل من الرهانات على مكانة السعودية الاقليمية التي تعمقت ورطتها في مواجهة الشعب اليمني.


ايضاً، إن هذا المسار نفسه من الرهانات المتوالية التي لم تنجح في تحقيق ما كان تطمح اليه تل ابيب، انعكس سلباً على الأمن القومي الإسرائيلي. من دون تجاهل حقيقة ومفاعيل المخطط التخريبي الذي ضرب سوريا والعراق.
وهكذا باتت الحاجة الملحة والمتبادلة بين تل أبيب والرياض، تدفع باتجاه ضرورة تطوير مستوى التنسيق والارتقاء به الى التحالف الاستراتيجي المعلن، وخاصة أن مستقبل التطورات قد تتطلب ادواراً ومهمات لا يمكن ابقاؤها ضمن إطار السرية.
على خط مواز، يبدو أن الاطراف المعنية ترى أنه لتحقيق هذه القفزة لا بد من تدجين الرأي العام وتطبيعه، الأمر الذي يتطلب التدرج في تظهير هذه العلاقات وتطويرها. وهو ما يجري تطبيقه فعلاً.
أيضاً، تدرك هذه الاطراف أن هناك شروطاً لا بد من توافرها قبل الاقدام على انعطافة حادة علنية في العلاقات مع إسرائيل، التي من المؤكد أن النظام السعودي سيقدم عليها في مرحلة لاحقة.
أول هذه الشروط أن لا تبقى بوصلة العداء موجهة نحو الكيان الاسرائيلي، ولذلك تصر السعودية حتى الان على أن يكون المدخل لذلك تسوية ما على المسار الفلسطيني.
وثانياً أن يجري استبدال العداء لإسرائيل، بالعداء ضد العدو المشترك المتمثل بإيران. ولتحقيق هذه الشروط كان لا بد من أداء سياسي واعلامي مدروس، وينبغي الاعتراف بأنه تجري تأديته على أكمل وجه.
في غضون ذلك، وبهدف استنهاض الشارع الاسلامي «السني» لمصلحة هذا الخيار، لا بد من معارك تحمل عناوين مذهبية واداءً اعلاميا مذهبيا وسياسة حقن مذهبي. وفي هذا الاطار ليس صدفة أن كل الخطاب الاسرائيلي الرسمي، وتحديداً على لسان نتنياهو وسائر المسؤولين الاسرائيليين، ومعه الخطاب الاعلامي ومقاربات الخبراء السياسيين، ومعاهد الدراسات تتبنى المصطلحات نفسها التي تخدم هذا الاتجاه في التعبئة المذهبية. فمثلاً في إسرائيل يتبنون تسمية المحور الشيعي بدلاً من محور المقاومة، وكأن السنة لا علاقة لهم بالمقاومة، وتجري تسمية المحور المعادي للمقاومة وتدعمه اسرائيل بالمحور السني المعتدل، للايحاء بأن اسرائيل إلى جانب السنة المعتدلين في مواجهة محور المقاومة.
وخصوصية هذا الخطاب السعودي ــ الإسرائيلي أنه يحاكي مباشرة الجمهور السني، انطلاقاً من ادراكهم أن نجاح أي مخطط لا بد أن يمر بالضرورة بتحويل إسرائيل الى كيان طبيعي في المنطقة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا عبر «البوابة السنية» باعتبارهم الاكثرية في المحيط العربي لإسرائيل.
على هذه الخلفية، كل عملية ينفذها شاب فلسطيني ضد الجنود والمستوطنين في داخل إسرائيل، تمثّل طعنة حقيقية للمخطط السعودي في هذا المجال. لأنه يؤكد ويكرس بوصلة العداء لاسرائيل، ويساهم في المحافظة على تصدر ووهج القضية الفلسطينية وعلى أن لها الاولوية في الصراع، وأن الشارع السني ليس ورقة بيد السعودية تزج به في معارك وفق الاولويات الاميركية في المنطقة.
بدرجة لا تقل أهمية، تبلور واقع اميركي دولي رأت فيه السعودية دافعا اضافيا للبحث عن حليف اضافي يعزز من مكانتها الاستراتيجية ويعدل من المعادلات الاقليمية في مواجهة محور المقاومة، وهو ما يتوافر بالضرورة باسرائيل. وفي التفصيل، هناك انطباع وتقدير إسرائيلي وسعودي، بأنه لم يعد بالامكان الركون التام إلى السياسات الأميركية في المنطقة. ويستندون في ذلك، إلى تصور مفاده بأنّ الخيارات الاستراتيجية للولايات المتحدة، بعد احتلال العراق وأفغانستان، والازمة الاقتصادية العالمية إضافة إلى تغيير ما في معادلات القوة في المنطقة، لم تعد تتلاءم مع ما تراه كل منهما لما ينبغي أن يكون عليه الخيار الاميركي. وأكثر ما برز هذا المفهوم في ردات فعلهما على الانكفاء الاميركي في مواجهة إيران خلال المفاوضات النووية، وهو ما عدّاه خضوعا للجمهورية الاسلامية، وفي مواجهة النظام السوري.
هذا الواقع، دفع رئيس مجلس الامن القومي الإسرائيلي الأسبق، اللواء يعقوب عميدرور الى القول ان السعودية وسائر الدول التقليدية «تحافظ على الوضع القائم وموجودة في منطقة لا تتوقف عن التغير، وتبحث عن مرساة من أجل تحقيق الاستقرار، واسرائيل هي هذه المرساة». وبهدف القفز الى ما يجسد طموح الطرفين السعودي والاسرائيلي، دعا عميدرور إلى «بناء منظومة علاقات تمثّل مظلة مشتركة من أجل تحرك تقوم به الدول السنية واسرائيل ومن ثم يمكن ضم الفلسطينيين اليه من أجل البدء بالمفاوضات». وخلافاً للماضي، فإن تحسين العلاقات في هذا الوقت لا يقل في نظر الدول العربية أهمية عنه بالنسبة لإسرائيل، لكن العقبة الفلسطينية تعيقهم عن ذلك، وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الدول قادرة على التغلب على هذه العقبة على الرغم من مصلحتها في ذلك. وشدد عميدرور على ضرورة «أن تفكر إسرائيل في كيفية تقديم المساعدة من أجل تحقيق ذلك، لأن ما يجري هو فرصة تاريخية».
استناداً إلى هذا الواقع الذي آلت اليه التطورات، وبفعل التراجع السعودي في كل ساحات المواجهة، وعلى قاعدة المصالح المشتركة والاعداء المشتركين، وانطلاقاً من أن إسرائيل تحوَّلت، وفق الرؤية التي جرى تقديمها، إلى ضمانة استراتيجية للسعودية لكون التحالف معها قد يساهم في تعديل التوازن الاقليمي في مواجهة محور المقاومة، ينبغي أن نوطِّن أنفسنا منذ الآن على حقيقة أننا سنشهد في مرحلة لاحقة قفزة نوعية سعودية باتجاه تظهير وتطوير التحالف مع إسرائيل.
اسرائيليات
العدد ٢٩٩٨ السبت ١ تشرين الأول ٢٠١٦

 

 


السفير
مصافحة القاتل في جنازة قاتل
شكّلت جنازة رئيس الكيان الإسرائيلي السابق شمعون بيريز فرصة لإظهار الكثير من جوانب وتعقيدات السياسة عموماً والصراع العربي مع العدو الإسرائيلي خصوصاً. فقد توافد إلى الكيان الإسرائيلي أكثر من 90 وفداً رسمياً من دول العالم وبينها وفود رسمية عربية كان أبرزها الوفد الفلسطيني برئاسة الرئيس محمود عباس. وأثارت هذه المُشاركة تعليقات وانتقادات مختلفة بسبب واقع أن هذا الكيان «دولة» معتدية أصلاً، وأن شمعون بيريز كان بين أبرز المُتطرّفين فيها ولم يكن في جوهره رجل سلام.
في كل حال، أشار عدد من كبار المُعلّقين في كيان العدو إلى أن الجنازة والحضور الدولي والإقليمي المُميّز يشهدان على المفارقة الكبيرة في واقع الكيان. فالصورة العامّة لهذه المُشاركة لم تنبع من تقدير للكيان العبري بقدر ما نبعت من اعتقاد شائع، يراه البعض مبني على أوهام، بأن بيريز كان رجل سلام. وتبدو المفارقة، بأشدّ صورها بهاء، عند مقارنة هذا الاعتقاد بالقناعة الراسخة لدى الكثيرين بأن رئيس حكومة العدو الحالي بنيامين نتنياهو نقيض لهذه الصورة.
ومهما يكن الأمر، فإن للمفارقة وجهها العربي والفلسطيني. فقد أشارت وسائل إعلام العدو إلى أن أعضاء الكنيست العرب، خصوصاً من القائمة المشتركة، لم يروا في بيريز ما رآه العالم وبعض العرب. وقاطع أغلب هؤلاء الأعضاء جنازة بيريز مُعلنين عدم قناعتهم بأن بيريز كان رجل سلام، على الرغم من فوزه بجائزة «نوبل» بسبب اتفاقيات «أوسلو».
وكتب رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة على حسابه في موقع «تويتر» أن «ذكرى بيريز لدى الجمهور العربي تختلف عن الرواية التي تُشاع عنه في الأيام الأخيرة. ففي صالح بيريز في التسعينيات تُوجد نقطتان إيجابيتان هما السير إلى السلام في ظلّ بناء شراكة مع مندوبي الجمهور العربي. ولكن في المقابل، تُوجد لدينا معارضة حادّة لأمن الاحتلال وبناء المستعمرات». وبعدها كتب عودة: «أنا لست شريكاً في كل هذا الاحتفال. فلا يُمكنني أن أغفر عن العام 1949، فقد أوقع مصيبة على شعبي». وعبّر عودة بذلك عن مشاعر أغلبية فلسطينيي الـ 48 في إسرائيل.
غير أن السلطة الفلسطينية كانت لها حسابات أخرى. فقد وصل وفد فلسطيني رفيع المستوى ضمّ الرئيس عباس وعدد من قادة السلطة الفلسطينية. ورافق أبو مازن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة «التحرير الفلسطينية» مسؤول ملف المفاوضات مع العدو الدكتور صائب عريقات ومسؤول الملف الإسرائيلي في السلطة محمد المدني ومسؤول التنسيق عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» حسين الشيخ.
ولاحظت مصادر إسرائيلية أن عباس كان الزعيم العربي الأبرز الذي حضر جنازة بيريز التي حضرتها وفود من دول عربية بينها مصر والأردن والمغرب. وقد أثارت مُشاركة الوفود العربية في جنازة بيريز انتقادات حادة في أوساط عربية مُخالفة خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي. وزادت هذه الانتقادات بعدما ظهر أن مشاركة أبو مازن ومكان جلوسه في حفل التأبين كان موضع خلاف وصراع داخل الكيان الإسرائيلي.
وترأست اللجنة المنظمة لمراسم الجنازة، والتي ضمّت ممثلين عن وزارتي الثقافة والخارجية، الوزيرة الليكودية المتطرفة ميري ريغف. وكان خلافاً قد دبّ في البداية حول موقع جلوس الرئيس عباس في الصف الأمامي للمُشيّعين. وأصرت ريغف على أن يجلس عباس في طرف الصفّ، لكن عائلة بيريز عارضت ذلك، وقالت إن عباس ضيفها وهي تُصرّ على أن يجلس في منتصف الصف الأمامي. وفي النهاية، تمّ حلّ هذا الخلاف كما تُريد عائلة بيريز وجلس أبو مازن بجوار وزير الخارجية المصري.
غير أن عنصر الإثارة الأكبر في الجنازة، جاء عندما التقى أبو مازن برئيس حكومة الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتصافحا. واعتبر كثيرون أن هذا آخر إسهام سياسي هام لبيريز. إذ معروف أن رؤساء دول أوروبية عدّة، فضلاً عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين حاولوا ترتيب مثل هذه المُصافحة فعجزوا. وها هو موت بيريز يُرتّب هذه المصافحة ويكسر الجليد بين الرجلين.
وكان نتنياهو هو من أقرّ طلب الرئيس عباس المُشاركة في جنازة بيريز. وحسب ما نُشر في وسائل إعلام العدو فإن أبو مازن قال لنتنياهو: «منذ زمن طويل لم نلتق»، فردّ نتنياهو: «أنا أُقدّر جداً حضورك الجنازة». ومعروف أن نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان، والكثير من المتحدّثين باسمهما، يُعلنون صبح مساء أن أبو مازن «غير ذي صلة» وأنه «ليس شريكاً».
وقد استغلت جهات أوروبية ودولية وصولها إلى الكيان الإسرائيلي للمشاركة في جنازة بيريز، لحثّ نتنياهو على التقدّم في العملية السلمية. وعدا وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فدريكا موغريني، تباحث نتنياهو بهذا الشأن أيضاً مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي تعمل حكومته من أجل ترتيب مؤتمر دولي للسلام في باريس قبل نهاية هذا العام.
وبحث هولاند وعباس، على هامش الجنازة، التحضيرات لعقد المؤتمر الدولي للسلام.
وقال كبير المُفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات: «اتفق هولاند وعباس على تسريع التحضيرات لعقد المؤتمر الدولي للسلام المقرر عقده في نهاية هذا العام»، مضيفاً أن هولاند أبلغ عباس أن «مبعوثاً فرنسياً سيزور فلسطين في شهر تشرين الأول في إطار مواصلة الجهود الفرنسية لعقد المؤتمر».
في كل حال، أثارت مُشاركة أبو مازن في جنازة بيريز انتقادات حادّة في الأوساط الفلسطينية والعربية، لكن أيضاً برزت انتقادات إسرائيلية. فقد حمّل وزير التعليم، زعيم «البيت اليهودي» نفتالي بينيت على نتنياهو لأنه صافح عباس وتساءل: «لماذا نهرع لمصافحة أبو مازن؟».
وكتب بينيت على صفحته على موقع «فايسبوك»: «لم أفلح في فهم سبب وقوف الإسرائيليين بالدور لمصافحة أبو مازن، الذي يُشجّع على قتل الإسرائيليين ويدفع مُخصّصات لقتلهم».

 

 


 عودة الجزائر لدورها كوسيط.. وتنازل السعودية.. ومرونة ايران.. كلها عوامل تقف خلف اتفاق النفط التاريخي.. وإنقاذ أوبك من الانهيار.. وتحسن تدريجي في الأسعار.. فهل يتم الحفاظ على هذا الانجاز؟ وما هي مخاطر انهياره؟
راي اليوم/ندارد/1 اكتوبر 2016
الاتفاق “التاريخي” الذي توصل اليه وزراء نفط أوبك في اجتماعهم التشاوري في الجزائر يوم الأربعاء الماضي، حقق ايجابيات كبيرة، أولها انقاذ المنظمة من الانهيار، وثانيها تجاوز الخلاف الإيراني السعودي الذي كان عقبة في استقرار الإنتاج، وبالتالي الأسعار طوال العامين الماضيين، وثالثها عودة الجزائر كوسيط يحظى باحترام الجميع، بسبب موقفها الحيادي وعلاقاتها الطيبة مع معظم الدول الاعضاء.
الاختراق الكبير الذي حدث في الجزائر جاء بسبب “تنازل” السعودية عن موقفها المتصلب، والموافقة ليس فقط على تجميد الإنتاج، وانما خفضه، واستثناء ثلاث دول وهي نيجيريا وليبيا، الى جانب ايران من أي تجميد، او تخفيض بسبب ظروفها الخاصة.
الاتفاق نص على تحديد سقف اعلى للإنتاج في حدود 32.4 ـ 33 مليون برميل يوميا، مما يعني خفض الإنتاج بحدود 750 الف برميل، من المتوقع ان تتحمل الدول الخليجية الثلاث أي السعودية والامارات والكويت الحصة الأكبر، ان لم يكن الحصة كلها، فهذه الدول الثلاث زادت انتاجها بحوالي 1.75 مليون برميل على مدى العامين الماضيين.
روسيا الدولة التي تحتل المرتبة الاولى في انتاج النفط وتصديره خارج أوبك رحبت بالاتفاق، ولكنها تعارض أي تخفيض لإنتاجها، مثلما قال وزير نفطها الكسندر نوفاك، ولكنها ستوافق حتما على تجميد الإنتاج مثلما تعهدت في مؤتمر الدوحة في نيسان (ابريل) الماضي، وهو الاتفاق الذي اجهضته السعودية بسبب إصرارها على التزام ايران بتجميد انتاجها اسوة بالآخرين، وهو ما لم يحدث.
المحللون والخبراء يطالبون بتوخي الحذر، وعدم الإغراق في التفاؤل رغم ارتفاع أسعار النفط، وملامستها حاجز الخمسين دولار النفسي، ويقولون ان هناك بعض جوانب غامضة في الاتفاق، خاصة حول آليات التطبيق، ومدى امكانية الالتزام بالتجميد وحجم الخفض للإنتاج.
السيد عبد الصمد العوضي، الخبير الكويتي العالمي بقطاع النفط، قال لـ “راي اليوم” معلقا على الاتفاق “لا شك ان السعودية قدمت تنازلا كبيرا أنقذ المنظمة (أوبك) بقبولها للمرة الأولى بخفض انتاجها وليس فقد تجميده، واستعادة بذلك مكانتها داخلها، وتوقع “ان تطالب السعودية الامارات والكويت بتحمل عبء تخفيض الإنتاج معها، وتقاسم الكمية المطلوب تخفيضها وهي 750 الف برميل”.
المملكة العربية السعودية أقدمت على هذا الموقف المرن، في رأي هذه الصحيفة “راي اليوم”، لانها ادركت انها الخاسر الأكبر من تدهور الأسعار في وقت تتضاعف فيه خسائرها المادية، بسبب انخفاض الأسعار مما أدى الى تراجع احتياطاتها المالية الى حوالي 450 مليار دولار، بعد ان كانت تقترب من 800 مليار دولار، وارتفاع العجز في موازنتها، وزيادة أعباء الحرب في اليمن، وتصاعد التذمر في أوساط مواطنيها بسبب سياسية التقشف التي بدأت فرضها في محاولة لسد العجز في الميزانية.
وجاء اعتماد النواب والشيوخ الأمريكي لقانون “العدالة ضد رعاة الإرهاب” ليحدث تحولا في الموقف السعودي تجاه الحليف الأمريكي من حيث وضع السياسات النفطية التي تراعي مصالح شعبها دون أي اعتبار لموقف أمريكا، مثلما كان عليه الحال طوال السنوات الخمسين الماضية، وحتى قبل تأسيس منظمة أوبك.
السعودية بدأت الآن خطوات متساءلة لتحسين صورتها في العالم، وتوظف شركات علاقات عامة في هذا الإطار، ولعل الخطوة الأبرز هي كسب الدول الأعضاء في منظمة أوبك التي تضررت كثيرا من سياستها السابقة الرافضة لتجميد الإنتاج كخطوة أولى لرفع الأسعار، مثل فنزويلا والجزائر ونيجيريا وليبيا والعراق، على حد قول السيد العوضي.
اتفاق الجزائر النفطي يشكل “صحوة” سعودية وعقلانية إيرانية، وعودة جزائرية للساحة النفطية، وربما السياسية كوسيط فاعل مقبول بعد غياب استمر حوالي العقدين.

 

 


صداقة واشنطن وعداوتها... الســعــوديـة وإيـران نموذجــاً
الدستور/عريب الرنتاوي/1 اكتوبر
إذا كانت تجربة إيران المرة مع العقوبات الدولية والحصار، قد برهنت على صحة الفرضية القائلة بأن “عداوة أمريكا أمر مكلف للغاية”، فإن تجربة الصداقة السعودية مع الولايات المتحدة قد قدمت الدليل على الشطر الاخر من المقولة ذاتها، ألا وهو “أن صداقة واشنطن أمرٌ لا يقل كلفة كذلك”، والخلاصة التي يمكن استنباطها من تجربتي العداء والصداقة، تقضي بضرورة سعي الدول والحكومات، للاحتفاظ بمسافة أمان مناسبة عن الدولة العظمى... معادلة بسيطة من حيث الشكل، بيد أنها شديدة التعقيد عندما يتعلق الأمر بنقلها إلى حيز السياسة والممارسة العملية.
في التجربة الإيرانية، سعت إدارة الرئيس باراك أوباما جاهدة للوصول إلى اتفاق حول برنامج طهران النووي، وفي الوقت الذي لعبت فيه بعض العواصم الأوروبية دور “الشريك المشاغب” في تلك المفاوضات (باريس تحديداً)، فقد بدا أن الإدارة عازمة على إغلاق هذا الملف، وأن أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية، قد قرر إضافة هذا “الإنجاز الديبلوماسي” إلى رصيده الشخصي في الربع الأخير لولايته الثانية، وقد نجح.
في التجربة السعودية، بدا أن أوباما وإدارته، قد ضاقا ذرعاً ببعض حلفائهما العرب ... أوباما دافع بقوة عن اتفاقه النووي مع إيران، وفي سياق تفسير دوافعه ومنجزاته، لم يغب عن خاطره، توجيه انتقادات حادة لحلفائه الخليجيين والسعوديين، وبصورة غير مألوفة – ربما – في تاريخ العلاقات الثنائية بين الجانبين (مقابلته مع ذا أتلانتيك وقمة كامب ديفيد)... ركّز انتقاداته على الأوضاع الداخلية لتلك الدول، وتحدث عن “التهديدات النابعة من الداخل”، وطالبها بفتح قنوات حوار مع عدوها الإقليمي اللدود، أي أن تحذو حذوه، من دون أن يقطع شعرة معاوية، بل وما هو أكثر منها، مع “الأصدقاء التاريخيين”.
على الضفة الأخرى في مسار صنع السياسة والقرار في واشنطن، لعب الكونغرس دوراً “الشريك المخالف” للإدارة... وضع (وما يزال يضع) المزيد من القيود على تطبيق الاتفاق مع إيران، وبصورة بدا معها أن طريق “اتفاق فيينا” ليس ذي اتجاه واحد، وأنه يتعين على الجانبين الإيراني والأمريكي، خصوصاً الأخير، العمل بجهد لنزع الألغام المزروعة على جانبيه، وتفجير المفخخات التي تتهدده في أية لحظة.
أما على المسار السعودي، فلم يكن أداء الكونغرس مغايراً، وظهر أن “اللوبي السعودي” في واشنطن، لا يمتلك أي وزن حقيقي يذكر ... فالمداولات على مستوى اللجان، لمنع تزويد المملكة بالأسلحة الأمريكية، تنهض كشاهد على موقف الكونغرس ومكانة اللوبي السعودي، ونجاح الكونغرس في رد “الفيتو الرئاسي”حول قانون “جاستا”،ولأول مرة في عهد أوباما، وبأغلبية ساحقة، بدا معه أن أصدقاء واشنطن يواجهون خصومهم في واشنطن، عراة ومجردين من السلاح.
السعودية صاحبة أكثر استثمارات في الولايات المتحدة، وفي السندات الحكومية، حيث التقديرات لإجمالي الرساميل السعودية المستثمرة هناك، تلامس حافة الترليون دولار، لم تجد في الكونغرس من يستذكر “صداقتها” لواشنطن، فكيف هو حال بقية الدول العربية، التي تبدو في موقع المتلقي والمعتمد على مساعدات “العم سام” ... الخلاصة، حال العرب عموماً في واشنطن، مؤسف للغاية، وصداقتهم لواشنطن، لم تكن سابقاً، ولن تكون مستقبلاً، “بوليصة تأمين” لهم، تحمي مصالحهم وتدرأ عنهم أسوأ الخيارات والسيناريوهات.
في حالتي العداوة والصداقة، الإيرانية والسعودية على حد سواء، لم يكن الانقسام بين الإدارة والكونغرس،عامودياً ونهائياً، بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد ظهر أن تدوير الزوايا الحادة على إيقاع المصالح الأمريكية الثابتة، يبدو أمراً ممكناً ومرجحاً... وأن ثمة نوعا من تقاسم الأدوار وتبادلها، بشكل تلقائي أو متفق عليه، لا فرق... الكونغرس تراجع عن بعض قيوده المفروضة على الاتفاق النووي مع إيران، وثمة وعود بمراجعة قانون “جاستا” مع السعودية ... والإدارة التي حاربت الإيرانيين في لقمة عيشهم، هي ذاتها من وقع اتفاق رفع العقوبات معهم، وهي ذاتها أيضاً، التي تقف اليوم بالمرصاد لإيران في عدد من ملفات المنطقة ... ... أوباما أكثر الرؤساء الأمريكيين انتقادات لدول الخليج، هو من أشهر الفيتو الرئاسي ضد الـ “جاستا”.... لا شيء ثابت في واشنطن، لا الصداقة ولا العداوة، ثمة مصالح ثابتة، وفي قلب هذه المصالح في منطقتنا، يأتي أمن إسرائيل وتفوقها، من ضمن أولويات الأمن الأمريكي، وخط أحمر يمكن أن يستدعي أعلى درجات التعبئة والاستنفار.... فهل نتعلم دروس العداوة والصداقة مع الدولة العظمى، أم سنكتفي بتدبيج “البكائيات” على خذلان واشنطن لأصدقائها، والهجائيات لـ”وقاحتها” في مكافئة الأعداء ومعاقبة الأصدقاء؟

 

 


 رأي اليوم
September 26, 2016
الأزمة المالية لشركة سعودي أوجيه وتداعياتها على البنك العربي
د.محمد الحدب
يعاني عملاق المقاولات سعودي أوجيه من أزمة مالية خانقة نتيجة لأنخفاض اسعار النفط العالمية ولسياسة التقشف التي تتبعها المملكة العربية السعودية في الانفاق على المشاريع الرأسمالية. شركة سعودي أوجيه تم تأسيسها عام 1978 من قبل عائلة الحريري ومقرها الرئيسي في المملكة العربية السعودية وتعتبر من اضخم شركات المقاولات، أضافة إلى شركة بن لادن. هذة الأزمة المالية أدت الى تراكم العديد من الاعباء المالية المستحقة على الشركة مثل أقساط الديون المستحقة للبنوك والبالغة تقريباً 4 مليار دولار امريكي، وأيضاً رواتب العمال والموظفين التي لم تدفع لعدة شهور والبالغة تقريباً 666 مليون دولار امريكي، حيث أشارت  بعض التقارير الصحفية أن من بين موظفي وعمال الشركة هناك ما يزيد عن 30 الف عامل قد قام بتسجيل شكوى لدى مكتب العمل في المملكة العربية السعودية بسبب التأخر في دفع رواتبهم مستحقاتهم و لعدة شهور.
مؤخراً أشار تقرير لوكالة رويترز أن شركة سعودي أوجيه لها مبالغ مستحقة على الحكومة السعودية لقاء أعمال مقاولات تم تنفيذها تقدر تقريباً 8 مليار دولار أمريكي، حيث أن ثلث هذا المبلغ المستحق تم الموافقة عليه من قبل الحكومة السعودية لكن لم يدفع بعد والباقي لمطالبات تم أرسالها للحكومة السعودية لكن لم يتم الموافقة عليها بعد. هذا وقدا أشارالتقرير أيضاُ بالأستناد إلى أحد مدراء شركة سعودي أوجيه أن وزارة المالية السعودية لم تقم منذ عام تقريباً بتسديد أي دفعة من المبالغ المستحقه عليها للشركة مما أدى الى تفاقم الأزمة المالية.
إذاً الشركة وبلا أدنى شك تعاني من أزمة مالية خانقة قد تؤدي إلى أعلان افلاسها وبالتالي لن تتردد في أتخاذ أي قرار يصب في مصلحتها للخروج من هذة الأزمة. مؤخراً وفي المساعي الرامية لتطويق هذة الأزمة كان هنالك العديد من الحلول المقترحة على طاولة المفاوضات ما بين الحكومة السعودية وشركة سعودي أوجيه، لكن هذة المفاوضات وللأسف التي أستمرت خلال النصف الأول من هذا العام أنتهت تقريباّ منذ شهرين دون التوصل إلى أي اتفاق. وحسبما أشار تقرير وكالة رويترز فأن أخر الحلول التي تم مناقشتها على طالة المفاوضات يتمثل في حلين. الأول هو أن تقوم شركة سعودية أوجيه ببيع حصتها في شركة أوجيه للاتصالات التابعة لها وهي شركة  اتصالات سلكية ولاسلكية ومقرها في دبي ولها عمليات تشغيلية في كل من تركيا وجنوب افريقيا حيث تمتلك الشركة 55 في المئة من شركة تورك تيليكوم « Turk Telecom» في تركيا و 75 في المئة من شركة سيل س «Cell C» في جنوب افريقيا، بينما تتمثل عملياتها التشغيلية في كل من الأردن والسعودية ولبنان من خلال شركة «سيبيريا» لخدمات الإنترنت.
الحل الثاني يتمثل في أن تقوم شركة سعودي أوجيه ببيع حصتها البالغة 20 في المئة من البنك العربي حيث تقدر هذة الحصة بما يعادل 1.7 مليار دولار امريكي من أجمالي القيمة السوقية للبنك حسب أخر سعر أغلاق لسهم العربي. والبنك العربي هو شركة أردنية مساهمة عامة مركزها الرئيسي يقع في عمّان و يبلغ عدد موظفيها الاجمالي حول العالم 6,575 منهم تحديداً 2,934 موظف داخل الأردن. وايضاً يمتلك البنك العربي بنسبة تملك 100 في المئة ثلاث شركات تعمل داخل الأردن هي البنك العربي الاسلامي الدولي ويعمل لديه 852 موظف أردني، الشركة العربية الوطنية للتأجير، وشركة مجموعة العربي للأستثمار. بينما هنالك شركة واحدة تابعة للبنك داخل الأردن (يمتلك فيها البنك ما يزيد عن عن 51 في المئة) هي شركة النسر العربي للتأمين. إذاً مجموعة البنك العربي تشغل بشكل مباشر داخل الأردن ما لا يقل عن 4000 موظف أردني ومن كلا الجنسين، وأيضاً البنك العربي رفد خزينة الحكومة الأردنية خلال الفترة من 2013 إلى 2015 بما لا يقل عن نصف مليار دولار امريكي كضرائب. وبالتالي فمصير البنك العربي يرتبط بمصير ألاف الأردنيين وكذلك عائلاتهم وللبنك أثر كبير على الاقتصاد الأردني سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر.
يا ترى إذا ما قامت شركة سعودي أوجيه ببيع حصتها البالغة 20 في المئة من البنك العربي (حسبما أشار تقرير رويترز) فماذا سيكون تداعيات مثل هذا القرار على مجموعة البنك العربي وعلى الاقتصاد الأردني ؟ ً أيضاً ما هي تداعيات عملية البيع على حصة صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي في البنك العربي؟ صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي والتابع لمؤسسة الضمان الاجتماعي في الأردن يعد ثاني اكبر مستثمر في البنك العربي وبنسبة تملك تبلغ 16 في المئة.  أيضاً ماذا عن البعد السياسي أذا ما تم بيع حصة سعودي أوجيه في البنك العربي لمشتري غير مرغوب به من قبل الحكومة الأردنية ولا سيما في ظل وجود العديد من الصراعات والنزاعات في المنطقة؟
خلاصة ما سبق أن الأزمة المالية لشركة سعودي أوجيه ستمتد تداعياتها عاجلا أم آجلاً إلى الاقتصاد الأردني، وعليه يجب على الحكومة الأردنية وأيضا ًعلى صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي دراسة كل البدائل المتاحة وأثارها المتوقعة لمحاولة الخروج من هذة الازمة بأقل الخسائر.
من وجهة نظري ستقوم شركة سعودية أوجيه وقبل نهاية هذا العام بأتخاذ بعض القرارت المصيرية المتعلقة ببيع جزء من استثماراتها مثل حصتها في البنك العربي ولا سيما أن الشركة يستحق عليها للبنوك بنهاية شهر 2 لعام 2017 دفعات تقدر تقريباً 1 مليار دولار امريكي.  وأيضاً لا أنصح بأن يقوم صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي بشراء حصة سعودي أوجيه في البنك العربي والبالغة تقريباً 1.7 مليار دولار امريكي لأنها لا تتفق مع سياسة الصندوق الاستثمارية والمتمثلة بتوزيع المخاطر، ولا سيما أن 31% من اجمالي موجودات الصندوق الحالية  والبالغة تقريباً 11 مليار دولار امريكي هي في محفظة الاستثمار بالاسهم.
كاتب ومحلل اقتصادي مقيم في عمّان
أستاذ المحاسبة المالية في جامعة آل البيت
زميل باحث زائر مع معهد الاستثمار والتمويل في جامعة ليدز- بريطانيا

 

 


 الجزائر تلمح لاصطفاف نفطي مع إيران ضد السعودية وروسيا
دبلوماسية النفط لن تتوقف عن الاشتغال إلى غاية الدقائق الأخيرة لانطلاق الاجتماع، وتبقى كل الاحتمالات واردة.
لم يخف وزير النفط الجزائري نورالدين بوطرفة أن اللقاء مع السعودية وروسيا في اجتماع دول من منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك وخارجها، والذي ينطلق اليوم في العاصمة الجزائرية، لن يكون لمجرد تبادل التحايا، ما يعني أن موقف الجزائر لن يكون داعما لخيار تثبيت الإنتاج، وأنه قد يكون في صف إيران لمنع تقييد الدول بسقف معين.

يأتي هذا فيما يقول مسؤولون إيرانيون إن اجتماع الجزائر مجرد لقاء استشاري لا يجب انتظار قرارات مهمة منه، في إشارة إلى رفض إيران القبول بالتثبيت والحكم على الاجتماع بالفشل قبل بدئه.

وقال وزير الطاقة الجزائري نورالدين بوطرفة، في مؤتمر صحافي عشية الاجتماع، “لن نلتقي السعودية وروسيا وإيران من أجل تبادل التحايا”، ما يعني أن الجزائر ستحاول التأثير على سير الاجتماع من خلال الانحياز لإيران الطرف الضعيف الذي يبحث عن تشكيل تحالف لوقف تنفيذ الاتفاق الروسي السعودي حول تثبيت الإنتاج.

وقلل الخبير النفطي شمس الدين شيتور، في اتصال مع “العرب” من فرصة التأثير الجزائري، قائلا إن سوق النفط “تمر بتوترات كبيرة، وقوة التأثير خرجت من أيدي الأعضاء التقليديين لمنظمة الأوبك، فأوبك القرن الماضي ليست أوبك الألفية الحالية، والدبلوماسية الجزائرية التي كان تأثيرها يفوق أرقامها داخل المنظمة، ليست هي الدبلوماسية الحالية، وحتى المعطيات تغيرت كثيرا، ففي السابق كانت الحرب في سوق النفط حرب أسعار، أما الآن فهي حرب حصص ومن يحوز على إنتاج ومخزون أكثر”.

وأضاف شيتور “لا تنتظروا معجزات من قمة الجزائر، سوق النفط لم تعد بأيدي الأعضاء التقليديين في الأوبك، ولا حتى بيدي الأوبك نفسها، وأن الوضعية معقدة ومتشابكة بين مصالح استراتيجية وجيوسياسية متداخلة، لا تمسك بخيوطها إلا القوى الفاعلة”.

لكن وزير النفط الجزائري هون من التوقعات بالفشل، وتوقع التوصل إلى اقتراحات مهمة لوضع سقف للإنتاج “لستة أشهر أو سنة، أو على الأقل سيتم الخروج باتفاق مبدئي يرسم في اجتماع الأوبك الرسمي في شهر نوفمبر المقبل، وأنه لن نلتقي لتبادل التحايا، ونخرج بخفي حنين، فدول أوبك واعية بضرورة اتخاذ قرارات حاسمة، سواء في الجزائر أو في فيينا.. الوضع يجب أن يتغير”.

وعلمت “العرب” من مصادر رسمية في الجزائر، أن دبلوماسية النفط لن تتوقف عن الاشتغال إلى غاية الدقائق الأخيرة لانطلاق الاجتماع، وأن كل الاحتمالات واردة، فقد تتغير المواقف والتوجهات بين الفينة والأخرى.

وفيما تتحرك طهران من وراء الستار لجذب دول من الصف الثاني لتحالفها، فإن الدول الداعمة لتحديد سقف الإنتاج تستمر بالتفاؤل بنجاح اجتماع الجزائر في إحداث اختراق إيجابي في ذات الاتجاه.

وقالت الإمارات العربية المتحدة الاثنين إنها ستؤيد تثبيتا عالميا لإنتاج النفط من أجل تعزيز أسعار الخام.

وهبطت أسعار النفط إلى أقل من النصف منذ 2014 بسبب تخمة المعروض من الخام مما دفع منتجي أوبك وروسيا إلى السعي وراء إعادة التوازن إلى السوق بما يعزز إيرادات تصدير الخام ويدعم ميزانيات هؤلاء المنتجين.

وكانت السعودية عرضت تقليص إنتاجها إذا وافقت إيران على تثبيت الإنتاج وهو الأمر الذي فهم على أنه مناورة ذكية من الرياض لإرباك مساعي طهران لتشكيل تحالف ضد تثبيت الإنتاج.

وقال مبعوث غير خليجي “نأمل أن يكون هناك تثبيت للإنتاج. نتوقع أن يكون هناك اتفاق مسبق”.

وأضاف مبعوث آخر أن التركيز سينصب على محاولة إقناع إيران بتثبيت الإنتاج عند مستويات مقبولة لبقية الدول الأعضاء في أوبك.

وظل الإنتاج الإيراني عند نحو 3.6 مليون برميل يوميا في الأشهر الثلاثة الماضية وهو مستوى قريب من حجم ما كانت تنتجه البلاد قبل فرض العقوبات الأوروبية في 2012.

وفي الوقت الذي يتوجه فيه وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الجزائر لإجراء محادثات بشأن خفض الإنتاج فإن التطورات في موسكو تشير إلى أن روسيا الدولة غير العضو في المنظمة مازالت غير مستعدة لأي تحرك منسق بشأن الإنتاج.

 

 


 مقاطع عديدة لسايكس بيكو جديدة
د. سعيد الشهابي
Sep 26, 2016
بعد مرور مائة عام على الاتفاقية المشؤومة بين الدول الاستعمارية الكبرى آنذاك، بريطانيا وفرنسا، تتواصل سياسة التقسيم والتفتيت، وتعلو اصوات التمزيق وتضخيم التباينات في اوساط امة المسلمين، حتى يبلغ الامر ان تكون اصوات الوحدة مرفوضة يتعرض اصحابها للسخرية والتنكيل. وما ان يظهر قادة يرفعون شعار الوحدة حتى يتعرضوا لأبشع اشكال المواجهة والتنكيل.
لقد فعلت سايكس بيكو فعلها، وساهمت في تمزيق اوصال الامة مائة عام، خصوصا بعد الاعلان الرسمي عن انتهاء الدولة العثمانية. فبرغم ضعفها وسلبياتها، كانت تمثل محور الارتكاز لأمة المسلمين في حقبة كانت القوى الاستعمارية تتقاسم النفوذ على بلاد المسلمين. وخلال القرن الماضي استهدف كل من سعى لاستعادة «المجد الضائع» باقامة دولة جامعة لشتات الامة، او توحيد كلمة مكوناتها. اصبحت كلمة الوحدة، كما هي اليوم، مرفوضة، ليس من اعدائها فحسب بل من بعض قطاعات الامة نفسها. رفع الامام الشهيد حسن البنا، لواء الدولة والوحدة، فكان نصيبه الاستهداف ثم الاغتيال في واحدة من اشد تاريخ الامة سوادا، متزامنا مع احتلال فلسطين واقامة الكيان الاسرائيلي. واذا كانت الوحدة تحت شعار الإسلام مرفوضة، فقد بقي المفهوم نفسه موضع تهكم وان كان بعناوين اخرى، كالقومية. ولذلك استهدف جمال عبد الناصر حين سعى لايجاد ارضية مشتركة بين العرب على اساس القومية العربية. وحين رفع الامام الخميني شعار الوحدة الإسلامية استقبل ذلك الشعار بعداء مكشوف من اعداء الامة.
هذه المرة كان الإعلام سلاحا ماضيا لمحاربة محاولات التقريب والوحدة. واستخدم هذا الإعلام وبقية اسلحة التمزيق بعد ما بدا من يقظة حديثة لشعوب الامة. فالربيع العربي انطلق من اجل حرية الشعوب العربية. لأن الحرية شرط للوحدة بينما العبودية تسلب حق القرار والاختيار. هذه المرة كانت ردة فعل اعداء الامة غير مسبوقة في وحشيتها وجنونها. فوضعت خططا ليس لمنع التحول الديمقراطي فحسب، بل للقضاء على مظاهر الصحوة والوعي، واعادة الجماهير إلى السبات مجددا.
ان ما حدث بعد قمع ثورات الربيع العربي لا ينفك عن مشروع النسخة المجددة لسايكس بيكو. وحيث ان من المستحيل تفكيك الامة الواعية التي يتمتع افرادها بحرية القرار، فقد انطلق دعاة التمزيق لتنفيذ مشروعهم بطرح ايديولوجيات تقضي على الوعي وتخدر الجماهير وتشغلهم بما لا طائل فيه من الجدال العقيم، وترويج مقولات الانتماء العرقي والمذهبي لضمان عدم تحقق الوحدة. فالباحثون عن الحرية في شوارع العواصم العربية في ربيع 2011 كان لدى قطاع كبير منهم بصيرة عميقة بضرورة توحيد الصف الوطني لأن ذلك شرط لانتصار الثورة. انطلق الثائر التونسي او المصري او اليمني او السوري او البحراني على اساس الانتماء للانسانية، فالبشر جميعا، على اختلاف اعراقهم واديانهم، يستحقون الحرية والكرامة، ولا يجوز معاملتهم باية وسيلة حاطة بالكرامة الإنسانية.
المنخرطون في مشروع التغيير الثوري كانت لديهم تجارب وخبرات في مجالات الحرية وحقوق الانسان، ولم يكونوا مشدودين للايديولوجيات المدمرة التي تحول دون وحدة الامة وشعوبها. كان الهتاف موحدا من تونس إلى البحرين: الشعب يريد اسقاط النظام (الذي مزق الامة وفشل في مواجهة الاحتلال). تلك الجماهير الواعية كانت تعي ان غياب الحرية عن المجتمعات من اهم اسباب الفرقة والضعف، وان ضعف الامة في مواجهة الاحتلال الذي استمر اكثر من ستين عاما، لا يمكن تلافيه إلا بان تكون الشعوب حاضرة في الميادين لتضمن قدرتها على اتخاذ القرار. وكثيرا ما قيل ان انهاء احتلال فلسطين لا يحتاج اكثر من حفنة تراب من ايدي المسلمين لتغمر ارض فلسطين وتنهي الاحتلال. فكان لا بد من تغييب الوعي الذي يفضي إلى قيام كيان إسلامي بهذا الحجم. وهذا يقتضي دعم الاستبداد والتصدي لمحاولات الشعوب نيل حريتها وتقرير حق مصيرها وانتخاب انظمة حكمها وتحديد سياساتها المحلية والدولية. انه صراع سياسي يتخذ من الاختلافات الطبيعية والدينية وسائل لضمان التفوق في المعركة الفاصلة بين الامة الواعية والكيان المسجى على المغتسل.
هذه الحقائق لا يختلف عليها الواعون والمخلصون من ابناء الامة، فليس هناك من رواد الحركة الإسلامية المبدئية من لا يقول بذلك. ولكن الجانب التطبيقي للقناعات مختلف تماما. مع ذلك لا بد من العمل الحثيث لتحقيق الوعي العملي الذي يتجاوز مؤامرات الآخرين، وذلك باستيعاب الحقائق التالية: الاولى: ان ايجاد كيان إسلامي متماسك واجب ديني، اي ان وحدة المسلمين ليست من القضايا التي يمكن اخضاعها للمناقشة او المساومة، بل ان مفهوم الامة لا يتحقق إلا بوحدة ابنائها «وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون». وحتى في احلك الظروف فان على رواد الحركة الإسلامية العمل لمنع التفكك والخلاف «ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، واولئك لهم عذاب عظيم». فالامة ستكون مستحقة للعقاب الالهي ان هي تفرقت في الدين. الثانية: ان الامة المتوحدة قادرة على تقرير مصيرها، وذلك بالتعاون والتكاتف ومواجهة الظلم والدفاع عن المظلومين ليس من ابنائها فحسب بل من المنتمين للانسانية. الثالثة: ان الاختلافات الاجتهادية ضمن الدين الواحد امر طبيعي لتطوير السجال العلمي والبحث واثراء التفاعل الفكري والمعرفي، ولا يجوز تحويلها إلى صراعات تؤدي للفرقة والتناحر. الرابعة: ان صراع القوى في العالم يهدف لامور من بينها الهيمنة على بلاد المسلمين والسيطرة على ثرواتهم، خصوصا النفط، بالاضافة لفتح اسواقها امام الاطماع الغربية. الخامسة: ان ما يجري في بلاد المسلمين ليس امرا طبيعيا، بل امر مفتعل. فالتعدد العرقي او الديني او المذهبي ليس جديدا، بل انه موجود منذ القدم ليس في بلاد المسلمين فحسب، بل في اغلب بقاع العالم. فتلك ارادة الهية «ولو شاء الله لجعلهم امة واحدة ولا يزالون مختلفين». السادسة: ان الانشغال بالصراعات الداخلية يحول دون تحقق النهضة او حماية الحدود او تطوير الامكانات او الحفاظ على السيادة. والمنطقي ان ينبري المخلصون من ابناء الامة، كل من موقعه، لانهاء الفصل الاسود الذي أبعد الشعوب عن الصراع الحقيقي وأطمع الآخرين فيها، وذلك بالتركيز على الثوابت، وبث الأمل ولملمة الشمل. فتلك خطوات على الطريق الصحيح.
لقد توسعت دائرة التفتيت والتمزيق حتى اتسع الفتق على الراتق. مع ذلك ما يزال ثمة مجال للسيطرة على الامور ومنع المزيد من التداعي. ولكن ذلك يتطلب وعيا حقيقيا بالمخطط نفسه، والسعي لتجاوز العصبيات العرقية والدينية، بالاضافة لاستيعاب الحقائق المذكورة آنفا. الولايات المتحدة الأمريكية مستمرة في فرض ظاهرة القطب الواحد على النظام السياسي الدولي، ولا تريد منازعا لها سواء على المستوى الاقليمي او الدولي. وبروز روسيا كلاعب اساسي في شؤون المنطقة لا يغير كثيرا من الواقع، لأن روسيا ليست طرفا مستقلا في الصراع المحتدم، ففي الوقت الذي تتعاون فيه مع إيران حول القضية السورية فانها تتعاطى مع السعودية كذلك، وتزود دول الخليج بالسلاح المتطور لديها. ووجودها العسكري في سوريا ينطلق من رغبتها في تثبيت موطئ قدم لها في المنطقة بعد عقود من الاستحواذ الأمريكي عليها. وليس سرا القول بان أمريكا تسعى لتفتيت البلدان العربية الكبرى وفق خطوط التمايز العراقي والمذهبي. والواضح ان داعش اصبحت الشماعة التي توفر مادة للقوى المتعددة لتبرير التدخل الاجنبي الذي لم يؤد إلا إلى المزيد من التمزق. فالعراق يدفع ضريبة التدخل الأمريكي الذي فرض عليه نظاما سياسيا شاذا تحت عنوان «المحاصصة». وتتواصل ضغوط واشنطن على الساسة العراقيين للقبول بمقولة «الفيدرالية» التي تعني عمليا، تقسيم العراق. اما في سوريا فتكشف وثيقة صادرة عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية في العام 2012 كشف النقاب عنها في أيار/مايو 2015 الرغبة الغربية في تقسيم سوريا: «هناك احتمال اقامة مقاطعة سلفية معلنة او غير معلنة في شرق سوريا (الحسكة ودور الزور). وهذا ما تريده القوى الداعمة للمعارضة بالضبط لعزل النظام السوري الذي يعتبر العمق الاستراتيجي للتمدد الشيعي». ومن المؤكد ان الغربيين لا يبحثون عن مصالح السنة او الشيعة، بل يسعون لتنفيذ خططهم. ويؤكد الاستهداف الأمريكي لقوات النظام السوري في دير الزور الاسبوع الماضي هذا التوجه. فواشنطن تسعى لتقسيم البلدان الكبرى في المنطقة مثل العراق وتركيا وإيران ومصر واليمن. يفعلون ذلك تارة بتمكين المجموعات المتطرفة واخرى بترويج مقولات تضعف السلطات المركزية في هذه البلدان تحت مقولة «حقوق الاقليات». فتحويل العراق إلى نظام فيدرالي انما هو تقسيم فعلي للعراق وليس حماية مصالح الاقليات. وما يحدث في ليبيا كذلك ليس منفصلا عن مخطط التقسيم الذي يعتبر مقدمة لهيمنة غربية جديدة في اطار نسخة جديدة من سايكس بيكو.
هذه القضايا واضحة في اذهان الكثيرين من ابناء الامة، خصوصا السياسيين من الحكام والمعارضين، ولكن ارادة التصدي لها غائبة عن الجميع، بل ان الانتظار المصحوب بعدم الاكتراث او التخطيط اصبح سيد الموقف. وهذا ليس موقفا مسؤولا بل يعكس تردي الاوضاع لمستويات دنيا غير مسبوقة. فاذا كان الامر كذلك فالنتيجة الوحيدة المتوقعة تتمثل بالمزيد من التقسيم والتجزئة والتناحر الداخلي وضياع بوصلة الجميع في اتون حروب تعيد للذاكرة ما حدث بين «امراء الطوائف» في الاندلس قبيل السقوط النهائي للوجود الإسلامي هناك. هذه المرة يتكرر ذلك في عصر المعلومات التي توفر الادلة والتجارب السابقة، ولكن ما جدوى ذلك حين يغيب الوعي ويموت القلب؟

 

 


 السفير
العرب ومفارقات المقارنة بين إيران وتركيا
مصطفى اللباد
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-09-26 على الصفحة رقم 13 – قضايا وآراء
يختلف العرب حول قضايا وملفات متعددة، يأتي في طليعتها الخلاف حول أفضلية أي من إيران وتركيا في لعب أدوار قيادية في المنطقة بعد تراجع الأدوار العربية فيها. ومع احتدام الصراع بين المشروعات الإقليمية المختلفة، يغيب العرب عامة برؤاهم وأفكارهم، التي شكلت تاريخياً حيزاً لا يمكن إنكاره من النقاش العام في المنطقة. انتعشت الأدوار الإقليمية لإيران وتركيا في المنطقة تاريخياً مع فراغ القوة العربية ـ بمعناه الشامل ـ ما شكل الأساس الموضوعي للتنافس على النفوذ بين هاتين القوتين الإقليميتين غير العربيتين. وترتب على ذلك التنافس أن أصبح الانتماء الطائفي محدداً في أغلب الأحيان للميل العاطفي وغير العقلاني بالضرورة، نحو إيران أو تركيا. ويشي تقليب النظر في المقارنة الموضوعية بين إيران وتركيا، بوجود ثلاث مفارقات لا يمكن القفز فوقها تحليلياً: أولاً، كلا البلدين محافظ بامتياز، ثانياً، كلا النظامين يقتربان من بعضهما البعض في جوانب، ثالثاً، كلاهما يؤدي دوراً مشابهاً في الصراعات الكونية الكبرى لعالمنا الراهن.
التصنيف بين اليمين واليسار
تتمثل المفارقة الأولى في تشابه تصنيف كلا البلدين في خانة الاستقطاب الطبيعي في المجتمعات بين اليمين واليسار؛ إذ كلاهما يميني بامتياز. فإذا نظرنا إلى معيارين مركزيين للتصنيف، مثل الموقف الاقتصادي والاجتماعي لنظامي الحكم في إيران وتركيا والانحيازات الاجتماعية لهما، تتأكد النتيجة بانتمائهما معاً إلى اليمين برغم الخطاب السياسي المغاير لكل منهما. وفوق ذلك، لا الدولة الدينية ـ بغضّ النظر عن الدين ذاته ـ يمكن تصنيفها حداثية أو تقدمية حتى ولو رفعت شعار «مناهضة الإمبريالية»، ولا الدولة المنضوية حتى النخاع في «حلف الناتو» والمتبنية بتفان وإخلاص الأجندة النيوليبرالية يمكن النظر إليها بوصفها كذلك. المفارقة الثانية أن كلاً من نظامي الحكم في إيران وتركيا يقترب في جوانب من الآخر، فإيران وإدارة حسن روحاني تتبنى بوضوح هدف الانفتاح على مراكز صنع القرار العالمي، وتتوسل المفاوضات النووية مع الغرب للاندماج أكثر في الاقتصاد العالمي بطبعته النيوليبرالية (وهنا تركيا سباقة)، في حين أن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا يقترب من مفردات الهوية الدينية وعلاقتها بالمجتمعات (وهنا إيران سباقة).
مفارقة الجيوبوليتيك
تتجسد المفارقة الثالثة الأكثر أهمية في تشابه الوظيفة الجيوبوليتيكية لكلا النظامين في إطار الصراعات الكونية الكبرى الدائرة منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى الآن، مع الإقرار بأن تاريخ كل من إيران وتركيا شهد صدامات متكررة مع قوى كبرى في العصور الماضية. والمقصود بهذا الصراع الكوني بين القوى الكبرى هو ذلك الصراع الجيوبوليتيكي الأساسي في عالمنا الحديث، بين القوى البحرية «التالاسوقراطيا» بزعامة بريطانيا العظمى ثم الولايات المتحدة الأميركية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والقوى البرية «التيلوروقراطيا» بزعامة روسيا القيصرية ومن بعدها الاتحاد السوفياتي ثم روسيا الاتحادية. في هذا السياق، تبرز ثلاث مساهمات مركزية للصراع الكوني من منظار القوى البحرية: الاستراتيجي الإنكليزي هالفورد ماكيندر ومؤلفه «المحور الجغرافي للتاريخ»، والأدميرال الأميركي ألفريد ماهان ومؤلفه «تأثير القوى البحرية على التاريخ»، والاستراتيجي الأميركي نيكولاس سبيكمان ومؤلفه «استراتيجية أميركا في السياسة العالمية: الولايات المتحدة وميزان القوى». ومن بعدهم جاء زبغينو بريجينسكي الذي طور أفكار الرواد الثلاثة ويملك نفوذاً كبيراً في تشكيل الاستراتيجيات الكونية الأميركية حتى يومنا هذا.
لعبت إيران وتركيا دوراً مركزياً في تحقيق الانتصار للقوى البحرية بزعامتها البريطانية على روسيا القيصرية، في ما أطلق عليه «اللعبة الكبرى» في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم بقيادتها الأميركية ضد الاتحاد السوفياتي السابق ومن بعد نهاية الحرب الباردة ضد روسيا الاتحادية، عبر منع القوة البرية الروسية ـ أياً كان توجهها الأيديولوجي ـ من الوصول إلى المياه الدافئة. ومردّ ذلك أن جغرافيا إيران تمنع روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة عبر السلسلة البحرية (الخليج العربي - بحر العرب - المحيط الهندي)، مثلما تمنع الجغرافيا التركية القوى البرية بقيادة الاتحاد السوفياتي ومن بعده روسيا من الوصول إلى المياه الدافئة عبر السلسلة البحرية (البحر الأسود - بحر إيجه - البحر الأبيض المتوسط)، فتظل روسيا مارداً برياً (أكبر دولة في العالم من حيث المساحة) وقزماً بحرياً (من دون منافذ بحرية إلى طرق التجارة الدولية).
ومع التشابه الوظيفي الواضح في الصراع الكوني الكبير لأدوار تركيا وإيران، تفسح التصميمات الدولية هامشاً لحركتهما الإقليمية. يحتفظ كلاهما بمصالح مشتركة مع الآخر حيال العالم العربي، وأخرى متضاربة تجاهه، بحيث يملأ تنافسهما وتعاونهما في آنٍ معاً فراغ القوة فيه وفق نسق (تتغير بعض قسماته بمرور الزمن واختلاف الظروف) يصب في غالب الأحوال في مصالح القوى الكونية البحرية، مع استثناءات زمنية ضئيلة نسبياً.
حجزت السلطنة العثمانية منذ منتصف القرن الثامن عشر بجغرافيتها الكتلة البرية الروسية عن المياه الدافئة وذلك حتى قيام الجمهورية التركية في العام 1923، واستمرت الأخيرة في لعب الدور ذاته منذ تأسيسها حتى الآن بلا انقطاع. ولعبت إيران الدور عينه منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى العام 1979، أي أكثر من مئتي سنة، في مقابل انقطاع ست وثلاثين سنة هي عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها لغاية الآن.

 

 


اعترافات خطيرة لمشعل بأخطاء حركة “حماس″.. ونقد غير مسبوق لاخفاقات الإسلاميين وكشف عيوبهم.. لماذا جاءت هذه المراجعات الآن؟ وهل ستتبعها تغييرات استراتيجية؟ هنا نتفق وهنا نختلف مع السيد مشعل
عطوان/راي اليوم/25 سپتامبر 2016
بعد فك حركة “النهضة” التونسية ارتباطها بحركة “الاخوان المسلمين”، وتأكيد السيد عبد الاله بنكيران، رئيس الوزراء المغربي، ان “حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي اليه ويتزعمه ليس “اخوانيا”، ها هو السيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس″ يبدأ، للمرة الأولى، سلسلة من المراجعات و”النقد الذاتي”، ولكنها لم تصل الى درجة اعلان البراءة من “الاخوان”، ربما لأنه سيصبح قريبا رئيسا سابقا لحركته، ولا يريد قطع الجسور معهم أولا، ولحفاظه على علاقات مع بعض المنظمات الإسلامية، مثل هيئة كبار العلماء المسلمين التي يتزعمها الشيخ يوسف القرضاوي.
السيد خالد مشعل فاجأ المشاركين في ندوة نظمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة يوم أمس (السبت)، تحت عنوان “التحولات في الحركات الإسلامية”، عندما طرح العديد من الاعترافات غير المسبوقة من قبله، او من حركة “حماس″، نوجزها في النقاط التالية، قبل ان نعرج عليها بالتعليق والتمحيص:

الأولى: التأكيد بأن حركة “حماس″ أخطأت عندما استسهلت حكم قطاع غزة بمفردها بعد حدوث الانقسام الفلسطيني مع حركة “فتح”، وعقب فوزها في الانتخابات البرلمانية عام 2006.
الثانية: قوله “اخطأنا عندما ظننا ان زمن “فتح” انتهى، وزمن “حماس″ بدأ، وفتح أخطأت عندما ارادت اقصاءنا”.
الثالثة: اشارته الى ان هناك خطأين ارتكبهما الإسلاميون خلال وقت الثورات: الأول عندما بالغوا في تقدير الموقف وقلة الخبرة، وغياب المعلومة الدقيقة، والثاني الخلل والنقص في التعامل مع شركاء الوطن.
الرابعة: التأكيد على عدم التدخل في الصراعات في المنطقة، فنحن مع الشعوب، ومع استقرار الامة أيضا.. نجتهد في إدارة علاقاتنا السياسية مع دول المنطقة، استنادا لمصالحنا وضروراتها كحركة تحرير ومقاومة، وإذا تعارضت المصالح ننحاز الى مبادئنا.

***
عدم رغبة السيد مشعل للترشح لرئاسة المكتب السياسي لحركة حماس، التي كانت من ابرز عناوين مداخلته، تعود الى امرين: الأول، ان الحركة قررت ان تتمسك بنظامها الأساسي في عدم التجديد لرئيس مكتبها أكثر من دورتين، والسيد مشعل استنفذ الدورتين، اما الثاني، فرغبة السيد مشعل الشخصية في ترك هذا المنصب لأسباب عديدة لا نريد سردها، ولكن للتاريخ نقول بأنه وعندما التقيته على هامش آخر مؤتمر لحزب العدالة والتنمية برئاسة السيد رجب طيب أروغان، الذي انعقد في انقرة أواخر عام 2012، اكد انه لن يترشح في انتخابات الحركة في ذلك العام، ولولا تدخل الرئيس المصري في حينها محمد مرسي، والشيخ القرضاوي وآخرين، لما تراجع عن هذا الموقف.
اما بالنسبة الى اعترافه الأهم فلسطينيا، بأن الحركة “استسهلت” حكم قطاع غزة، فإن هذا الاعتراف يتطلب خطوات تصحيحيه، أبرزها ان “حماس″ لم تتعمد اقصاء حركة “فتح” او العكس، وانما معظم الفصائل الأخرى، وفئة المستقلين أيضا، وهم الأغلبية في الساحة الفلسطينية، وتعمدت، مثل معظم الفصائل الإسلامية الأخرى، التعاطي فقط مع الإسلاميين، ولم تؤمن بالشراكة مطلقا، والدليل ان معظم المشاركين في الندوة المذكورة كانوا منهم، أي انه لم يتغير الكثير، وكان المأمول ان يقدم السيد مشعل هذه المراجعات المهمة في ندوة موسعة، ومن كل الوان الطيف، ليكون هناك مجال لنقاش أوسع.
ولعل السيد مشعل وضع اصبعه على الجرح، عندما طالب الإسلاميين باحترام نقد الآخرين لهم، فمن المؤلم انهم، أي الإسلاميين، وفي ذروة حالة الغرور التي اصابتهم، وحكمت سياساتهم ومواقفهم اثناء بروز نجمهم في الثورات العربية واكتساحهم لصناديق الاقتراع، اقصوا أي لون آخر من الوان الطيف السياسي والعقائدي، بما في ذلك أبناء جلدتهم، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، المرشح الرئاسي والإخواني السابق احد الأمثلة، والقائمة طويلة.
صحيح ان السيد مشعل رد هذا الخطأ الى “المبالغة في تقدير الموقف”، واردفه بـ”قلة الخبرة وغياب المعلومة والخلل في التعامل مع شركاء الوطن”، وهذا كله صحيح، ولكن هذا تبرير غير دقيق، لان مبدأ الشراكة غائب في الأساس عن ادبيات الحركات الإسلامية “المعتدلة”، ناهيك عن المتطرفة منها.
لا شك ان قلة الخبرة، وغياب المعلومة الدقيقة اديا الى حدوث أخطاء، ولكن لا يحتاج الامر اليهما عندما يتعلق الامر باتخاذ قرارات استراتيجية بديهية، مثل اصدار فتاوى التكفير في حق زعماء عرب لمصلحة التدخلات الأجنبية العسكرية، او اعلان الجهاد في سورية، واغلاق سفاراتها في القاهرة، والإبقاء على السفارة الاسرائيلية، وكنت أتمنى لو ان السيد مشعل تطرق الى هذه المسألة في مراجعاته الجريئة.
حركة “حماس″ في رأينا تعرضت للتضليل المتعمد في بداية الثورات العربية، من خلال تزويدها بالتقديرات الخطأ، ولتوظيفها في خدمة اجندات تتعارض مع مبادئها وقيمها وكونها حركة تحرير لها مكانة بارزة في اذهان مئات الملايين من العرب والمسلمين، وحققت إنجازات تاريخية في تصديها لعدوانين إسرائيليين في أربع سنوات، وتنفيذ العشرات من العمليات الفدائية التي اوجعت الاحتلال واصابته في مقتل، والسيد مشعل يعرف اننا نعرف الكثير في هذا المضمار، وربما تكون لنا عودة بتفاصيل اكثر في المستقبل، ورواية الجانب الآخر من فصول التاريخ.
السيد مشعل استخدم تعبيرا له أكثر من معنى عندما قال “نجتهد في إدارة علاقاتنا السياسية مع دول المنطقة استنادا الى مصالحنا وضروراتها كحركة تحرير ومقاومة، وإذا تعارضت المصالح ننحاز الى مبادئنا”، وهذا كلام مهم، ولكن بعض اجتهادات حركة حماس وقيادتها كانت خاطئة وفي غير محلها، وابرزها التخندق الطائفي وبطريقة تنطوي على الكثير من الاستفزازية، ودون أي داع، فلماذا يدين علماء الحركة مثلا مؤتمر غروزني انحيازا للسعودية التي أبعدت عنه، وشاركت فيه مصر بأربعة من اكبر علمائها ودول عربية أخرى عديدة، مثل المغرب والجزائر واليمن والأردن والعراق وسورية ودول اسلامية؟ ولماذا لم تقف على الحياد، والشيء نفسه يقال عن وقوفها في خندق في مواجهة خندق آخر في حرب اليمن؟
***
نقطة أخيرة نتوقف عندها في مراجعات السيد مشعل، وهي قوله “ما لدينا من سلاح هو اضعاف ما كنا نملكه خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة رغم اننا محاصرون”، وهذا كلام جميل يثلج الصدر، ويرفع الرأس عاليا، ولكن من حقنا ان نسأل السيد مشعل عن مصدر هذا السلاح، والتكنولوجيا العسكرية التي انتجت معظمه؟ هل قدمت الدول التي وقفت حركة “حماس″ وتقف في خندقها حاليا، رصاصة واحدة اليها، حتى ولو لبندقية صيد العصافير؟
نشكر السيد مشعل الذي أتاح لنا الفرصة من خلال مراجعاته ونقده الذاتي الجريء والشجاع لقول كل ما تقدم بكل صراحة ووضوح، ونأمل ان نشاهد في الايام المقبلة، وربما على ايدي قيادة حركة “حماس″ الجديدة القادمة ترجمات عملية لكل هذه المراجعات، واولها ان تطبق الحركة مبدأ الشراكة، والانفتاح على الآخر، وفق الثوابت السياسية الفلسطينية، ووضع قضية فلسطين فوق كل التقسيمات والفتن الطائفية، فهي قضية عربية وإسلامية وعالمية أيضا.

 

 


 السفير

 

السعودية... وصراع العروش الحقيقي
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-09-24 على الصفحة رقم 6 – عربي ودولي
في عودة بالزمن إلى عقد خلا، وأثناء تصفّح الأخبار الصادرة عن السعودية، يبرز اسم محمد بن نايف، الأمير الشاب ذي التوجّهات الإصلاحية التي من شأنها تأمين مستقبل المملكة. احتلّ الأمير واجهة الأحداث السياسية في السعودية، حيث كان يعمل على مكافحة الإرهاب، التحدّي الأكثر إلحاحاً للمملكة. كان ذكياً، وطموحاً، وحذقاً في تعامله مع الإعلام، ولم يشكّ أحد في رغبته بأن يصبح «الملك».
في نيسان من العام 2015، بعد أربعة أشهر من وصول عمّه الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى العرش، أصبح ولياً للعهد، في خطوة كسرت التقاليد والأعراف في المملكة، حيث أن الملوك الستّة السابقين للسعودية كانوا من أبناء الملك المؤسّس، الذين لا يزال عدد آخر منهم على قيد الحياة، وينتظرون في «طابور الإخوة». لكن في النهاية، اتُّخذ القرار، وتخطّت الخلافة جيلاً كاملاً، وأصبح بن نايف (57 عاماً) ولياً للعهد بشكل رسمي.
لكنّ هذا الواقع لم يعد مؤكداً. ففي العام الماضي، «دوّى» اسم محمد بن سلمان (31 عاماً)، ابن الملك سلمان، في الساحة السياسية السعودية بعد تعيينه وزيراً للدفاع وولياً لولي العهد، ليتولّى مهمة «فطام» المملكة عن النفط. وطغى حضوره على حضور ابن عمه، وسُلُطت الأضواء عليه، ووعد بسلسلة من الإصلاحات الجذرية، وكأن الملك سلمان يقوم بتهيئته ليكون خليفته.
من غير المرجّح أن يقبل ولي العهد محمد بن نايف بتخفيض منصبه، وهو الذي واجه مصاعب جمّة، وأبرزها محاولات اغتيال عدّة. في العام 2003، عزّز موقعه، عندما قبل استسلام أحد زعماء تنظيم «القاعدة»، كما نجا من محاولة اغتيال في العام 2009، عنـدما فجّر إرهابي «تائب» قنبلة بمؤخرته.
مثّل بن نايف بلاده، في الجمعية العامّة للأمم المتحدة التي انعقدت هذا الأسبوع في نيويورك، ودحض التكهّنات التي تحدّثت عن إمكانية تهميشه لمصلحة ابن عمه. وعلى الرغم من أن تكهّنات كهذه تُعدّ من المحرّمات في السعودية، إلا أن السعوديين يتهامسون في ما بينهم، حول «مؤامرات داخل القصر»، إذ يُبدي الأميران احترامهما واحدهما للآخر في العلن، لكنّ بوادر التوتّر بينهما تزداد.
مثال على هذا التوتّر، الحرب السعودية على اليمن، والتي قادها بن سلمان، بعد أسابيع قليلة من تعيينه وزيراً للدفاع. في البداية تباهى بن سلمان بقيادته «الحكيمة» للحرب، فالتقى الجنرالات وزار العواصم الأجنبية بمواكبة إعلامية. ومع تدهور الأوضاع في اليمن، قُدّم قرار الحرب على أنه «جماعي»، أي أنه على الجميع تحمّل المسؤولية.
وقال بروس ريدل، من معهد «بروكينغز» الأميركي: «ما يُثير الاهتمام، هو أن بن نايف لم يُسارع لتبنّي قرار الحرب»، بل على العكس، بدا بن نايف مستاء ثم سافر في كانون الأول 2015، إلى الجزائر، حيث قضى ستة أسابيع، وتجاهل واجباته في الداخل.
وعلى الرغم من المُحاولات لإظهار وجود نوع من الانسجام داخل العائلة المالكة، إلا أنه إذا أصبح بن نايف ملكاً، فإنه قد يُقيل ابن عمه (بن سلمان) من منصبه، ولهذا على الملك سلمان (80 عاماً)، والذي يُشكّك البعض في كفاءته البدنية والذهنية، التحرّك سريعاً إن أراد لابنه أن يتولّى العرش من بعده.
قد يبدو هذا الأمر صعباً لأن المملكة حُكمت، تقليدياً، بالإجماع الملكي، ناهيك عن أن الكثير من الأمراء يمقت فكرة تخطّي بن سلمان آخرين في «طابور اعتلاء العرش». كما أن حرب اليمن أصبحت عبئاً على كاهل بن سلمان، وكذلك التداعيات الموجعة لإصلاحاته الاقتصادية.
في المُقابل، يتمتّع ولي العهد بن نايف بشعبية كبيرة، فأثنى عليه الأمراء السعوديون والديبلوماسيون الأجانب، باعتباره رجلاً جدياً يعمل بدأب، فيما ينظر إليه الشعب السعودي بصفته «الحامي». وهذا الشهر، عزّز مكانته بعد نجاحه في الإشراف على مراسم الحج، بعد عام من حادث التدافع المُميت في منى. أما منظمات حقوق الانسان، فهي أقلّ إعجاباً به وتُحمّله، من بين أمور أخرى، مسؤولية تنفيذ حكم الإعدام برجل الدين السعودي نمر النمر في كانون الثاني الماضي.
يبدو بن نايف أكثر توازنا من ابن عمّه الشابّ. وفي الوقت الذي تخوض فيه السعودية عملية إصلاح جذرية، لا أحد يستطيع أن يجزم من هو الملك المُقبل، لكن من المؤكد أنه أحد «المُحمّدين».
(عن «ايكونومست» بتصرّف)

 

 


 مصر تعترف علنا بخلافاتها مع السعودية حول الملف السوري.. وتؤكد تمسكها ببقاء الرئيس الأسد.. لماذا جاء هذا الاعتراف الآن؟ وما هي أسباب هذا “الفتور” في العلاقات بين البلدين؟ وما هي الرسالة التي يريد شكري توجيهها من خلال لقائه بنظيره الإيراني في نيويورك؟
عبدالباري عطوان/راي اليوم/انگلستان/23 سپتامبر 2016
من تابع الاستقبال الحافل الذي حظي به العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، اثناء زيارته الرسمية الى القاهرة في ابريل (نيسان) الماضي، والآمال العريضة التي بنيت عليها سياسيا واقتصاديا وعسكريا، يخرج بانطباع بأن البلدين دخلا في تحالف استراتيجي إقليمي صلب، يمكن ان يستمر لعقود او سنوات على الأقل، ولكن الطموحات والتمنيات شيء، والواقع شيء آخر.
بعد خمسة أشهر من هذه الزيارة التي وصفها الاعلامان السعودي والمصري بأنها “تاريخية”، بدأت الهوة في العلاقات بين البلدين تتسع، وبدأت الوعود والاتفاقات المالية والسياسية “تتبخر”، فمشروع جسر الملك سلمان فوق خليج العقبة، والمنطقة التجارية الحرة التي ستقام في الجانب المصري منه في سيناء لم يعد يذكر، وربما جرى دفنه، وعدم تصديق البرلمان المصري على إعادة جزيرتي “صنافير” و”تيران” في فم الخليج المذكور الى السيادة السعودية لم يتم حتى الآن، رغم تصديق مجلس الوزراء السعودي الفوري عليه، والانكى من ذلك ان محكمة مصرية طعنت في هذا الاتفاق، وأكدت على بطلانه مرتين، والثالثة في الطريق.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي حظي بإطراء خاص على السنة المسؤولين السعوديين واعلامهم، باعتباره المنقذ لمصر، لم يعد كذلك هذه الأيام، بل بات موضع انتقادات كثيرة مباشرة، او غير مباشرة، وصل بعضها الى الشتم بكلمات نابية.
***
شهر العسل السعودي المصري لم يدم أكثر من ثلاثة أشهر على الاكثر، بدأت بعدها إجراءات “طلاق شبه بائن”، انعكس في مجموعة من الخطوات المصرية جاءت صادمة للشريك السعودي:

الأولى: المشاركة المصرية المكثفة في مؤتمر غروزني الذي انعقد قبل شهر في العاصمة الشيشانية، تحت عنوان “من هم اهل السنة والجماعة”، حيث شاركت في هذا المؤتمر الذي اعتبر “الوهابية” خارج هذا التعريف، أربعة من اهم المرجعيات الإسلامية المصرية وهم، شيخ الازهر، الدكتور احمد الطيب، ومفتي مصر الشيخ شوقي علام، ومستشار الرئيس للشؤون الإسلامية أسامة الازهري، والمفتي السابق الدكتور علي جمعة.
الثانية: التصريحات المؤيدة والداعمة للرئيس السوري بشار الأسد التي وردت في خطاب الرئيس السيسي الذي ادلى به في الأمم المتحدة، واكد فيها ان لا مكان للتنظيمات الإرهابية في مستقبل سورية، وتلك التوضيحية التي ادلى بها سامح شكري، وزير خارجية مصر لاحقا لصحف مصرية، واقر فيها تباين الرؤى بين بلاده والسعودية بشأن سورية خصوصا حول ضرورة تغيير نظام الحكم او القيادة السورية، حيث أكد ان مصر تعارض تغيير الحكم، ولا تتبنى النهج السعودي في هذا الإطار.
الثالثة: عدم حدوث أي لقاء بين الرئيس المصري والأمير محمد بن نايف، ولي العهد السعودي، اثناء تواجد الاثنين في الأمم المتحدة على رأس وفدي بلادهما، والشيء نفسه يقال عن وزيري خارجية البلدين باستثناء مشاركتهما في اجتماع مجموعة دعم سورية.
الرابعة: وهي الأهم في نظرنا، أي اللقاء الذي اجراه السيد شكري مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم أمس، وبحث معه ملفات عديدة من بينها الملف السوري، وهذا اللقاء وحده يكفي لإصابة نظيره السعودي عادل الجبير، وربما من هم اعلى منه، بأزمة قلبية، ولا نستبعد ان تتحول هذه الازمة الى جلطة، في حال صدقت التكهنات حول لقاء شكري ونظيره السوري وليد المعلم الموجود حاليا في نيويورك.

***
محطة “سكاي نيوز عربية”، التي تملكها امارة أبو ظبي، قدرت حجم المساعدات والاستثمارات التي ضختها السعودية في مصر بحوالي 27 مليار دولار في السنوات الأخيرة، ويبدو انها ستتوقف عند هذا الرقم لسنوات قادمة في ظل هذا “البرود” في العلاقات بين البلدين، اللهم الا إذا قررت السعودية الاقدام على مبادرة مالية جديدة وتقديم حزمة من المليارات لمصر، وان كنا نستبعد ذلك، خاصة ان الحكومة المصرية لجأت لاقتراض 13 مليار دولار من صندوق النقد الدولي أخيرا بشروط صعبة.
القيادة السعودية أخطأت التقدير عندما اعتقدت ان هذه المساعدات ستجعل من نظيرتها المصرية “صديقا” مطيعا، وتابعا، ينفذ كل مخططاتها، ويخوض كل حروبها، ويتبنى كل مواقفها ضد إيران والحكومة السورية، ويقاطع كل اعدائها على غرار ما فعلته وتفعله معظم الحكومات الخليجية الأخرى، الامر الذي يعكس “سوء تقدير” في الحسابات، علاوة على عدم فهم الذهنية المصرية، والتاريخ الحافل بالمطبات والصدامات بين البلدين، في معظم عصوره.
السلطات المصرية تستخدم الاعلام في اغلب الاحيان، وليس القنوات الدبلوماسية التقليدية، لإيصال الرسائل الى الدول المعنية، ولعل حديث السيد شكري الى وسائل الاعلام المصرية دون غيرها، حول التباين في العلاقات المصرية مع السعودية هو أحد التطبيقات الواضحة لهذا النهج المصري.
السلطات المصرية تركت مسافة كبيرة بين موقفها وحليفها السعودي (السابق) في التعاطي مع الشأن السوري لأنها تدرك جيدا ان البديل عن نظام الرئيس الأسد هو حركة الاخوان المسلمين، او الفوضى الدموية على غرار العراق وليبيا واليمن، الامر الذي يشكل تهديدا لأمن مصر واستقرارها، ونظام الحكم فيها، مضافا الى ذلك ان تحالف الرئيس السيسي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، يتقدم على تحالفه مع السعودية وقيادتها، ولذلك لا يمكن ان يتبنى سياسات تتعارض مع السياسات الروسية في الشرق الأوسط.
دبلوماسية إدارة الظهر، هي الوصف الأمثل للعلاقات بين السعودية ومصر هذه الأيام، ومن المرجح انها بدأت تتمدد الى العلاقات المصرية الخليجية أيضا، فزيارات المسؤولين المصريين الى عاصم الدول الخليجية باتت شحيحة هذه الأيام، وكان لافتا ان الدكتور عبد الخالق عبد الله، احد ابرز مستشاري الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، وحاكمها الفعلي، ايد ما ختمت به مجلة “الايكونوميست” البريطانية تحقيقها السوداوي عن مستقبل اقتصاد مصر قبل ثلاثة أسابيع، ويتلخص في توجيه نصيحة للرئيس السيسي بعدم الترشح لانتخابات الرئاسة المصرية عام 2018، ويقال انه هو الذي سرب هذه النصيحة الى المجلة البريطانية العريقة، والله اعلم.

 

 


 اربعة اسباب ترجح احتمالات انهيار اتفاق الهدنة في سورية الا اذا حدثت معجزة.. امريكا تراجعت لشعورها بالخديعة.. فهل يرد بوتين بنشر نصوص الاتفاق؟ وما هي النتائج التي ستترتب على الانهيار؟ وكيف سيكون رد المعارضة؟
عبدالباري عطوان/راي اليوم/17 سپتامبر 2016
الخلافات المتفاقمة بين الجانبين الامريكي والروسي حول نصوص اتفاق الهدنة في سورية، الذي بدأ العمل به مساء الاثنين الماضي، قد تؤدي الى انهياره وعودة الامور في جبهات القتال في مختلف انحاء سورية الى المربع الاول، وتجدد الصدامات الدموية المسلحة.
هناك حالة من الغموض تتعلق بتفسير هذا الاتفاق وبنوده، انعكست بشكل جلي يوم امس الجمعة عندما جرى الغاء اجتماع لمجلس الامن الدولي، كان من المفترض ان يصدر قرارا بإعتماده رسميا، وبطلب من الولايات المتحدة الامريكية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برر هذا الالغاء بأنه عائد الى رغبة الولايات المتحدة بعدم اطلاع اعضاء مجلس الامن على بنود الاتفاق، وطالبها بالشفافية، الولايات المتحدة لم تنف هذا “الاتهام”، وقالت انها لا تريد ذلك حفاظا على سلامة بعض الفصائل التي تدعمها، وحرصا على وصول المساعدات الانسانية الى السكان المحاصرين.
***
محاولة البحث عن الحقيقة وسط هذا الكم الهائل من الاتهامات المتبادلة بين الراعين لهذا الاتفاق، اي الولايات المتحدة وروسيا، تبدو صعبة، ولكن ما يمكن قراءته ما بين سطورها، يمكن حصر الاسباب الحقيقية لهذا الخلاف الى مجموعة من النقاط:

    الاول: فشل الولايات المتحدة في الالتزام بتطبيق النقطة الواردة في الاتفاق التي تنص على اجراء فصل واضح بين الفصائل السورية المعتدلة (السلمية)، والاخرى المتشددة (الارهابية)، وفك ارتباط الاولى بالثانية.
    الثانية: الخلاف المتفاقم داخل الادارة الامريكية حول هذا الاتفاق بين وزارة الخارجية التي تفاوضت حوله برئاسة كيري، ووزارة الدفاع (البنتاغون) الذي من المفترض ان يتحمل مسؤولية تطبيقه، ويتردد في اوساط الادارة ان اشتون كارتر، وزير الدفاع، عارض الاتفاق بشدة.
    الثالثة: نجاح الاتفاق وصموده يعني بدء القصف الجوي الامريكي الروسي لتنظيم جبهة “فتح الشام” او “النصرة” سابقا، واحرار الشام المتحالفة معها، وكان من المفترض ان يبدأ هذا القصف يوم بعد غد الاثنين، اي بعد اسبوع من تنفيذ الاتفاق، وهذا ما لا تريده امريكا.
    الرابعة: رفض معظم فصائل المعارضة المسلحة للاتفاق، فك الارتباط مع “جبهة النصرة” بتحريض من الدول الداعمة لها في منطقة الخليج، وحدوث شرخ كبير في اوساط المعارضة حول هذه المسألة، وتوجيهها انتقادات كبيرة للولايات المتحدة السعودية وتركيا بالخيانة، والتخلي عن المعارضة، والسقوط في المصيدة الروسية.
    الخامسة: فشل الولايات المتحدة تنفيذ تعهدها بفك الارتباط بين الفصائل المسلحة المعتدلة، و”جبهة النصرة”، او “فتح الشام”، كان وراء تراجعها، واتهام الرئيس الروسي بوتين لها بأن لديها رغبة في الحفاظ على قدرات عسكرية لمحاربة ما وصفه “حكومة الرئيس بشار الاسد الشرعية” التي التزمت بالهدنة وبنودها كاملة.

***
اتفاق الهدنة يترنح، والاختراقات له تتسع في اكثر من منطقة في سورية، وكيري، وزير الخارجية الامريكي، في حال “صيام” عن الحديث على عكس نظرائه الروس، والمعارضة السورية، بشقيها المعتدل والمتشدد، تصلي من اجل انهياره لانها لم ترحب به منذ البداية، وهناك توقعات بإنفجار الخلاف الروسي الامريكي، ولجوء روسيا الى نشر بنود الاتفاق علنا لاحراج الشريك الامريكي، وفضح تراجعاته عن التزاماته التي وردت في الاتفاق وبنوده.
انهيار الاتفاق قد يعني التصعيد العسكري على نطاق اوسع، وتورط اكبر من قبل القوتين العظميين اللذين يخوضان حاليا حربا بالنيابة، وسط غابة الازمة السورية الوعرة، فمن الواضح ان الطرف الروسي، ورئيسه بوتين يشعر بحالة من الغضب وخيبة الامل معا، لان الاتفاق حقق كل مطالبه في قصف امريكي روسي مشترك لجبهة النصرة وحلفائها، جنبا الى جنب مع قصف “الدولة الاسلامية”.
هل شعر الامريكيون بالخديعة، والوقوع في المصيدة الروسية في سورية؟ لا نستبعد ذلك، بدليل الرغبة الامريكية بمراجعة بعض النصوص وتعديلها.. السؤال الآخر، هل يقبل الروس بهذه التعديلات؟ لا نملك الاجابة، ولا نعتقد ان غيرنا يملكها في الوقت الراهن على الاقل.
الاجتماع المقترح يوم الاربعاء المقبل بين لافروف وكيري حول الازمة السورية، ربما يجيب على هذه الاسئلة او غيرها، لكن ما يمكن التكهن به هو ان احتمالات استمرار الخلاف، وبالتالي التصعيد العسكري، اكبر من احتمالات الاتفاق، لان روسيا ستصر على فك الارتباط بين “المعتدلين” و”المتشددين”، ومواصلة قصفها، ومعها قوات وطائرات الحكومة السورية للقضاء على جبهة “فتح الشام”، وكل من يتحالف معها من فصائل، ولعل اقدام هذه الفصائل على تجميع ورص صفوفها، الذي اكده الرئيس بوتين، احد المؤشرات القوية التي تؤكد هذا الاحتمال.

 

 


 التحشيد السعودي لمواجهة قانون الكونغرس يتصاعد.. وحقائق مرعبة حول حجم التعويضات المقترحة لضحايا هجمات سبتمبر.. هل سيعطي هذا التحشيد ثماره؟ ام ان الوقت متأخر؟ وما هي الحلول المقترحة؟ واين تكمن الازمة الحقيقية؟
عبدالباري عطوان/راي اليوم 16 سپتامبر 2016
اصدار الكونغرس الامريكي ما يسمى “بقانون العدالة ضد الارهاب”، الذي يجيز لعائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) بمقاضاة دول مثل السعودية، ومطالبتها بتعويضات مالية ضخمة، يؤكد امرا مهما يجب التوقف عنده بإهتمام، وهو ان المملكة العربية السعودية، وربما العرب جميعا، لم يعودوا حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة الامريكية.
الرئيس الامريكي باراك اوباما اشار مبكرا الى هذا التحول في سياسة بلاده تجاه المملكة في حديثه المطول الى مجلة “اتلانتيك”، عندما قال ما معناه، ان على المسؤولين السعوديين ان يدركوا ان مرحلة الركوب المجاني على ظهر الولايات المتحدة، وخوض الحروب نيابة عنهم قد انتهى، وان الاخطار الداخلية التي تواجهها المملكة هي الاكثر تهديدا لها، وليس الخطر الايراني الخارجي.
القيادة السعودية بدأت تشعر بخطر هذا التحرك من قبل الكونغرس وجديته، ولم تعد تراهن على وعد الرئيس اوباما باستخدام “الفيتو” لاجهاض هذا القانون، لان من الواضح، ومن خلال حدة الهجمة عليها، ان احتمال اقرار القانون في الكونغرس لاحقا، بضمان تصويت ثلثي الاعضاء في مجلس النواب والشيوخ كبيرا جدا، ولهذا بدأت تتحرك على صعيدين في الوقت الراهن:

    الاول: تحشد اكبر قدر ممكن من الدول العربية والاسلامية لاظهار معارضتها له، والتركيز على نقطة مهمة وهي ان اقرار الكونغرس له وتصديقه عليه، سيؤدي الى حالة من الفوضى، وتشكل انتهاكا لحصانة الدول، وينعكس سلبيا على جهود مكافحة الارهاب.
    الثاني: تشكيل لوبيات في الولايات المتحدة من كبار المسؤولين السابقين مثل دينيس روس، مساعد وزير الخارجية الاسبق، لدعم موقفها، وتحسين صورتها، ونفي تهمة الارهاب عنها، ولوحظ ان المستر روس نشر مقالا يوم 8 ايلول (سبتمبر) الحالي في صحيفة “الواشنطن بوست” تحدث فيه عن انطباعاته عن زيارته قبل ايام الى الرياض ضمن وفد كبير، اكد فية ان القيادة السعودية تقوم بعملية اصلاح شاملة، وثورة حقيقية للتغيير تتخفى خلف رؤية الامير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، الاقتصادية، وتحارب التطرف وتعمل على تحديث البلاد.

***
مهمة القيادة السعودية تبدو صعبة، ولا نقول مستحيلة، فعدد الدول التي حشدتها لمساندتها في مواجهة الكونغرس لا يزيد عن دول التحالف العربي الذي تقوده في حربها في اليمن، اي دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء سلطنة عمان)، السودان والاردن والمغرب علاوة على باكستان، اما فرص نجاح الوبي الجديد التي تعمل على تأسيسه ودعوة مسؤولين سابقين لزيارتها، فتبدو محدودة لان الوقت قد يكون قصيرا امام هذا اللوبي لتحقيق اهدافه، وهي منع صدور القانون، ولكن لا بأس من المحاولة.
المبالغ التي يمكن ان تدفعها المملكة في حال نجاح عملية الابتزاز الامريكية هذه، ويقودها الكونغرس، ضخمة جدا، وهناك تقديرات اولية تقول بأنها قد تصل الى 3.3 ترليون دولار، بمعنى آخر انها لن تتوقف عند تعويض اسر الضحايا، وانما قد تصل لخسائر افتراضية مادية ومعنوية ونفسية ايضا، فعمدة نيويورك وحده، يقدر خسائر ولايته بحوالي 95 مليار دولار، وعلينا ان نضع في حسابنا خسائر شركات الطيران، وربما حروب امريكا في العراق وافغانستان، وتكاليفها التي جاءت كرد فعل على هجمات سبتمبر.
الجدل الماراثوني مع دول تمارس “البلطجة” على مستوى العالم بأسره لا يفيد، ولا يعطي اي نتائج، خاصة استخدام مقولة انتهاك القانون الدولي وحصانة الدول، فمتى احترمت الادارات الامريكية هذا القانون، ومتى التزمت بحصانة الدول؟ الم يشكل غزو العراق وحصاره وتدميره وقتل مليونين من ابنائه انتهاكا لهذا القانون؟ الم يشكل التدخل العسكري في بلدان مثل ليبيا، وتغيير انظمتها، انتهاكا لحصانة الدول؟
المشكلة الاكبر التي تواجه المملكة وقيادتها وهي تواجه عملية الابتزاز الامريكية، تتمثل في حروبها في سورية واليمن والعراق، وتخلي حلفائها عنها في اللحظة الحرجة، فتركيا اختارت المصالحة مع روسيا، وتتفاوض سرا مع الحكومة السورية، وقطر، وعلى لسان اميرها، طالبت بالحوار مع ايران لحل المشاكل مع دول الخليج، وسلطنة عمان نأت بنفسها عن حروبها، اي المملكة، في اليمن وسورية وايران، وباكستان لم تدعم المملكة الا بالكلام والبيانات الصحافية، وصوت برلمانها بالاجماع على عدم التدخل عسكريا في اليمن.
ومن المفارقة انه في الوقت الذي تحاول فيه المملكة تحسين صورتها في امريكا والغرب عموما، يخرج مفتيها الشيخ عبد العزيز آل الشيخ بتصريحات تنسف كل هذه الجهود، وبالتأكيد على انها لم تتغير مطلقا، وان الفكر الوهابي في ذروته، عندما يُخرج ايران ومئات الملايين من الشيعة وفروعها من ملة الاسلام، فماذا يفيد الاصلاح في الغرب، والتخريب في العالم الاسلامي، العمق الحقيقي للمملكة، والورقة التي استخدمتها دائما لتعزيز موقفها وقيادتها للمسلمين بحكم مكانتها الدينية.
ان اكثر ما نخشاه ان يدفع اللوبي الامريكي الجديد الذي تؤسسه المملكة بقيادة دينيس روس وغيره، القيادة السعودية تجاه اسرائيل، والتقارب معها باعتبارها خشبة الخلاص، تحت عنوان نفوذها الكبير في الكونغرس، وسمعنا زلماي خليل زاده السفير الامريكي الاسبق في العراق وافغانستان، واحد ابرز داعمي الحرب في العراق، يقول وبعد زيارة الى الرياض، انه سمع من مسؤولين سعوديين، من كبار القوم، يؤكدون ان اسرائيل لم تعد عدوا في نظرهم.
***
المعضلة الابرز بالنسبة للقيادة السعودية انها كسبت بعض الحكومات العربية الانتهازية، ولم تكسب الشعوب العربية والاسلامية، او معظمها في صفها، والاسباب تحتاج الى شرح طويل، ليس هذه المساحة مكانها على اي حال.
السعودية، ونقولها مرة اخرى، بحاجة الى مراجعات شاملة لكل سياساتها، و”رؤية 2030″ لا يجب ان تكون اقتصادية جافة، وانما برنامج اصلاح سياسي واجتماعي شامل داخلي وخارجي يرتكز على ثوابت الامة وعقيدتها.
لا بأس ان تؤسس القيادة السعودية لوبي امريكي وترصد له ملايين الدولارات، ولكن هي ايضا بحاجة الى لوبي سعودي، وآخر عربي، وثالث اسلامي، ورابع عالمثالثي، لان صورتها ليست جيدة في كل تلك المحاور التي تشكل اولوية ملحة ايضا في مواجهة التغول الامريكي.
كنا دائما ضد الابتزاز والبلطجة الامريكية، ونحذر منها منذ ان بدأت ارهاصاتها في العراق قبل ربع قرن، وربما اكثر، ولكن لم يستمع الينا، وغيرنا كثر، اي احد، خاصة في المملكة.
لا نريد فتح الجرح، ولكن ما زالت هناك فرصة للانقاذ اذا سادت الحكمة والحكماء الذين جرى تنحيتهم جانبا في المملكة والمنطقة العربية بأسرها، وبتحريض امريكي اسرائيلي، ولمصلحة جيوش المنافقين.



 

 


امير قطر يطالب بحل الخلافات الخليجية الايرانية على مبدأ الحوار وحسن الجوار والاحترام المتبادل.. هل هي مبادرة موحى بها خليجيا ام اجتهاد شخصي؟ ولماذا جاءت الآن؟ وهل لها علاقة “بحرب الحج” السعودية الايرانية ومقدمة لتغيير قطري في الازمة السورية؟
راي اليوم/انگلستان/13 سپتامبر 2016

غابت دولة قطر عن العناوين الرئيسية للصحف ومحطات التلفزة العربية والعالمية في الفترة الاخيرة، بالمقارنة لما كان عليه الحال قبل خمس سنوات، وبالتحديد منذ بدء ثورات الربيع العربي في اكثر من بلد، وربما يعود ذلك الى تراجع دورها الى المقاعد الخلفية، مثلما قال رئيس وزرائها الاسبق الشيخ حمد بن جاسم لصحيفة “الفايننشال تايمز″ قبل ثلاثة اشهر، وميل اميرها الحالي الشاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الى سياسية اقل تصادمية، واميل الى التهدئة في المنطقة الملتهبة بالحروب والفوضى والفتن الطائفية هذه الايام.
حدثان رئيسيان لهما علاقة بدولة قطر يؤشران الى تطورات مهمة بعضها يتعلق بالمنطقة، والشأن السياسي القطري بطريقة او بأخرى:

    الاول: مقتل ثلاثة جنود قطريين في المعارك المحتدمة في اليمن، حيث يوجد حوالي الفي جندي قطري يقاتلون في صفوف التحالف العربي بزعامة السعودية، وهذا رقم كبير بالقياس الى عدد سكان قطر الذي لا يزيد عن 300 الف مواطن، اي ما يعادل مقتل 3000 امريكي، وهو العدد نفسه الذي قتل في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، على مركز التجارة العالمي، ومقتل هؤلاء الجنود خسارة كبيرة اولا، ويؤكد ان القوات القطرية تقاتل في الصفوف الاولى في جبهات القتال في اليمن، ثانيا، رغم ان البيان القطري الرسمي لم يعط اي تفاصيل حول مكان، او كيفية القتل.
    الثاني: دعوة امير قطر الشيخ تميم بن حمد لعلاقات تتميز مع حسن الجوار بين دول الخليج العربية وايران، اثناء اتصال هاتفي مع الرئيس الايراني حسن روحاني، وان تتم تسوية اي خلافات خليجية ايرانية عن طريق التفاوض والحوار.

لندع النقطة الاولى المتعلقة بالقتلى القطريين جانبا رغم اهميتها، ونركز على النقطة الثانية الاكثر اهمية في نظرنا لشموليتها، وهي هذه التصريحات المفاجئة لامير قطر وتوقيتها، في ظل التوتر في العلاقات السعودية الايرانية، وحرب التصريحات بين الجانبين، على ارضية الاتهامات بالتكفير التي اطلقها قبل ايام للايرانيين بشكل خاص، والشيعة بشكل عام، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية، ورد السيد علي خامنئي المرشد الاعلى في ايران عليها بوصف السعودية بـ”الشجرة الملعونة”، ومسؤولين ايرانيين آخرين بالقول للسعوديين “تتهموننا بأننا مجوس نعبد النار قبل الاسلام، ونحن نذكركم بأنكم كنتم تعبدون الاوثان”.
الامير القطري عندما يتصل بالرئيس الايراني ويطالب بالحوار لحل الخلافات، اما انه يريد ان يميز موقف بلاده ويقف على الحياد في الصراع السعودي الايراني، او انه يمهد للقيام بدور وساطة، ولا نستبعد في هذه الصحيفة اي من الخيارين.
الدعوة القطرية الى الحوار ايضا، ربما تنطبق على الصراع في سورية وعليها، لان ايران تقف في الخندق الروسي السوري، وربما ادرك امير قطر ان الحل العسكري في الازمة السورية لم يعد واردا في ظل التفاهمات الروسية الامريكية الاخيرة التي ادت الى اتفاق الهدنة الحالي، واكدت على عزم القوتين العظميين تصفية الفصائل الاسلامية المتشددة التي تحظى بدعم خليجي، ومن بينها “النصرة” و”الدولة الاسلامية”.
ما يجعلنا نتنبأ بحدوث تغيير بدأ يتبلور في الموقف القطري، هو التقارب التركي الروسي، وتزايد الانباء عن حوار سري متصاعد بين الجانبين التركي والسوري، برعاية ايرانية ودعم روسي، وتصريحات مسؤولين اتراك على رأسهم بن علي يلدريم، رئيس الوزراء يتحدث عن حتمية تطبيع العلاقات بين دمشق وانقرة في الاسابيع المقبلة.
قطر وتركيا ينخرطان في تحالف استراتيجي، ووقف هذا التحالف حتى الى ما قبل بضعة اشهر، خلف السياسة المعادية للتدخل العسكري الروسي في سورية، والعمل من اجل اسقاط الرئيس بشار الاسد، ولا نعتقد ان امير قطر وهو يراقب هذا التقارب التركي الروسي، والتركي الايراني، والتركي السوري، سيظل متمسكا بالموقف نفسه، اي دعم الجماعات الاسلامية المتشددة الموضوعة امريكيا وروسيا على مذبح التصفية، والمطالبة بإسقاط الرئيس السوري، فقطر تظل دولة صغيرة في نهاية المطاف.
امير دولة قطر استغل مناسبة عيد الاضحى المبارك لمهاتفة الرئيس الايراني لبدء عملية التقارب، والتأكيد على مبدأ الحوار لحل الخلافات، وابرز الاعلام القطري الرسمي لهذه الخطوة، يوحي بأنه لم يكن اتصال “مجاملة”، وانما توجيه رسالة مهمة اقليميا ودوليا توحي بعملية تغيير زاحفة وسريعة.
السؤال الذي يحتاج الى اجابة هو: هل يقوم امير قطر بهذه الخطوة، او المبادرة، بالتنسيق مع دول الخليج التي انحازت الى السعودية ودعمتها في حربها الكلامية ضد ايران، ام انها مبادرة قطرية بحته تعكس توجها قطريا بالنأي بالنفس عن هذا الخلاف السعودي الايراني، لما يمكن ان يتريث عليه من تبعات خطيرة، والاهتمام بمصلحة دولة قطر.
طرحنا لهذا السؤال لا يعني اننا نملك الاجابة، فالمعلومات شحيحة، ودول الخليج تعيش عطلة عيد الاضحى التي تزيد عن عشرة ايام، تتجمد فيها كل اوجه الحياة، ويصوم خلالها المسؤولون عن الكلام فقط.. ولا نملك الا خيار الانتظار.

 

 


 مصارف إيران تعرض فائدة مغرية لجذب ودائع عراقية

 

الحيات/ 11 سپتامبر 2016/عادل مهدي
أبدى خبراء مصرفيون قلقاً متزايداً من استمرار مصارف عراقية خاصة في عدم صرف مستحقات المودعين لديها نتيجة شح السيولة، ما دفع مواطنين يملكون مدخرات إلى التظاهر قرب مبنى البنك المركزي العراقي. وطالبوا بـ «التدخل لحل مشكلتهم».

ونُقل عن أحد المشاركين في التظاهرة قوله إن «سبب احتجاج المودعين هو نتيجة لوصولهم الى طريق مسدودة مع إدارة المصرف لنيل حقوقهم المالية».

واعتبر الخبير المصرفي فائق ناصر حسين في تصريح إلى «الحياة»، أن «المرحلة التي يمر فيها القطاع المصرفي العراقي وتحديداً البنوك الخاصة، صعبة جداً، نظراً إلى فقدان ثقة المواطنين فيها، وعلى نحو دفع بغالبية المودعين في مصارف خاصة إلى سحب ايداعاتهم». فيما لم يتمكن آخرون من ذلك لـ «عدم توافر السيولة لدى مصارف كثيرة لتسديد مستحقات المودعين».

وإذ لفت إلى ما تناقلته وسائل إعلام محلية حول لجوء مواطنين كثر إلى السفر إلى إيران وإيداع أموالهم في مصارف إيرانية بفائدة تزيد على 15 في المئة، «وهي نسبة شبه مغرية تدر عائداً مالياً جيداً»، حذر من «خطورة هجرة أخرى للأموال العراقية». ورأى أن «لسفر المواطنين الى ايران لإيداع أموالهم في مصارفها او الاستثمار فيها، دلالات مهمة بالنسبة الى مستقبل القطاع المصرفي الخاص الذي يشهد تعثراً في الأداء مع ضعف الرقابة الصارمة عليها».

وأوضح حسين أن المصارف الخاصة «تواجه مشكلة شح السيولة»، عازياً ذلك إلى أسباب كثيرة أهمها «عدم حصول المقترضين من المقاولين والمستوردين على مستحقاتهم من الحكومة، ما جعلهم يتأخرون في إعادة الأموال بذمتهم الى المصارف». وأشار إلى أن هذا الأمر «فاقم مشكلة المصارف الخاصة مع مودعيها».

وأعلن المدير العام للصيرفة والائتمان في البنك المركزي العراقي احسان الياسري، أن «الرقابة الآن تنصب على المصارف الخاصة لمساهمتها في عملية التنمية الاقتصادية، من خلال تطويرها خدمة الزبائن وفق الضوابط والمستجدات والمعايير الدولية». ولفت إلى أن البنك المركزي «وجه بإنشاء قسم «التوعية المصرفية وحماية الجمهور» لتلقي الشكاوى من الزبائن. كما لدينا تقويمات دولية وبخاصة لكل مصرف»، مشيراً إلى «وجود مصارف متعثرة في الامتثال لمتطلبات البنك المركزي في موضوع مكافحة تبييض الأموال»، موضحاً أن «بعض ادارات هذه المصارف أساء استثمار أموال الزبائن». ولم يغفل أن البنك المركزي «ألزم المصارف المتعثرة إيداع مبالغ في حساباتها لديه، والتي يجب أن تسدد منها مطالب زبائنها». وقال «سيتوجب على المصارف إيداع كل المبالغ التي أوصينا بها وكان مجموعها 820 بليون دينار (نحو 656 مليون دولار) والمفروض ايداعها في حساباتها، وأن تحسن أداءها وتعيّن مسؤولين للامتثال والأخطار».

وعزا الياسري «تأسيس شركة لضمان الودائع، الى تعثر عمل بعض المصارف الخاصة، في تلبية طلبات بعض زبائنها في سحب بعض أرصدتهم». وذكر أن الدنانير في التداول تبلغ 42 تريليون دينار عراقي أي نحو 35 بليون دولار، ويوجد في الجهاز المصرفي 15 في المئة منها، والبقية مخزّنة في البيوت لعدم اطمئنان الناس الى المصارف».

وكان البنك المركزي أعلن عن موافقة مجلس الوزراء على تأسيس شركة لضمان الودائع في المصارف الحكومية والخاصة برأس مال 100 بليون دينار. وأوضح أن الشركة تهدف إلى «تشجيع المواطنين على إيداع أموالهم في المصارف بدلاً من اكتنازها». وكشف أن «الأموال المكتنزة للمواطنين خارج المصارف تتجاوز 30 تريليون دينار.

ويتكون النظام المصرفي في العراق من 54 مصرفاً، وتتوزع وفقاً للملكية بين سبعة حكومية و23 تجارية خاصة من ضمنها 9 بنوك إسلامية، إضافة إلى 15 فرعاً لمصارف أجنبية.

 


السعودية تتفرّد بالحج: اتهامات بـ«التسييس» و«التكفير»
السفير/7 سپتامبر 2016 /علي جواد الامين
تسبب مسلسل الكوارث في الحج منذ عشرات السنين، بأزمات سياسية وديبلوماسية بين السعودية ودول إسلامية تحمّل المملكة مسؤولية مقتل آلاف الحجاج، فيما كانت الصحافة الغربية تضج بها تحت عناوين ساخرة من فريضة الحج، إحدى الأركان الخمسة في الإسلام، كـ «مقتلة المسلمين» و «انتحار المسلمين في الحج» وغيرها. وفي ذكرى الكارثتين في منى والحرم، تجددت المطالب الإسلامية بوضع الحج وشؤونه تحت مظلة إسلامية ـ دولية، إذ دعا المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية السيد علي خامنئي العالم الإسلامي أمس الأول، إلى إيجاد حل لإدارة السعودية لمناسك الحج، بسبب ما وصفه بـ «السلوك الظالم حيال الحجاج»، وذلك بعد حرمان الإيرانيين وغيرهم، لاسباب سياسية، من الحج لهذا العام.
القلق السعودي من هذا المطلب القديم الذي يهدد عباءتها الإسلامية، دفع السعوديين إلى رد مزدوج من الجناحين السياسي والديني، وصل الى حد اخراج الإيرانيين من «دين الإسلام» كما يفهمه مفتي المملكة، رئيس «هيئة كبار العلماء»، عبد العزيز آل الشيخ، الذي لم «يكفّر» الإيرانيين فحسب، بل اعتبرهم أعداء الإسلام بقوله «يجب أن نفهم أن هؤلاء ليسوا مسلمين، فهم أبناء المجوس، وعداؤهم مع المسلمين أمرٌ قديم وتحديداً مع أهل السّنة والجماعة»!ّ
وفي ضوء هذا التصعيد في اللهجة، ردّ وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف بلهجة تفوقها صراحة على «تويتر»، قائلا بأنه «لا تماثل بين إسلام الإيرانيين ومعظم المسلمين من جهة، والتطرف والتعصب الذي يدعو له كبير علماء الوهابية وأسياد الإرهاب السعودي». أما ولي العهد محمد بن نايف، وزير الداخلية، فقد بادر إلى اتهام إيران بـ»تسييس شعائر الحجّ»، وهو اتهام طالما ألقته السعودية على كل من يعترض على إدارة المناسك.
قائمة الممنوعين من الحج تطول هذا العام في لائحة السعودية، تارةً بحجة منع دخول «إرهابيين» إلى السعودية أو لإحباط «مخطط شيطاني» أو لعدم «الاتفاق» على ترتيبات الحج تارة أخرى. مواطنو اليمن وسوريا وإيران، محرومون من أداء الفريضة، ربما لأن اليمنيين يتعرضون لحرب تقودها السعودية، ولأن السوريين يكتوون بنار الفتن التي يغذيها السلاح والمال والفتاوى، ولأن الإيرانيين طالبوا، بعدما فقدوا مئات الحجاج في منى العام الماضي، بضمانات تنظيمية وغيرها لمنع تكرار الكوارث الدموية.
اشتعلت حرب كلامية بين الرياض وطهران، وتبادلتا الاتهامات بـ «تسييس» الحج، بعدما «اختلقت» السعودية 11 بنداً جديداً في محضر اتفاقية الحج مع إيران، بحسب ما أعلن رئيس «منظمة الحج والزيارة» الإيرانية سعيد أوحدي. وتمنع القيود الجديدة إصدار تأشيرات من داخل إيران، أو استخدام الحجاج الإيرانيين لطائرات الشركات الإيرانية الداخلية، وبالتالي عليهم السفر من دولة ثالثة، فضلاً عن بنود أخرى اعتبرتها إيران «استفزازية»، كفرض قيود على عدد المراكز الطبية الإيرانية أثناء موسم الحج، وقيود على نقل الأدوية لاستهلاك الحجاج الإيرانيين وغيرها، في حين ركّز الوفد الإيراني في الرياض خلال الجلسات على توفير أمن الحجاج، خصوصاً بعد الكوارث التي رافقت موسم العام الماضي، والتي راح ضحيتها مئات عدة من الحجاج غالبيتهم من ايران، وبينهم أربعة ديبلوماسيين.
«الظروف غير متوفرة لكي يتوجه الإيرانيون إلى السعودية لأداء فريضة الحج هذا العام»، هذا ما أعلنه وزير الثقافة الإيراني علي جنتي في أيار الماضي، نتيجةً لأربع جلسات عقدتها رئاسة «منظمة الحج» الإيرانية مع وزارة الحج السعودية للاتفاق على ترتيبات الحج، بعدما قطعت المملكة مطلع العام الحالي، علاقتها بإيران إثر هجوم على البعثات الديبلوماسية السعودية في مشهد وطهران، استنكاراً لإعدام الشيخ نمر باقر النمر المطالب بالإصلاح. وهي ليست المرة الأولى التي يُحرم الإيرانيون فيها من الحج، فمنذ 30 عاماً، قُطعت العلاقات نحو 4 سنوات، إثر مقتل أكثر من 400 شخص في مكة المكرمة في اشتباكات بين حجاج وقوات الأمن السعودية في العام 1987، بسبب ترديد الحجاج الإيرانيين شعارات إسلامية وأخرى ضد العدو الإسرائيلي.
أما في اليمن، ها هو الموسم الثاني للحج يمر، من دون السماح لأبنائه بأداء فريضة الحج، في ظل تزايد معاناتهم من الحرب التي تقودها السعودية، وهو ما أكّده القائم بأعمال وزارة الأوقاف والإرشاد عبد الرحمن القلام قبل أيام في حديث مع صحيفة «الميثاق» اليمنية، بأن «السعودية تحرم اليمنيين للموسم الثاني، بعد أن ظلت طوال الأشهر الماضية تتهرب من الإيفاء بالتعهدات التي قطعتها على نفسها» والموقعة بين الجانبين في محضر رسمي في حزيران الماضي.
يوضح وكيل وزارة الأوقاف والإرشاد لقطاع الحج والعمرة اليمني عبد الله ناصر عامر أن اليمنيين يتعرضون إلى «الابتزاز» من قبل الحكومة الموالية للرياض، حيث يقوم عناصر حكومة هادي ببيع وشراء التأشيرات للحجاج وتركهم في العراء لأيام من دون مأوى عند منفذ الوديعة، بعد أن كانت الوزارة اليمنية قد اتفقت مع الجانب السعودي على تفويج الحجاج من منافذ الوديعة وعلب والطوال ومطارات صنعاء وعدن، إلا أنّ السعودية امتنعت عن تنفيذ الاتفاق وعملت على «تسخير العملاء» بحسب عامر، لتفويج الحجاج عن طريق معبر الوديعة فقط، والذي تسيطر عليه عناصر حكومة هادي.
وفي حين لا يتحمل منفذ الوديعة تفويح 16 ألف و300 حاج يمني المسجلين لدى قطاع الحج والعمرة، يبدو واضحاً أن السعودية تعرقل استقبال اليمنيين إلا عن طريق حكومة هادي، التي أكّدت في وقت سابق أنها لن تسمح لخصومها السياسيين المتمثلين بالحوثيين وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح بالحج هذا العام، وجاء ذلك، بشكل صريح على لسان وزير الأوقاف والإرشاد في حكومة هادي فؤاد عمر شيخ أبو بكر، في حديث لصحيفة «عكاظ» السعودية قبل أسبوعين، حيث أعلن أن وزارته استبعدت الحوثيين وحلفاءهم لمنع «مخطط شيطاني»، بعدما كشفت وزارته «محاولة ميليشيات الحوثيين والمخلوع صالح، تسييس فريضة الحج لهذا العام من خلال إدراج 47 شخصاً من أعوانهم كمنظمين» كما قال.
وفي ظل الصراع الدموي في سوريا، يواجه السوريون ما يعتبرونه استغلالا سياسيا من جانب السلطات السعودية للحج منذ أربعة أعوام، إذ رفضت المملكة إعطاء تأشيرات للسوريين الذين تقدموا بطلبات للحج عبر الحكومة السورية العام الماضي، ولم تجب وزارة الحج السعودية على رسائل وجهتها الخارجية السورية تطالب المملكة بالسماح لمواطنيها بالحج، وناشد مفتي محافظة حلب الشيخ محمود عكام حكام المملكة في أيلول العام الماضي، بأّن «لا يلعبوا بالدين لأجل السياسة وأن لا يكونوا من الذين يصدّون عن سبيل الله والمسجد الحرام»، وجدد اقتراحاً كان قد تقدم به في آب العام 2013، بتأسيس منظمة «الحرمين الشريفين الإسلامية العالمية»، لتتولى المسؤولية عن فريضة الحج حماية ورعاية وتنظيماً وتمّوَل من قبل المسلمين كافة.
«التسييس» السعودي في إعطاء التأشيرات، اشار اليه ايضا وزير الأوقاف السوري محمد عبد الستار في حديث مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، مشيراً إلى أنّ القرار السعودي يسمح فقط للسوريين مِن خارج سوريا، أو من مناطق تخرج عن سيطرة الدولة السورية، حيث «تُمنح التأشيرات لهم عن طريق ممثلي الائتلاف السوري المعارض فقط»، وهي مفارقة، في العلاقات السياسية والدينية بين الدول.
وفي حين منعت السعودية دولاً من الحج، بحجة منع دخول «إرهابيين»، سمحت العام الماضي لـ 500 من خريجي «مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية» ممن «كانوا ينتمون إلى الفكر التكفيري وتنظيماته الإرهابية» في سوريا والعراق، بالحج، برفقة عائلاتهم وأعضاء هيئة التدريس الشرعيين، عبر برنامج مختصر بحسب صحيفة «الحياة» السعودية، وذلك بعدما «تم إقناعهم بالتوبة والعودة عن أفكار المغالاة»، لكن تجربة المناصحة لم يكتب لها النجاح بحسب مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، التي اعتبرت أنّ المركز «تحول إلى مركز لإعادة تأهيل الإرهابيين».
وعلى الرغم من أن السعودية تظهر خشيتها من تصعيد الحالة الطائفية في الحج، وتمنع الشعارات السياسية أو الطائفية أثناء المناسك، إلا أن مراقبين يتهمون إدارتها بالتغاضي عن مخالفات يقوم بها أعضاء الهيئة، حيث تمّ الترويج في الأعوام السابقة لكتيبات تحريضية في مكة أثناء الحج أمام أعين السلطة الدينية، تمثلت بتوزيع كتب مجانية تحريضية ضد المسلمين الشيعة بـ «تكفيرهم ومقاتلتهم قبل اليهود» (باللغة العربية والإنكليزية والتركية)، أبرزها كتاب حمل عنوان «الكافي في تحذير البشرية من دين الاثني عشرية، السرطان الشيعي واللوبي الرافضي»، ضمن سلسلة أطلق عليها «إعرف عدوك» لمؤلفها الداعية يعقوب بدر القطامي.
وتثير نشاطات «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، بصفتها الجهة المسؤولة عن تطبيق «قوانين الشريعة الإسلامية» في الحج، انتقادات بسبب تشدد أعضائها في تعاطيهم مع الحجاج من المذاهب الإسلامية الأخرى، بمختلف وسائل العنف الكلامي والجسدي بحسب ما يقول مراقبون، نظراً للسلطات الواسعة التي تمنحها الحكومة للهيئة، تحت مسمى «تحذير الحجاج نحو الخير والصلاح من ممارسة البدع والمنكرات أثناء أدائهم مناسكهم» و»إعانة الحاج على إقامة عماد التوحيد والرد على جميع استفتاءاته وبيان الحكم الشرعي فيها» كما يقولون. ونشرت شهادات من حجاج في مواقع الكترونية عن تعرضهم للاستفزاز الطائفي في مكة من قبل أعضاء الهيئة، ووصف بعضهم موسم الحج بـ»موسم إصدار الفتاوى».

 

 

 


اتفاق سعودي روسي يفتح الأبواب لتوسيع منظمة أوبك
فوجئت أسواق النفط أمس باتفاق نوعي بين الرياض وموسكو على التعاون لدعم أسعار النفط، ويرى محللون أن الاتفاق يمكن أن يكون نواة لضم مزيد من المنتجين الكبار إلى منظمة أوبك، بعد عامين من تخلي المنظمة عن دورها في دعم الأسعار من أجل الحفاظ على حصتها في الأسواق.
وقعت السعودية وروسيا، أمس، اتفاقا من أجل التعاون في سوق النفط، يتضمن كبح الإنتاج، وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار بقوة، على أمل أن يعمل المنتجان الأكبر في العالم سويا من أجل معالجة تخمة المعروض العالمي من الخام.

ووقع الاتفاق وزيرا الطاقة السعودي والروسي في الصين على هامش قمة مجموعة العشرين بعد اجتماع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وذكر بيان مشترك أن روسيا والسعودية اتفقتا على تشكيل مجموعة عمل لمراجعة العوامل الأساسية في سوق النفط، وتقديم توصيات بخصوص الإجراءات والخطوات اللازمة لضمان الاستقرار في سوق الخام.

ويرى محللون أن الاتفاق يمكن أن يكون نواة لتحالف واسع لمنتجي النفط، ويحرك محاولات كبح الإنتاج، بعد أن رفضت أوبك على مدى عامين تقليص الإنتاج بمفردها دون مشاركة المنتجين الآخرين من خارج المنظمة. وقال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن البلدين يتجهان نحو شراكة استراتيجية في مجال الطاقة، وإن مستوى الثقة المرتفع سوف يسمح لهما بمواجهة التحديات العالمية. وأضاف أن الاتفاق يتضمن سبلا لإحلال الاستقرار في أسواق النفط العالمية بما في ذلك الحد من إنتاج الخام.
خالد الفالح: التجميد هو من الاحتمالات المفضلة ولكنه ليس ضروريا اليوم تحديدا

لكن أكد في أعقاب توقيع الاتفاق أن تجميد مستويات إنتاج النفط ليس “ضروريا” في الوقت الحالي.

وأكد وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أن “التجميد هو من الاحتمالات المفضلة ولكنه ليس ضروريا اليوم تحديدا… لا توجد حاجة الآن لتجميد الإنتاج. لدينا الوقت لاتخاذ هذا القرار”. وأشار إلى أن “وضع السوق يتحسن يوما بعد يوم” وأن الاسعار تؤكد ذلك.

ومن المقرر أن تعقد منظمة أوبك مباحثات غير رسمية في الجزائر في وقت لاحق هذا الشهر، ومن المنتظر أن تجتمع بشكل رسمي في فيينا في نوفمبر المقبل.

وسرعان ما رحبت الإمارات بالاتفاق. وأكد وزير الطاقة سهيل المزروعي “إننا نؤمن بأن هذه الخطوة الإيجابية تأتي في ضوء حرص أكبر منتجين للنفط في العالم على توازن السوق ومصلحة كل من المنتجين والمستهلكين”. وأضاف “الإمارات بصفتها منتجا مسؤولا في منظمة أوبك، حريصة على أن تدعم وتساهم في أي جهود مشتركة تهدف إلى تحقيق التوازن في السوق النفطية”.

كما رحبت الكويت بالاتفاق على لسان وزير النفط بالوكالة أنس الصالح، الذي قال إن “الكويت تدعم نتائج هذه المشاورات من أجل تحقيق التوازن في الأسواق”، وتوقع تعافي سوق النفط في الربع الأخير من هذا العام. وأوضح أن المنتجين يؤكدون من خلال هذه الجولات والمشاورات استمرار الاهتمام بتطورات السوق لتوفير مؤشرات تساعد في دعم استقرارها، حيث أن مواصلة الحوار تعد مؤشرا إيجابيا يدعم أسواق الخام.


وقال إن “الحوار والتشاور يؤكدان أن المنتجين الرئيسيين يتابعون مستجدات سوق النفط، وهي تحركات إيجابية تحتاجها أسواق النفط من أجل التمهيد والمساعدة في تحقيق التوازن والمساهمة في طمأنة الأسواق وتناميها”.

ودعا عدد من منتجي أوبك إلى تثبيت الإنتاج لكبح تخمة المعروض من الخام، كما لمحت السعودية أكبر منتج في المنظمة إلى رغبتها في التعاون في وقت تواجه فيه ضغوطا على ميزانيتها، وتسعى لطرح جزء من شركة أرامكو الحكومية المنتجة للنفط في البورصة.

ويعد أي اتفاق بين أوبك وروسيا غير العضو في المنظمة الأول من نوعه في 15 عاما، منذ أن اتفقت موسكو على خفض الإنتاج مع المنظمة في بداية الألفية، لكن روسيا لم تلتزم أبدا بوعودها. وفي أبريل كانت روسيا مستعدة لتثبيت الإنتاج مع أوبك، لكن المباحثات انهارت بعدما قالت الرياض إنها لن تقبل الاتفاق إلا إذا شاركت فيه إيران ثالث أكبر منتج للخام في أوبك.

وتقول إيران إنها تحتاج لاستعادة حصتها السوقية التي فقدتها خلال سنوات العقوبات الغربية التي رفعت عنها في يناير. وتشير البيانات إلى أنها تقترب حاليا من بلوغ تلك المستويات.

وقـال بوتـين الأسبوع الماضي، إن اتفـاقا جـديـدا بشـأن إنتـاج النفـط قـد يتضمـن بعـض التنازلات في مـا يخص الإنتـاج الإيراني.

وأدى إعلان الاتفاق إلى قفزة كبيرة في أسعار النفط، حين ارتفع مزيج برنت بنحو 5 بالمئة ليقترب من حاجز 50 دولارا للبرميل، لكنه عاد ليفقد معظم المكاسب ويستقر فوق حاجز 48 دولارا، بسبب تشكيك المتعاملين بإمكانية تثبيت الإنتاج.

 

 


 تطوران مفاجئان في الحرب اليمنية قد يغيران مسارها جذريا.. ماذا يعني امتلاك التحالف “الحوثي الصالحي” تكنولوجيا الصواريخ الباليستية؟ هل هي ايران ام “حزب الله” ام الاثنان؟ وكيف سيكون الرد السعودي؟
راي اليوم/عبدالباري عطوان
تطوران رئيسيان تشهدها الحرب التي “لم تعد منسية” في اليمن بعد مرور عام ونصف العام على اشتعالها، يؤشران الى احتمالات توسعها، وتحولها الى حرب اقليمية تستنزف المنطقة بشريا وماليا، لا تقل خطورة عن الحرب السورية.

الاول: اعلان التحالف “الحوثي الصالحي” على لسان العميد اشرف لقمان (عسيري اليمن) صواريخ باليستية من نوع “بركان 1″، وهو يرتكز الى صواريخ “سكود” يصل مداه الى 800 كيلومتر، ويقدر وزن رأسه الحربي بحوالي نصف طن، وطوله 12 مترا، وقطره 88 سنتيمترا.
الثاني: نقل حوالي خمسة آلاف مجند يمني في صفوف قوات تابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي من المحافظات اليمنية الجنوبية عبر ميناء عدن الى ميناء عصب الاريتري، حيث ينخرطون في معسكرات وقواعد عسكرية اقامتها السعودية وحلفاؤها في التحالف العربي، ويتم نقلها بعدها الى الحدود اليمنية السعودية للتصدي لهجمات الحوثيين.

***
خطورة التطور الاول في امتلاك التحالف “الحوثي الصالحي” لتكنولوجيا الصواريخ الباليسيتة، على غرار “حزب الله” في لبنان، وحركة “حماس″ في قطاع غزة، لان هذا النوع من الصواريخ غير مكلف ماديا، ويشكل الاسلوب الانجع للرد على التفوق الجوي، مثلما هو حال السعودية واسرائيل اللتين تملكان طائرات امريكية حديثة متقدمة لا يمكن اسقاطها بالدفاعات الجوية التقليدية.
ربما يجادل البعض بأن منظومات صواريخ “باتريوت” التي نصبتها السعودية على طول حدودها الجنوبية، نجحت حتى الآن في التصدي لهذه الصواريخ وتدميرها قبل وصولها الى اهدافها، وهذا صحيح، ولكن صواريخ باتريوت الاعتراضية مكلفة جدا، وكل صاروخ يكلف 3 مليون دولار تقريبا، واذا وضعنا في اعتبارنا ان ترسانة “حزب الله” تزدحم بأكثر من 50 الف صاروخ من هذا النوع، ان لم يكن اكثر، فإن الكلفة ستكون عالية جدا ماليا، كما ان صواريخ باتريوت لن تستطيع منع مئات او آلاف الصواريخ دفعة واحدة.
جون كيري، وزير الخارجية الامريكي اتهم ايران بتزويد الحوثيين والصالحيين بهذه الصواريخ، بينما قال متحدث باسم الرئيس هادي ان الخبراء الذين اشرفوا على تطويرها هم من “حزب الله” ومن ايران نفسها، وهذا غير مستبعد، ولكن ماذا يتوقع السعوديون والامريكيون من اليمنيين ان يرقصوا طربا للطائرات السعودية وهي تقصفهم، ويصفقون لها في كل مرة تقصف مستشفى، او عرس، او مزرعة، او مدرسة؟
آخر احصاءات الامم المتحدة الرسمية تؤكد مقتل عشرة آلاف يمني حتى الآن، واصابة حوالي 30 الفا، ومعظم هؤلاء القتلى والجرحى هم ضحايا الغارات الجوية، وتشريد ثلاثة ملايين، ومعاناة سبعة ملايين يمني من سوء التغذية، بسبب المجاعة الناجمة عن الحصار، اي ما يعادل ربع السكان.
المنظمة اليمنية للآثار والمتاحف قدرت الخسائر المادية في اليمن بتدمير القصف الجوي ست مدن اثرية، وست قلاع تاريخية، وثلاثة متاحف، ومسجدين، واربعة قصور، ومواقع اثرية، لا تقدر بثمن من بينها احياء في صنعاء القديمة.
اذا انتقلنا الى التطور الثاني، اي نقل آلاف من المجندين اليمنيين من المحافظات الجنوبية الى جبهات القتال للدفاع عن المدن والاراضي السعودية على الحدود الجنوبية، فإن هذه الخطوة ستكون لها تبعاتها الخطيرة على اليمن والسعودية معا، فمعظم هؤلاء الشباب تطوعوا للقيام بهذه المهمة الخطرة بسبب الفقر والحاجة والبطالة بالدرجة الاولى، ونسأل ما هي العقيدة القتالية لهؤلاء؟ الدفاع عن السعودية؟ وضد من؟ ابناء جلدتهم؟ ولاعادة من؟ الرئيس هادي الذي قاتلهم وآباءهم اثناء حرب الانفصال؟ والاسئلة هذه ليست من عندي، وانما ما سأله وزير يمني سابق عندما اتصلت به مستفسرا.
نقل متطوعين يمنيين للدفاع عن المدن السعودية في الجنوب على حدود اليمن يشكل اعترافا بعدم قيام القوات السعودية بهذه المهمة اولا، وتعاظم الاشتباكات الحدودية واتساعها ثانيا، واعطاء الاولوية المطلقة لحرب الاستنزاف هذه ثالثا.
***
العميد لقمان (راقبوا هذا الاسم جيدا، ربما سيصبح اكثر نجومية من نظيره العسيري السعودي مستقبلا)، اكد وهو يعلن نبأ تطوير الصواريخ الباليسيتة، “ان العمليات العسكرية التي يشنها التحالف “الحوثي الصالحي” لن تتوقف في جيزان ونجران وعسير حتى تحقق اهدافها الاستراتيجية”.
العميد لقمان لم يحدد هذه الاهداف الاستراتيجية، فهل هي استعادة المدن الجنوبية للسيادة اليمنية (جيزان ونجران وعسير)، ام التوغل اطول في العمق السعودي شمالا ولما بعدها؟ انها الحرب، وكل طرف يعلي سقف مطالبه حتما.
التورط السعودي وحلفائه في اليمن يتعمق ويزداد مأزقا، وارتفاع الخسائر البشرية والمادية بفضل القصف الجوي العشوائي الثأري، يفاقم الضغوط الاجنبية، ويعزز اتهامها بارتكاب جرائم الحرب، والادارة الامريكية باتت على وشك اتخاذ قرار بتجميد صفقة دبابات وبنادق آلية للسعودية بقيمة 1.2 مليار دولار بسبب رفض الكونغرس لها، والغاء المانيا صفقة دبابات مماثلة.
“عاصفة الحزم” السعودية التي انطلقت قبل 18 شهرا لم تفرض الاستسلام على اليمنيين ولن تفرضه، ومشكلة السعودية ليست في صنعاء او “تحريرها”، وانما في صعدة وعمران وحجة، وهذه مدن يستحيل احتلالها، ولم يدخلها غاز على مر التاريخ، ناهيك عن انتصاره فيها، واسألوا الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي حاول ست مرات، وفشل عندما كان في قمة ذروة حكمه، ويحظى بدعم السعودية.
العواصف توّلد غيرها، و”عاصفة الحزم” انجبت الحرب على الحدود السعودية اليمنية، وهي حرب ستحدد مستقبل الحكم السعودي، وربما المنطقة بأسرها.. والايام بيننا.

 

 


 إيران و«حماس»: تقارب.. ما قبل الحل السوري
السفير/عمار نعمه/2 سپتامبر 2016
لم يكن غريباً حصول ذلك اللقاء، أمس، بين الوفد الديبلوماسي الإيراني من سفارة بيروت وحركة «حماس».
جاء اللقاء بطلب إيراني، وقد حصل استكمالاً للقاء حصل، في تموز الماضي، بين القيادي «الحمساوي» موسى أبو مرزوق ومسؤول إيراني رفيع المستوى.
وعلى جاري العادة، فان كل مسؤول ايراني يزور لبنان، يطلب لقاء مسؤولي «حماس»، كما حصل لدى زيارة رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في مجلس الشورى الإيراني علاء الدين بروجردي، وقبله مستشار رئيس مجلس الشورى الإيراني حسين شيخ الإسلام.
ثمة ما يطبخ اليوم لتقريب وجهات النظر بين إيران، من جهة، وحركات «الإخوان المسلمين»، من جهة أخرى، كمقدمة للتقريب بين إيران والدول ذات الهوى «الإخواني» كتركيا وقطر وغيرهما.. بالطبع ليس الحوار مع «الإخوان» ما سيحقق هذا الهدف، بل انه سيعزز من رسم الحدود السياسية التحالفية بين طهران وأنقرة وموسكو هذه الايام، إنطلاقاً من المشهد السوري الذي يرجح الايرانيون انه مقبل على حل سياسي يراعي مصالح اللاعبين الكبار.
هذه التطورات الأخيرة شكلت الطبق الدسم للقاء بين الوفد الايراني برئاسة المستشار الأول في السفارة السيد محمد ماجدي، الذي حل ضيفا على رأس وفد إيراني، على مسؤول «حماس» في لبنان علي بركة، بحضور مسؤول العلاقات السياسية في الحركة زياد حسن.
لقاء تأخر لبعض الوقت نتيجة سفر بركة خارج الأراضي اللبنانية، ومهد له قبل أيام القائم بالأعمال الايراني السيد فضلي.
يدرك الجانبان، الإيراني و «الإخواني»، خطورة ما يحدث في المنطقة، خصوصا لناحية تهديد الوحدة الجغرافية للأوطان العربية والاسلامية، بما «يهدد الأمة» ويلائم العدو الاول لها، أي إسرائيل.
وقد انطلق الحديث مما يحدث في فلسطين، ويخشى الفلسطينيون من مخطط إسرائيلي اليوم لمحاولة تصفية القضية الأم للأمة «بالتواطؤ مع بعض الأنظمة العربية». وقد سمع مسؤولو «حماس» كلاماً ايرانيا واضحا ان دعم طهران للحركة لن يتوقف، كما لفلسطين، وان القضية الفلسطينية لا تزال القضية الأولى بالنسبة الى إيران.
والحال ان العلاقة بين طهران و «حركة الإخوان المسلمين» قد اكتسبت دفعا كبيرا من موقف إيراني أخير، اتسم بالجرأة، عبر دعم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان منذ الساعات الاولى لمحاولة الانقلاب عليه.
تنطلق طهران في دعمها لاردوغان من مسلمة لديها ان محاولة الانقلاب على الحكم التركي ليست سوى مؤامرة أميركية لزيادة الشرخ بين شعوب المنطقة في سبيل المضي في مخطط التقسيم على اسس عرقية ودينية، في حروب اهلية لا تنتهي تتغذى من مشهد الحرب الأهلية التركية التي كانت تأملها واشنطن، حسب متابعين للزيارات الإيرانية..
لذا، فإن التقارب بين المكونين الاساسيين على الضفتين الشيعية والسنية في الأمة، يعتبر هدفا حيويا اليوم بالنسبة الى إيران وتركيا، ويؤسس لتعاون مستقبلي بين الجانبين.
تحتل «حماس» موقعا هاما في السياسة الايرانية في المنطقة، لكنها ليست صلة الوصل الوحيدة بين طهران وبعض من تختلف معهم من الدول، بدليل الزيارة التي قام بها لقطر رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني.
يأتي دور «حماس» مكملا لتلك الجهود، وتنتظر طهران زيارة وفد «حمساوي» كبير، حيث لا يضع المسؤولون الايرانيون «فيتو» على أي اسم فيه، خصوصا رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل الذي التقاه الايرانيون مؤخرا. لكن طهران تصر على اصطحاب «حماس» للقيادي فيها محمود الزهار الذي تكن له القيادة الايرانية تقديرا كبيرا، وهو ما يؤخر الزيارة التي لن تتم قبل فتح معبر رفح، كما تقول مصادر الحركة.
ثمة عمل جدي للتقارب أكثر بين «حماس» وطهران، وهناك زيارات بعيدة عن الأضواء، لكن دون عودة العلاقات الى سابق عهدها، صعوبات تتغذى من الأزمات المذهبية العميقة في المنطقة.

 

 


مؤتمر غروزني خطوة كبرى لسحب المرجعية السنيّة من السعودية وزيادة عزلتها في العالم الاسلامي وتثبيت تهمة الارهاب بالفكر الوهابي.. مشاركة الازهر تؤكد الازمة المتفاقمة بين الرياض والقاهرة.. وتحالف بوتين السيسي اخطر من ان يتم الرد عليه بالردح والشتائم
راي اليوم/2 سپتامبر 2016
لا تعرف المملكة العربية السعودية من اين تتلقى الضربات السياسية والعسكرية التي تستهدفها هذه الايام، سواء في سورية، او اليمن، او العراق، او ليبيا، او ايران، ولكن ان تأتي آخرها، من غروزني روسيا ومصر بالذات، وتشكك في قيادتها للاسلام السني، وتخرج مذهبها الوهابي الذي تعتنقه من معسكر اهل السنة والجماعة، فهذا امر خطير جدا في ابعاده ومعانيه وتوقيته.
ندخل في الموضوع مباشرة، ونتوقف عند الهجوم الشرس الذي شنته هيئة علماء المسلمين في السعودية على مؤتمر انعقد طوال ايام الاسبوع الماضي في مدينة غروزني عاصمة الشيشان، وفي حضور الرئيس الشيشاني رمضان احمد قديروف ورعايته، ومباركة غير مباشرة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحمل عنوان “من هم اهل السنة والجماعة”.
ما اغضب علماء الدين السعوديين الرسميين، وغير الرسميين، وحلفاءهم ومن بينهم الشيخ يوسف القرضاوي، هو عدم توجيه الدعوة لهم للمشاركة، باستثناء باحث شرعي سعودي غير معروف عربيا، يدعى حاتم العوني، ومشاركة وفد كبير من علماء الازهر في مصر، مثل شيخ الازهر الدكتور احمد الطيب، ومفتى مصر الشيخ شوقي علام، ومستشار الرئيس عبد الفتاح السيسي اسامة الازهري، والمفتي السابق الدكتور علي جمعة، وهم يمثلون النخبة الشرعية الرسمية المصرية.
مشاركة هذا الوفد المصري الرفيع المستوى لا يمكن ان يتم دون مباركة الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيا، مما يعني ان هناك تنسيقا سياسيا روسيا مصريا لعزل السعودية وعلمائها، وتكوين “مرجعية سنية” جديدة وقوية مدعومة من الازهر، تسحب البساط من تحت المرجعية السعودية الوهابية وتعزلها كليا، والصاق تهمة دعم الارهاب والتطرف بها.
تعريف المشاركين في المؤتمر لاهل السنة والجماعة (لم يكن بينهم اي من العلماء السلفيين والاخوان المسلمين البارزين) كان صادما فعلا للمملكة العربية السعودية، التي كانت الراعي الدائم لمثل هذه المؤتمرات، حيث تم حصر هؤلاء، اي اهل السنة والجماعة، في كل من “الاثرية وامامهم احمد بن حنبل، والاشعرية وامامهم ابو الحسن الاشعري، والماتريدية وامامهم ابو منصور الماتريدي”، حسب ما جاء في بيان رسمي للازهر الشريف في رد على الهجمات التي استهدفته.
استاذ الفقه في جامعة ام القرى السعودية، الدكتور محمد بن السعيدي، وصف هذا المؤتمر بأنه مؤامرة على العالم الاسلامي، وعلى السعودية خصوصا، ويهدف الى اعادة العقل المسلم الى الخرافة وسدنه القبور”، اما الدكتور محمد البراك، عضو رابطة علماء المسلمين فقال “في مؤتمر الشيشان اراد المتآمرون اخراج اهل السنة فأخرجوا انفسهم.. فهل اصبح بوتين وعلماؤه هم من يحددون اهل السنة”، اما حاكم المطيري، رئيس حزب الامة الكويتي، فوصف المؤتمر بأنه توظيف للطرق الصوفية في حرب روسيا الصليبية في سورية”.
ولعل الهجوم الاكثر حدة، ويعكس ما يمكن ان يترتب على مشاركة مصر في هذا المؤتمر من قطيعة مع السعودية، فجاء على حساب السيد محمد آل الشيخ (اسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس المذهب الوهابي) على “التويتر”، حيث قال “مشاركة الازهر في مؤتمر غروزني الذي اقصى المملكة من مسمى اهل السنة يحتم علينا تغيير تعاملنا مع مصر.. وطننا اهم ولتذهب مصر السيسي الى الخراب.. كنا معه لان الاخونج والسفليين المتأخونين اعداء له ولنا.. اما وقد ادار لنا ظهر المجن في غروزني وقابلنا بالنكران فليواجه مصيره منفردا”.. اما الشيخ القرضاوي فأكد تضامنه مع الغضبة السعودية وركز كل هجومه على شيخ الازهر احمد الطيب، وانتقد “عدم تعرض المؤتمرين الذي نصبوا انفسهم ممثلين لاهل السنة، اي كلمة اعتراض على ما تقوم به ايران واذبانها، او تفعله روسيا في سورية، ووصف من شاركوا في المؤتمر بأنهم علماء السلطان وشيوخ العار”.
هذه الهجمة ضد المؤتمر تعكس مسألة فقهية وسياسية خطيرة جدا في نظرنا، وهي تقسيم العالم السني نفسه، بعد نجاح خطط تقسيم العالم الاسلامي على اسس طائفية بين السنة والشيعة، والجدل لا يجب ان يكون منصبا حول من الذي تسبب في هذه التقسيمات، سواء بين الطائفتين او الطائفة الواحدة نفسها، وانما ايضا الحروب التي يمكن ان تترتب على ذلك لاحقا.
لا نشك مطلقا في ان الهدف الاساسي من عقد مؤتمر الشيشان موضع الجدل، سياسي بالدرجة الاولى، وينطلق من، او يستند على ارضية الحرب الراهنة في سورية، سواء الحرب المباشرة او بالانابة، والاطراف المتقاتلة في ميادين القتال من منطلقات طائفية او عرقية او ايديولوجية، والمملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى من بينها.
نحن في هذه الصحيفة “راي اليوم” ضد الطائفية، ولا يمكن ان نقف في خندق الطائفيين ايا كان مذهبهم، ووقفنا دائما، وسنقف، مع كل ما يوحد الامة الاسلامية، ويتصدى لكل عمليات الاقصاء والتهميش لهذا الطرف او ذاك، ويحقق التعايش تحت سقف الديمقراطية والعدالة والمساواة.
العلاقات المصرية السعودية مرشحة، في راينا، للدخول في نفق ازمة قد لا يكون هناك ضوء في نهايته، ان لم تكن قد دخلته فعلا، وهذا يعني ان على قيادة المملكة، وربما دول خليجية اخرى، ان تنسى ما قدمته من مساعدات مالية لمصر، وصلت الى اكثر من 30 مليار دولار، فمصر دولة اقليمية عظمى، اختلفنا معها او اتفقنا، ولها مصالحها وحساباتها، وتعتبر الازهر الشريف المرجعية السنية الاولى والاهم، كما ان قيادتها التي احترقت اصابعها واقدامها في اليمن في حرب السيتينات، لا يمكن ان تنجر الى حرب ثانية انتصارا للحليف السعودي، واعترافا بفضل مساعداته.
مشكلة المملكة العربية السعودية وعلمائها ليس مؤتمر غروزني والمشاركين فيه، وانما طريقة صنع السياسات فيها، والدخول في حروب اقليمية وطائفية دون اجراء حسابات مدروسة بعناية، وتقديرات صحيحة للموقفين العربي والاقليمي، ونحن نتحدث هنا دون مواربة عن حروبها في اليمن وسورية، وبدرجة اقل في العراق وليبيا وايران.
الهجوم على مؤتمر غروزني والمشاركين فيه بالفاظ جارحة لن يقلص اخطاره، بل سيفاقمها، والسؤال الاهم في رأينا هو الاسباب التي دفعت الى انعقاد هذا المؤتمر والتوصيات التي تبناها وابرزها تكوين مرجعية سنية تمتد من الازهر الى القيروان والى الزيتونة وحضرموت ودول القوفاز، مدعومة بقنوات فضائية واهتمام اكبر بوسائل التواصل الاجتماعي، وعقد هذا المؤتمر بشكل دوري.
مؤتمر غروزني يشكل ضربة قوية للمملكة العربية السعودية وعلمائها، وجرس انذار لتنبيهها الى خطورة الاخطاء الكبرى التي ارتكبتها، وتفرخ حروبا ونزيفا ماليا وبشريا، وضرورة التسريع بإجراء اصلاحات ومراجعات، فعندما تصل الامور الى اتهامها برعاية وتفريخ الارهاب، والعمل على عزلها اسلاميا، بعد عزلها عربيا، فإن الامر يحتاج الى وقفه جادة للتأمل، وليس توجيه الشتائم والسباب يمينا ويسارا.

 

 


 

ضريبة مطار في قطر.. رفع اسعار البنزين في الكويت.. موجة غلاء في السعودية.. ماذا يحدث لدولة “الرفاه”؟ وما هي البدائل والتعويضات للشعوب؟ واين ستصل حالة “التململ” و”القلق” الحالية؟
القادمون من دول الخليج، والمملكة العربية السعودية بالذات، الى العواصم الغربية طلبا للاسترخاء والراحة، يجمعهم في احاديثهم قاسم مشترك رئيسي، وهو الشكوى من ارتفاع الاسعار، والخوف من استفحال ظاهرة الضرائب العلنية او المستترة، والسؤال عن اسباب تبخر احتياطاتهم المالية، ومستقبلهم واجيالهم القادمة.
ارتفاع الاسعار يعود بالدرجة الاولى الى رفع الدعم عن السلع الاساسية، مثل الماء والكهرباء والوقود، الامر الذي يمتد الى سلع اخرى بشكل آلي، اما الضرائب وزيادة الرسوم، فباتت الوسيلة التي تلجأ اليها الحكومات الغربية لتحميل المواطن والمقيم عبء سد العجز المتفاقم في ميزانياتها.
اليوم اعلنت الحكومة الكويتية رفع اسعار البنزين بنسب تتراوح بين 42 و 60 بالمئة، ودون اي تعويضات مالية في المقابل، وقالت انها شكلت لجنة لتسعير الوقود كل ثلاثة اشهر، مما يعني ان زيادة الاسعار باتت امرا متوقعا.
الخطوة الكويتية هذه تأتي محاكاة لخطوات مماثلة اتخذتها معظم الدولة الخليجية، مثل السعودية وقطر وسلطنة عمان والبحرين والامارات، ومعظم هذه الدول تواجه عجوزات كبيرة في ميزانيتها السنوية، وتطبيق اجراءات تقشفية بسبب تراجع اسعار النفط.
دولة قطر بدأت اليوم (الثلاثاء) في فرض ضريبة مطار مقدارها عشرة دولارات على كل مسافر، ومن غير المستبعد ان تلجأ دول خليجية اخرى الى فرض الضريبة نفسها، فحجم العجز في الميزانية القطرية هذا العام يصل الى 13 مليار دولار، وهو مرشح للاستمرار طوال السنوات الثلاث المقبلة، الا اذا طرأ ارتفاع كبير على اسعار الغاز والنفط، وهذا امر غير مرجح، حسب آراء معظم الخبراء، مضافا الى ذلك ارتفاع تكاليف مشاريع البنى التحتية لمنشآت كأس العالم التي ستقام في الدوحة عام 2020.
هذه الضرائب المباشرة، او غير المباشرة، بدأت تخلق حالة من القلق في اوساط المواطنين والمقيمين معا، لانها تشكل خرقا للعقد الاجتماعي والسياسي بينهم وبين الحاكم، المتبع منذ ما يقرب نصف قرن على الاقل، مضافا الى ذلك ان هذه الضرائب التي تبدأ “قليلة” حاليا مرشحة للارتفاع بشكل كبير في المستقبل، المهم ان “السابقة” الضرائبية قد سجلت (بضم السين).
المملكة العربية السعودية، او الشقيقة الكبرى، مثلما يطلق عليها مواطنو الدول الاصغر حجما وسكانا في مجلس التعاون الخليجي، تعيش وضعا اقتصاديا وسياسيا هو الاكثر حراجة، بسبب تراجع احتياطاتها المالية من حوالي 800 مليار دولار قبل ثلاثة اعوام، الى حوالي 440 مليار دولار في ظل عجز في الميزانية يصل الى مئة مليار دولار في العامين الماضيين، وارتفاع نفقات حربها المباشرة في اليمن، وبالانابة في سورية.
الاخطر من ذلك ان السلطات السعودية لم تكتف بالغاء الدعم او تخفضيه على السلع الاساسية، وفرض ضرائب وغرامات، وزيادة الرسوم لتخفيض العجز وتقليص اعتماد ميزانية الدولة على النفط، بل لجأت ايضا الى الاقتراض بشقيه الداخلي والخارجي، من خلال اصدار سندات محلية والحصول على قروض خارجية، وبلغت المحصلة العامة حوالي 150 مليار دولار، حسب بعض التقديرات.
احد القادمين من المملكة العربية السعودية، اكد لـ”راي اليوم” وجود حالة من التململ في اوساط المواطنين السعوديين، بسبب تصاعد حرب بلادهم في اليمن دون وجود اي افق بنهاية وشيكة، والخوف من استفحال ظاهرة الضرائب، وما يمكن ان يترتب عليها من اعباء معيشية باهظة.
المصدر السعودي المذكور، وهو شخص خبير، ويحمل درجات علمية عليا من جامعات اوروبية، قال “ان خطورة ظاهرة الضرائب هذه من المفترض ان تأتي في اطار عقد اجتماعي وسياسي جديد بين الحاكم والمحكوم، اي ان تكون هناك مشاركة سياسية اوسع، ورقابة تشريعية، وحريات اعلامية، وخدمات عامة جيدة للمواطنين وهذا ما لا يحدث”.
واضاف هذا المصدر “انتم في بريطانيا تدفعون ضرائب عالية، ولكنكم تأخذون في المقابل تعليم جيد، ورعاية صحية ممتازة، ومواصلات كفوءة، وامن، وتقاعد سخي، وبرلمان منتخب، وقضاء مستقل، وصحافة حرة، بينما لا يحصل المواطن السعودي الا على خدمات رديئة جدا في كل المجالات، حتى ان قرارا صدر قبل ايام بعدم تقديم اي علاج لضحايا الحوادث الطواريء المرورية في المستشفيات العامة الا بعد دفع شركات التأمين النفقات مسبقا”.
الدولة “الريعية” او دولة “الرفاة” في الخليج بدأت تتآكل، الامر الذي ينبيء بتململ اجتماعي وسياسي، قد يتطور الى احتجاجات تفتح ملفات عديدة من بينها قرارات الحروب غير المدروسة، والمساعدات الخارجية ذات الطابع المزاجي، ودعم ثورات واحزاب، وحركات سياسية معارضة هنا وهناك، بالاضافة الى ملفات الفساد والمحسوبية.
الشعوب الخليجية تطورت كثيرا، وباتت من اكثر الشعوب العربية تعليما، وثفاقة، وطموحا، ومشاركة على وسائط التواصل الاجتماعي، مضافا الى ذلك ان اكثر من ستين في المئة من ابنائها هم من الشباب تحت سن 30 عاما، وبات من الصعب على اهل الحكم التعاطي معهم بالطريقة نفسها التي كان يتم فيها التعاطي مع آبائهم واجدادهم.

 


السفير
أكاذيب المطبّعين تستدعي لنا مصير الهنود الحمر
فهمي هويدي
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-30 على الصفحة رقم 11 – قضايا وآراء
أفهم أن تكذب إسرائيل في تبرير مزاعمها، لكني أستغرب أن يلجأ بعضنا إلى الكذب في دفاعهم عن التطبيع معها.
(1)
حين كتب أحد المثقفين المصريين من دعاة التطبيع قائلاً إنه يتعامل مع إسرائيل باعتبارها مجرد «كيان» في الإقليم? فإنه لم يكن يكذب فقط، لكنه كان يردد الحجة نفسها التي يروّج لها الصهاينة، وربما بالمصطلح نفسه الذي استخدموه. آية ذلك أن كتاب «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان»? الذي أصدره في العام 2003 «مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا»? ذكر مؤلفه العميد المتقاعد موشيه فرجي ما نصه: من وجهة النظر الإسرائيلية فإن المنطقة العربية لا تشكل وحدة ثقافية وحضارية واحدة، لكنها خليط متنوّع من الثقافات والتعدّد اللغوي والديني والإثني. إذ عاش فيها العرب والفرس والترك والأرمن والإسرائيليون (لاحظ المغالطة) والأكراد والدروز والبهائيون والشيعة والسنة والآشوريون... إلخ. وهدف تعدد الأقليات والهويات هو تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي، لأن المنطقة من خلال التوصيف السابق تصبح خليطاً من القوميات والشعوب واللغات، وتصور وجود وحدة بينها يغدو ضرباً من الخيال. والنتيجة المنطقية المترتبة على ذلك تعني أن يكون لكل قومية في المنطقة «كيانها» الخاص بها. وبذلك تكتسب إسرائيل شرعيتها باعتبارها إحدى الدول القومية التي تعيش في المنطقة.
هذا الذي عرضه العميد الإسرائيلي في بحثه انطلق منه الباحث المصري الذي يحمل شهادة الدكتوراه ويدرس العلوم السياسية في الجامعة، وإن لم يذكر الحيثيات التي أوردها الباحث الإسرائيلي. تتضاعف دهشتنا إذا لاحظنا أن أستاذ العلوم السياسية تجاهل في حماسه لفكرة التطبيع، أو لم يكن يعلم أن «الكيان» الذي سلّم به ليست له شرعية من وجهة نظر القانون الدولي. فوعد بلفور قرار سياسي، وتقسيم فلسطين مجرد اقتراح أسقطته الأمم المتحدة في آذار 1948. حين وجدت أن تنفيذه سيُغرق المنطقة في «بحر من الدماء»، كما قيل آنذاك نصاً. لذلك فإنها عيّنت الكونت برنادوت ليتولى وصاية الأمم المتحدة على فلسطين بعد انتهاء الانتداب البريطاني. أما اعتراف الدول بإسرائيل فهو عمل سياسي يمكن مراجعته ونقضه في أي وقت. وذلك كله لا يفرض نفسه على القانون الدولي ولا يُعَدّ جزءاً منه، وهو ما يمكن التثبت منه إذا ما عرض الأمر على محكمة العدل الدولية في لاهاي.
(2)
الأكذوبة الثانية التي يُروّج لها دعاة التطبيع، وشاركهم في ترديدها المتحدث باسم الخارجية المصرية، إن معاهدة السلام التي وقعت في العام 1979 استقرت وحققت السلام في المنطقة، وتستحق أن يبنى عليها بحيث تتوّج بالتطبيع. وعند التحقيق التاريخي النزيه سوف يكتشف الباحثون أنها كانت وبالاً على مصر والأمة العربية، وأنها في حقيقة الأمر رتبت نتيجتين، الأولى أن مصر استقالت من قيادتها للأمة العربية فصغرت بحيث ينطبق عليها القول إنها «تصالحت فتصاغرت». وباستقالتها انفردت إسرائيل بإدارة القضية والعبث بملفاتها، الأمر الذي أتاح لها أن تثبت أقدامها وتعربد، وتزداد شراهة في التوسع والاستيطان. صحيح أن مصر استردّت سيناء (إلا قليلاً) لكنها خسرت مكانتها وحين كبلتها معاهدة السلام، فإن إسرائيل أطلقت العنان لطموحاتها. فقصفت المفاعل النووي العراقي في العام 1981، ثم قامت بغزو لبنان العام 1982. وكان خروج مصر مقدّمة لتركيع الفلسطينيين في اتفاق أوسلو العام 93، ثم لتوريط الأردن في معاهدة «وادي عربة» التي عقدت العام 1994. فمصر نفضت يدها من القضية وجاءت بعدها الأردن. وحين وجد الفلسطينيون أن مصر تخلّت عنهم، فإنهم قبلوا بتوقيع «اتفاقية أوسلو» التي هي أسوأ من وعد بلفور، ذلك أنهم في أوسلو جلسوا مع الإسرائيليين لكي يقتسموا أرضهم معهم، وكانت تلك سابقة فريدة في التاريخ. إذ بدلاً من أن يستمر الواقع تحت الاحتلال في المقاومة لاستعادة أرضه، فإنه جلس مع المحتلين لكي يضفي شرعية على احتلاله. وللعلم فإنه ليس في «اتفاقية أوسلو» أي إشارة إلى القانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة أو حقوق الفلسطينيين.
لم يحلّ السلام في فلسطين، وأقيم مركز اتصال تابع للأمم المتحدة للتجسّس والتنصت على كل دول المنطقة مقره في داخل إسرائيل والقوات التابعة له في سيناء. أما إسرائيل التي أطمأنت إلى خروج مصر واعتزالها، فقد أطلقت يدها في الاستيطان والتهويد وابتلاع أرض الفلسطينيين. ففي العام 1979 كان عدد المستوطنين في حدود 20 ألفاً وقد وصل العدد إلى أكثر من نصف مليون في الوقت الراهن، ومنذ ذلك العام أقدمت إسرائيل على توسيع المستوطنات وبناء مستوطنات جديدة على ما سمّي بأملاك الدولة، حتى أصبحت 42 في المئة من أراضي الضفة الغربية تحت سيطرة المستوطنات. وفي الفترة من العام 79 وحتى الآن قامت إسرائيل بهدم 4473 من بيوت الفلسطينيين بذرائع عدة منها العقاب جراء المقاومة أو عدم وجود ترخيص بالبناء أو لأغراض عسكرية، وهذه أرقام سجلتها منظمة «بتسليم» الحقوقية في إسرائيل، إلى غير ذلك من القرائن التي أعدّتها المنظمة الحقوقية الإسرائيلية، وكلها تكذّب مقولة الاستقرار والفضائل التي ترتّبت على المعاهدة، وقيل إنها تنضمّ إلى مسوّغات للتطبيع ومبرراته.
(3)
الأكذوبة الثالثة ادعت أن إسرائيل أصبحت شريكاً في مكافحة الإرهاب مع دول الاعتدال العربي، سواء تمثل في ذلك في التصدّي لجماعات العنف في سيناء أو تمثل في العمل على حصار المشروع النووي الإيراني الذي يُقال إنه خطر. ولا أعرف كيف انطلت تلك الكذبة على عقول البعض، لسبب جوهري هو أن إسرائيل هي التي ابتدعت الإرهاب في المنطقة. ذلك أن العصابات الإسرائيلية هي أول من أرسل قنبلة في رسالة لتخويف الإنكليز في العام 1946، وفي العام ذاته قامت لأول مرة بخطف قاضٍ وجندي بريطاني، وأول قنبلة ألقيت على مدنيين عزل قام بها الإسرائيليون في العام 1948 لترويع فلسطينيين كانوا جالسين على مقهى في قرية «لفتا» غرب القدس. وتذكر المراجع التاريخية أنه في سنة 1948 وحده قام الإسرائيليون بـ80 مذبحة في فلسطين. ولا يُنسى أن العصابات الصهيونية استهدفت في شهر تموز العام 48 جمعاً من السكان احتموا بأحد المساجد (جامع دهش في اللد)، فأحدثت ثغرة في جدار المسجد وصوّبت مدافعها من خلالها. الأمر الذي أدى إلى قتل 200 فلسطيني ممن كانوا في داخله.
قائمة الإرهاب بكل مظاهره من خطف وقتل إلى تسميم مياه الشرب وهدم البيوت على سكانها، ذلك وغيره سبقت فيه إسرائيل الجميع، ثم خرجت علينا أخيراً لتزعم أنها تقف إلى جوار دول الاعتدال ضد الإرهاب. ويحدث ذلك بجرأة مشهودة، لأنه يتم في حين تمارس الإرهاب في الأرض المحتلة كل يوم تقريباً.
الأكذوبة الرابعة مفضوحة ولا تحتاج إلى تفنيد، ذلك أن الادعاء بأن إسرائيل تتفاوض مع القادة الفلسطينيين لتحقيق السلام بات سمجاً ولم يعُد يصدّقه أو يعوّل عليه الإسرائيليون أنفسهم، فالمفاوضات الجارية التي تتمّ في ظل التنسيق الأمني بين سلطة رام الله وبين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لم يعُد يراهن أحد على إمكانية توصلها إلى حل للقضية. وإذا أضفنا إلى ذلك أن إسرائيل تسيطر على 98 في المئة من الاقتصاد الفلسطيني، فإن ذلك يعني أن هدف المفاوضات هو استمرار الاحتلال والتمكين له وإضفاء الشرعية عليه بمضي الوقت. وكانت نتيجة ذلك أن تراجعت فكرة إقامة دولتين على أرض فلسطين، ورفضت فكرة الدولة الواحدة. وأصبحت الصيغة العملية المطروحة تتمثل في محاولة تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في ظل الاحتلال. بمعنى أن يبقوا داخل القفص طول الوقت، مع استمرار محاولات تحسينه.
(4)
إذا سارت الأمور على النحو الذي يشتهيه المطبعون من سياسيين ومثقفين ومنافقين، فلن يكون حديثنا عن مصير الهنود الحمر افتراضاً متشائماً? لأن الذي جرى مع أولئك الهنود منذ بداية القرن السابع عشر وانتهى بمحو شعوبهم وحضارتهم وإبادة مجتمعاتهم وثقافتهم، يتكرر الآن في فلسطين بصورة شبه حرفية. وقد وثق الكاتب العربي السوري الأصل منير العكش قصة الهنود الحمر ومصيرهم الفاجع في ثلاثة مؤلفات هي: أميركا والإبادات الجماعية، وأميركا والإبادات الثقافية? والكتاب الثالث هو الذي يسلط الضوء على المصير الذي نتخوّف منه وعنوانه: دولة فلسطينية للهنود الحمر. وحين يقرؤه المرء بإمعان سيجد أنه يروي ما يحدث الآن في فلسطين المحتلة. منذ كان الصهاينة لا يمثلون أكثر من 6 في المئة من السكان? ولهم خمس مستوطنات في العام 1881 إلى أن ابتلعوا فلسطين كلها وصاروا يقدمون أنفسهم كقوة عظمى مهيبة ومحسودة في الشرق الأوسط. وحين خطر لي أن أدعو إلى تعميم الكتاب لكي يدرس في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي بالعالم العربي? أحبطتني الأخبار التي نشرت عن تغيّر مناهج التعليم في مصر لتنشئة الأجيال الجديدة على الإعجاب بإسرائيل وليس تعريتها وفضح جريمتها التاريخية الفادحة.
ملأني كتاب منير العكش الأخير بالغمّ والاكتئاب حتى استحضرت ما كتبه ابن كثير في مؤلفه «البداية والنهاية» عن غزو التتار لمقرّ الخلافة الإسلامية في بغداد? الذي وصفه بأنه الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها? حتى قال بعد الذي رآه: يا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً. نسأل الله ألا يرينا يوم التطبيع ومصيبته الكبرى. لا نحن ولا مَن يأتون بعدنا من الأبناء والأحفاد.

 

 


بريجينسكي: نحو ميزان قوى عالمي جديد
مصطفى اللباد
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-29 على الصفحة رقم 11 – قضايا وآراء
عاد الاستراتيجي الأميركي الأكبر زبغينو بريجينسكي، مستشار الرئيس الأسبق جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، إلى واجهة التحليل مجدداً بعد مقالته اللافتة في American Interest، التي يحلل فيها رؤاه عن ميزان القوى العالمي الجديد وأدوار أميركا والصين وروسيا والشرق الأوسط. والاستراتيجي الداهية المولود في بولندا في العام 1928، وصاحب الباقة العريضة من المؤلفات الجيو ـ سياسية التي شكلت وعي وثقافة أجيال كاملة من صناع القرار في أميركا، كان من صمم التقارب الأميركي ـ الصيني في السبعينيات. كما شهد بريجينسكي توقيع ثاني معاهدة للحد من الأسلحة النووية مع الاتحاد السوفياتي، كما رعى «اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية» وعاصر خروج إيران من الفلك الأميركي بعد انتصار ثورتها، وقام بدور حاسم لتسليح المتمردين الإسلاميين الأفغان ليقاتلوا الغزو السوفياتي لبلادهم. يدرس بريجسنسكي الآن في جامعة «جونز هوبكنز» وهو باحث في «مركز الدراسات السياسية والدولية» بواشنطن، وما يكتبه يعد مادة ثرية فكرياً وسياسياً سواء اتفقت أم اختلفت معها. تضيء السطور المقبلة على الكيفية التي يرى بها بريجينسكي وضعية بلاده المتراجعة نسبياً والطريقة المثلى للتعامل مع المنافسين.

أميركا والحقائق الخمس
يعتـــبر بريجينسكي أن على الولايـــات المتحدة تــولي القيادة في إعادة تشــــكيل ميزان القــوى الــعالمي، منطلقاً من حقائق أساسية خمس? أولاها أن أميركا هي الكيان السياسي والاقتـــصادي والعسكري الأقــــوى في العــالم، لكن نظراً للمتغيرات الاقليــــمية، فإنها لم تـــعد القـــوة الإمبريالية الكونية التي كـــانت. ولا توجد قوة أخرى بوسعها القيام بدورها السابق.
الحقيقة الثانية أن روسيا تعيش «المرحلة المتشنجة» من أفولها الإمبراطوري، ولا تميل لتصبح قوة أوروبية كبرى، بل تتدخل في جنوبها الإسلامي وفي أوكرانيا وبيلاروسيا وجورجيا.
الحقيقة الثالثة أن الصين صاعدة بثبات كندٍ ومنافس محتمل لأميركا، لكنها حريصة حالياً على ألا تتحدى أميركا. عسكرياً تبدو الصين باحثة عن اختراق في جيل جديد من الأسلحة، بينما تعمل بصبر على رفع قدراتها البحرية المحدودة.
الحقيقة الرابعة أن أوروبا لن تصبح قوة عالمية، إلا أنها مع ذلك تستطيع لعب دور في مجابهة التهديدات العابرة للقارات. بالإضافة الى ذلــــك، تتوافق المصـــالح الأوروبية والأميركية في الشرق الأوسط سياسياً وثقافياً? وعضوية أوروبا في «الناتو» ضـــرورية للوصول إلى قرار بناء في الأزمة الروسية ـ الأوكرانية.
الحقيقة الخامسة أن العنف السائد في العالم الإسلامي يعود في جزء منه إلى ردة الفعل على الظلم الذي تعرض له على يد القوى الأوروبية، ومع دافع ديني يمكن لهذا الشعور أن يوحد أعداداً كبيرة من المسلمين في مواجهة العالم الخارجي. ولكن في الوقت نفسه وبسبب الخلافات الطائفية التاريخية داخل الإسلام ذاته والتي لا علاقة لها بالغرب، فإن التطورات الجارية حاسمة داخل الإسلام أيضاً.

الحقائق الخمس كإطار للعمل الأميركي
أولاً: يمكن لأميركا التعامل مع العنف القادم من الشرق الأوسط فقط عندما تشكل تحالفاً يضم روسيا والصين. ولتسهيل ذلك التحالف يجب عدم تشجيع روسيا على استخدام القوة الأحادية الجانب ضد جيرانها مثل أوكرانيا وجورجيا، كما يجب إقناع الصين بأن الحياد الأناني السلبي في مواجهة الأزمات الإقليمية الصاعدة في الشرق الاوسط ليس عاملاً مسهلاً لصعودها دولياً.
ثانياً: روسيا في طريقها لتصبح دولة ـ أمة حقيقية لأول مرة في تاريخها، وهو تطور يجب النظر إليه بتفحص. انتهت الإمبراطورية القيصرية مع الحرب العالمية الاولى وقام البلاشفة بدمج الجمهوريات الوطنية في وحدة واحدة في الاتحاد السوفياتي. وأدى سقوط الاتحاد السوفياتي العام 1991 إلى ظهور روسيا الفدرالية كوريثة له وإلى تحول الجمهوريات السوفياتية غير الروسية إلى جمهوريات مستقلة. هذه الجمهوريات تحاول تطوير استقلالها، وكل من الغرب والصين يحاول استغلال ذلك بأساليب مختلفة لغير مصلحة روسيا.
في غضون ذلك، يعتمد مستقبل روسيا الخاص على قدرتها في أن تصبح دولة ـ أمة كبرى ومؤثرة وجزءاً من أوروبا الموحدة. عدم القيام بذلك ستكون له عواقب سلبية على قدرة روسيا على تحمل الضغوط المتنامية إقليمياً وديموغرافياً من الصين.
ثالثاً: يتطلب النجاح الاقتصادي الكبير للصين صبراً ووعياً بأن الاستعجال السياسي سيسبب مشاكل اجتماعية. الاحتمال السياسي الأفضل للصين في المستقبل القريب هو أن تصبح شريك أميركا الرئيسي في احتواء الفوضى العالمية من النوع الذي ينتشر في الشرق الأوسط. وإذا لم يتم احتواء ذلك، فإنه سوف يلوث المناطق الجنوبية والشرقية في روسيا وكذلك الأجزاء الغربية من الصين. توثيق العلاقات بين الصين والجمهوريات الجديدة في آسيا الوسطى، وباكستان، وخصوصاً إيران بالنظــر إلى أصولها الاســـتراتيجية وأهميتها الاقتصادية، هي الأهداف الطبيعية للجـــهد الجيو ـ سياســــي الإقليمي الصـــيني الذي ينبغي أيضاً أن يكون من ضمن أهداف التفاهم الصيني الأميركي.
رابعاً: لن يعود الاستقرار إلى الشرق الاوسط ما ظنت التشكيلات العسكرية المسلحة المحلية أنها يمكن أن تكون في وقت واحد مستفيدة من الترتيبات الإقليمية بينما تمارس العنف الشديد. لا يمكن كبح قدرتها على التصرف بطريقة وحشية إلا من خلال ضغط فعال من تحالف الولايات المتحدة وروسيا والصين، والذي يحسّن بدوره، من الاستخدام المسؤول للقوة من قبل الدول الإقليمية (إيران وتركيا وإسرائيل ومصر). في الظروف العادية، فإن المملكة العربية السعودية ستكون لاعباً مهماً في تلك القائمة، ولكن الميل الحالي للحكومة السعودية لا يزال لتعزيز التعصب الوهابي، حتى حين تنخرط في جهود التحديث المحلية الطموحة، وهو ما يثير شكوكاً خطيرة بشأن قدرة السعودية على لعب دور إقليمي بناء.
قد يمهد الانسحاب الأميركي الشامل من الشرق الأوسط، بتشجيع من الانعزاليين الأميركيين، الطريق لحروب جديدة في العالم الإسلامي: على سبيل المثال إسرائيل ضد إيران أو السعودية ضد إيران أو تدخل عسكري مصري في ليبيا، وهو ما سيتسبب في أزمة ثقة بالدور الأميركي عالمياً. على الجانب الآخر ستستفيد روسيا والصين من هذا الانسحاب الأميركي وستصبح أوروبا في سباق للمنافسة للحصول على ضمانات من القوى الثلاث (أميركا وروسيا والصين). على أميركا أن تعمل على إعادة روسيا إلى مجالها الأوروبي بعد بوتين، وعلى مشاركة الصين الأعباء في الشرق الأوسط كتجربة لشراكة أميركية ـ صينية عالمية نحو الاستقرار العالمي».

الخلاصة
لم تفلح السنوات الكثيرة التي أمضاها بريجينسكي في مقاعد السلطة وردهات البحث والتعبيرات الرصينة التي تزخر بها مقالاته في إخفاء العداء الشديد الذي يكنّه لروسيا وبوتين. حتى أنه يتحدث بوضوح عن روسيا ما بعد بوتين ووضعها كقوة مهمة داخل المجال الأوروبي حصرياً، وهو أمر ليس بالمستغرب نظراً إلى أن الصراع بين روسيا والغرب طبع ودمغ خيالات كبار استراتيجيي الغرب العظام على مدار قرون لا عقود فقط. قد لا تبدو روسيا الآن مهددة لمكانة واشنطن دولياً من الناحية الاقتصادية، إلا أن بريجينسكي يتعامل مع روسيا «الساعية إلى استعمال القوة في مواجهة جيرانها» باعتباره معلماً بصدد تعنيف تلميذه وتقريعه. ومع ذلك يفسح بريجينسكي عن دور دولي محدود لروسيا في معية أميركا والصين لمكافحة العنف القادم من الشرق الأوسط، لكن وفقاً للرؤية والخطوط الأميركية. بالمقابل، يعترف بريجينسكي بأهمية الصين كمنافس لأميركا دولياً وبأدوارها، إلا أنه يصف سلوكها بـ «السلبي الأناني» في ما يخص الشرق الأوسط ويدعوها لتقاسم الأعباء مع أميركا في الشرق الأوسط كتجربة على شراكة مستقبلية عالمية. بريجينسكي، المولود في بولندا، لا يجد غضاضة في شطب وضعية القطب الدولي من الاتحاد الأوروبي حيث يقرر ببساطة أن أوروبا ليست قطباً دولياً? ولن تكون كذلك!

 

 


 ثلاثة اسباب تدفع بالرئيس اردوغان للعودة الى التحالف مع الاسد.. ما هي؟ ومن هم ضحايا هذا “الانقلاب” التركي الذي عبرت عنه تصريحات يلدريم المفاجئة؟ وهل هي بداية انهيار حلم “الدولة الكردية”؟ واين امريكا من كل هذا؟
توحي التصريحات التي ادلى بها السيد بن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي يوم امس (السبت) بحدوث انقلاب كبير في الموقف التركي تجاه سورية، جاء على ارضية “تفاهمات سرية” جرى التوصل اليها عبر الحليف الروسي، وقرب حدوث حوار علني بين الخصمين اللدودين، سواء في العاصمة السورية دمشق، او نظيرتها التركية انقرة.
السيد يلدريم فاجأنا مرة اخرى يوم امس عندما قال كلاما “محرما” حتى قبل شهرين على الاقل، وتحدث عن الرئيس السوري بشار الاسد بلغة تتسم بالاحترام والتقدير لمكانته “ودوره البارز كأحد الفاعلين في النزاع″، واكد “ان تركيا ترغب بالقيام بدور كبير في الازمة السورية خلال الاشهر الستة المقبلة سعيا للتوصل الى وقف حمام الدم، ومنع استفحال الوضع″.
من كان يصدق حتى قبل ايام معدودة ان يكيل السيد يلدريم كلمات الغزل هذه بالرئيس الاسد، وهو الذي عملت بلاده طوال السنوات الخمس الماضية، بكل ما اؤتيت من قوة لاطاحة هذا الرئيس “الذي يذبح شعبه ويدمر بلاده؟”.
ننقل عن السيد يلدريم قوله حرفيا “شئنا ام ابينا (الرئيس) الاسد هو احد الفاعلين اليوم في النزاع في هذا البلد، ويمكن محاورته من اجل البدء في المرحلة الانتقالية التي نصت عليها نتائج اجتماعات مؤتمر جنيف”.
***


السياسة مصالح، والتراجع عن بعض المواقف الاستراتيجية، مثلما هو حال الحكومة التركية، لا يتم بالانقلاب بزاوية حادة، او بمئة وثمانين درجة، وانما بشكل تدريجي، وهذا ما فعله، ويفعله، السيد يلدريم منذ تولى رئاسة الوزراء خلفا للسيد احمد داوود اوغلو، ولا نستبعد ان تغيير الاخير جاء بهدف تقديمه “ككبش فداء”، وبما يبرر هذه الانعطافة الحادة في الموقف التركي تجاه الازمة السورية.
يعود “الفضل” في هذا التغيير الى ثلاثة امور رئيسية متشابكة، ولا يمكن فصل بعضها عن بعض:

اولا: اسقاط الطائرة الروسية قرب الحدود السورية التركية في تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي، وهو الحادث الذي اوقع الرئيس رجب طيب اردوغان في مأزق حقيقي مع الجار الروسي، وفضح خذلان حلف الناتو له، الذي هو عضو فيه، وتخليه عنه.
الثاني: تفضيل الولايات المتحدة واوروبا للاكراد عندما خيرها الرئيس اردوغان الاختيار بينه وبينهم، وادرك حينها ان الغرب يسعى حثيثا لاقامة الدولة الكردية “التاريخية” على طول حدود بلاده الجنوبية مع سورية والعراق وايران، وادرك بعدها، وهو السياسي المحنك، انه يقف في المعسكر الخطأ، وان وحدة بلاده الترابية باتت مهددة اكثر من اي وقت مضى، ومن قبل الاصدقاء الامريكان، وليس الخصوم السوريين والعراقيين والايرانيين.
الثالث: الانقلاب العسكري الفاشل منتصف الشهر الماضي الذي فتح اعين الرئيس اردوغان واركان حزبه الى الاخطار الداخلية التي تهدد وحدة بلاده السياسية والجغرافية، بسبب اعطائه الاولوية للحرب في سورية.

السيد يلدريم الصديق الصدوق للرئيس اردوغان جرى تعيينه لاصلاح هذا الوضع، وتغيير المعادلة، والتمهيد لتغيير خريطة الحلفاء والاعداء، (او غير الاصدقاء) بالنسبة الى تركيا، ولذلك بدأ في اليوم الاول لتوليه المنصب، في العمل في هذا الاتجاه، وتحدث في خطابه الاول الذي شرح فيه برنامج حكومته للبرلمان عن عبثية الحرب في سورية، وضرورة اتباع سياسة “صفر مشاكل” مع الجيران.
لنترك الماضي، ونتحدث عن المستقبل، ونقول ان تركيا تمهد للدخول في حلف رباعي يضمها الى جانب العراق وايران وسورية، في مواجهة عدو مشترك هو الاكراد، الذين بدأت طموحاتهم الانفصالية تتضخم بدعم امريكي اوروبي، وهذا يعني التخلي عن ارث السنوات الخمس الماضية، من تدخلات عسكرية في سورية، وحرب بالنيابة على ارضها لاسقاط نظامها، وبالتنسيق مع السعوديين والقطريين، وتبني المعارضة السورية وتسهيل عمليات تمويلها وتسليحها.
ما يعزز هذا الاستقراء من جانبنا، ثلاثة مؤشرات رئيسية لا بد من ذكرها والتوقف عندها:

الاول: قيام طائرات سلاح الجو السوري وللمرة الاولى منذ بداية الازمة بقصف مواقع “الاسياش”، او الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، وهو القصف الذي رحبت به على لسان السيد يلدريم، وقال معلقا “ان دمشق فهمت ان الاكراد اصبحوا يشكلون تهديدا لسورية ايضا”.
الثاني: تحريك الولايات المتحدة طائرات الى منطقة الحسكة، حيث وقعت الاشتباكات بين قوات الجيش السوري ونظيرتها الكردية، التي تسيطر على ثلث المدينة، مما يعني ان امريكا تلتزم بحماية الاكراد، ومستعدة لدخول حرب اذا استدعى الامر.
الثالث: الفتور المتزايد في العلاقات الخليجية التركية، وبين الرياض وانقرة، على وجه الخصوص، وسخونتها في المقابل بين ايران وتركيا المتمثلة في الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في البلدين على مستوى وزراء الخارجية، وقريبا على مستوى الزعماء، بالنظر الى زيارة الرئيس اردوغان القريبة الى طهران.

***
السياسة لعبة ليست هينة، وربما يفيد التذكير بأن السياسيين الدهاة يلعبون بكل الاوراق المتاحة لديهم في سبيل خدمة بلدانهم ومصالحهم، وهذا ما فعله، ويفعله الساسة السوريين والايرانيين والاتراك حاليا.
القيادة السورية لعبت بالورقة الكردية طوال السنوات الخمس الماضية، وتحالفت مع الاكراد في وجه المعارضة المدعومة امريكيا وخليجيا، ونظيرتها التركية لعبت بورقة المعارضة السورية في المقابل والدول الخليجية الداعمة لها، والآن تجري عملية مقايضة بين هاتين القيادتين، الاولى، اي السورية، تتخلى عن الاكراد مقابل تخلي الثانية عن المعارضة السورية وداعميها، او هكذا نفهمها نحن.
شهر العسل التركي مع المعارضة السورية ربما يكون اقترب من نهايته، وربما يمكن القول الشي نفسه عن علاقاتها، اي المعارضة، بالولايات المتحدة الامريكية التي لم تتردد مطلقا في تحريك طائرات لحماية حلفائها الاكراد، بينما لم تحرك “موتور سايكل” لحماية حلفائها في المعارضة السورية.
ونكتفي بهذا القدر في الوقت الراهن، ولنا عودة، بل اكثر من عودة، الى هذا “الخذلان” الامريكي لحلفائهم من العرب.

 

 

 


أزمة صامتة بين السعودية وعمان سببها الحوثيون
كشفت مصادر يمنية لـ”العرب” عن وجود أزمة صامتة بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان. وقالت إن في أساس هذه الأزمة ما تعتبره السعودية انحيازا عُمانيا للحوثيين في ضوء التطور الإيجابي للعلاقة القائمة بين مسقط وطهران، وهو تطور أخذ أبعادا جديدة في الأشهر القليلة الماضية بعيدا عن التوازن الذي كانت عُمان تحافظ عليه في الماضي.

وأشارت إلى أن أكثر ما يعبّر عن هذه الأزمة في الوقت الحاضر عجز أعضاء الوفد، الذي يضم ممثلي الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح “المؤتمر الشعبي العام” في مفاوضات الكويت، عن العودة إلى صنعاء.

وأوضحت أن أعضاء الوفد وبينهم رئيسه محمد عبدالسلام، وهو من القيادات الحوثية، وعارف الزوكا، أحد قياديي المؤتمر الشعبي العام، لم يتمكنوا من العودة إلى العاصمة اليمنية في طائرة خاصة وضعتها سلطنة عُمان تحت تصرّفهم. وعزت ذلك إلى أن السلطات السعودية تشترط من أجل السماح للطائرة بالهبوط في مطار صنعاء توقفها في أحد مطاراتها لتفتيشها والتأكد من هوية الركاب الذين تنقلهم. ويرفض أعضاء الوفد الخضوع للإجراءات السعودية ويصرون على العودة مباشرة من مسقط إلى صنعاء.

وكان أعضاء الوفد اليمني الحوثي ـ المؤتمري غادروا الكويت إلى مسقط أواخر الشهر الماضي بعد تعليق مفاوضات الكويت في غياب القدرة على تحقيق أي تقدم في اتجاه تسوية سياسية.

ومعروف أن التحالف العربي الذي تقوده السعودية يفرض رقابة على حركة الطيران في مطار صنعاء وهو يجبر كلّ طائرة تقلع من مطار صنعاء أو في طريقها إليه، على التوقف في جدة لتفتيش الركاب ومعرفة هوياتهم.

وكشفت المصادر نفسها أن ممثل الأمم المتحدة في اليمن الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد موجود في مسقط حاليا وذلك في محاولة لإيجاد تسوية بين السعودية وعُمان تسمح لأعضاء الوفد اليمني بالعودة إلى صنعاء.

على صعيد آخر قالت مصادر سياسية لـ”العرب” إن قرار تحرير مدينة تعز قد صدر بالفعل بعد تعثر مشاورات السلام في الكويت إثر رفض وفد الحوثيين التوقيع على خطة السلام المقدمة من المبعوث الدولي إلى اليمن وحظيت بمباركة الدول الـ18 الراعية للمشاورات.

وتجددت المعارك في محافظة تعز بعد محاولة الحوثيين قطع آخر طرق الإمدادات بين تعز وعدن في منطقة “هيجة العبد” جنوبا وهو الأمر الذي استدعى وفقا لمصادر “العرب” تدخلا مباشرا من التحالف العربي الذي أشرف على وضع وتنفيذ خطة لفك الحصار عن تعز والبدء في تحريرها بشكل كامل من قبضة الميليشيات الحوثية.

وقال الصحافي اليمني طه صالح في اتصال هاتفي مع “العرب” من تعز إن المواجهات الأخيرة التي شهدتها المدينة أفضت إلى فتح الطريق بين تعز ومدينة عدن من الجهة الغربية للمدينة، مضيفا أن معارك شديدة تدور في جبل “هان” الاستراتيجي الذي يتوقع أن يحكم الجيش الوطني والمقاومة السيطرة عليه بشكل كامل خلال الساعات القادمة.

وتتمتع محافظة تعز بأهمية استراتيجية، حيث تمثل أكبر كتلة سكانية في اليمن، كما تربط شمال اليمن بجنوبه من الناحية الجيوسياسية، ويستميت الحوثيون في إبقاء المحافظة تحت سيطرتهم، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي يتكبدونها وعدم وجود أي حاضنة اجتماعية أو مذهبية لهم في المحافظة.

 

 

 


 رسائل همدان
مصطفى اللباد 22-08-2016 01:20 AM
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-22 على الصفحة رقم 13 – قضايا وآراء
انتقلت محافظة همدان الإيرانية من ذاكرة التاريخ والشعر إلى عين المشهد الإقليمي الراهن، بعد انطلاق الطائرات الروسية من قاعدة همدان العسكرية إلى حلب. همدان الخضراء التي يعرفها غالبية سكان المنطقة عبر انتساب بديع الزمان الهمداني مؤلف المقامات الشهير إليها، أظهرت جانباً غير معهود من شخصيتها هذه المرَّة. ومثلما كتب العلامة ابن سينا رسائله وأبحاثه العلمية في همدان التي دفن فيها، فقد ظهرت مجموعة من الرسائل متعدّدة الاتجاهات في سماء همدان، بالتوازي مع العمليات العسكرية، في اتجاهات شتى إيرانية وروسية داخلية وأميركية أيضاً.
اعتبارات إيرانية
للمرة الأولى منذ انتصار الثورة سمحت السلطات الإيرانية، الأسبوع الماضي، للطائرات النفاثة الروسية باستعمال قاعدة «نوجه» الجوية الواقعة في محافظة همدان، للانطلاق نحو قصف أهدافها في حلب. تملك محافظة همدان، الواقعة غرب إيران، الإمكانية الجغرافية بتقصير الطريق من روسيا إلى حلب، وبالتالي الميزة العسكرية للطائرات المغيرة بتحميل ذخيرة أكثر ووقود أقل للقيام بعملياتها في سوريا. تنسّق كل من إيران وروسيا في سوريا، وكلتاهما تساند قوات النظام. ومن هنا فقد يعتبر البعض أن الخطوة مفهومة وطبيعية لتغيير موازين القوى في حلب، بعدما كسرت المعارضة الحصار المفروض على المدينة. ومع ذلك يمثل الدستور الإيراني عائقاً كبيراً أمام فتح القواعد العسكرية الإيرانية أمام القوات الأجنبية، حيث تقضي المادة 146 منه بمنع تأسيس قواعد عسكرية لأي قوة أجنبية على أراضي إيران، مهما كانت الأسباب. ورداً على استجواب النائب فلاحت بيشه في البرلمان الإيراني حول استخدام القوات الروسية قاعدة همدان العسكرية، فقد انبرى رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي قائلاً «القاعدة ليست روسية ولا توجد بها قوات روسية، وكل ما في الأمر أن الطائرات الروسية تتزوّد فيها بالوقود قبل استكمال طريقها نحو حلب». أما علي شمخاني سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني ووزير الدفاع السابق، فقال: «علاقاتنا مع روسيا استراتيجية لمكافحة الإرهاب في سوريا». وفي الأحوال كلها، لا يتصوّر موافقة السلطات الإيرانية على خطوة كهذه من دون موافقة المرشد، ما يعني أن فتح قاعدة همدان يحظى بأوسع تغطية سياسية ودستورية ممكنة.
ونظراً للسابقة التاريخية، فقد تضاربت التحليلات على الجانب الإيراني، حيث اعتقدت بعض المصادر الإيرانية أن قرار السماح للطائرات الروسية بالتزود بالوقود على أراضيها يستبطن قراراً سيادياً بتحويل اختصاصات مجلس الأمن القومي الإيراني في الموضوع السوري إلى وزارة الخارجية، على غرار ما حدث إبان المفاوضات النووية. ويعني ذلك ضمناً تقوية لجناح ظريف ـ روحاني في الحل السوري خصوصاً، في مواجهة خصومهم بالمؤسسات المتشددة. ولكن نظرة أعمق إلى التكلفة السياسية لسماح إيران باستخدام روسيا قاعدة همدان تقول العكس، وأن النتيجة ستكون فادحة لروحاني وإدارته. ومردّ ذلك أن رهان روحاني الأساسي بعد إبرام الاتفاق النووي مع الغرب يقوم على فتح الأسواق الإيرانية أمام رؤوس الأموال العالمية لاجتذابها، وما يتطلّبه ذلك من تحسين إيران لعلاقاتها مع الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. والخطوة الأخيرة المتعلّقة بقاعدة همدان والسماح لروسيا باستعمال القواعد الإيرانية سيؤثران سلباً على هدف روحاني المذكور، وتضعف مواقعه دولياً وأميركياً. تتوجه طهران مجدداً إلى روسيا والصين في رسم علاقاتها الدولية، في ما يعد تقوية للجناح المعارض لروحاني وإدارته. كما ترسل إيران ـ المرشد رسالة إلى أميركا بأن لها خيارات أخرى ممكنة في حال انتخاب دونالد ترامب وسعيه المعلن لإلغاء الاتفاق النووي الموقع مع إيران.
حسابات روسية
صحيح أن المقاتلات الروسية من طراز توبوليف ليست في وارد البقاء في إيران، إلا أنها في الأغلب في وارد تكرار الاستعمال للقواعد الإيرانية، طالما استمرت العمليات العسكرية على الأراضي السورية. يمثل ذلك نجاحاً كبيراً لروسيا في تجاوز إرث تاريخي من عدم الثقة بينها وبين إيران، والدليل على ذلك الحروب التي دارت بين روسيا القيصرية وإيران القاجارية في القرن التاسع عشر (كلستان 1813 وتركمان جاي 1828) وفقدت إيران بموجبها أراضي شاسعة لمصلحة روسيا في القوقاز، وأيضاً احتلال روسيا لشمال إيران بالوكالة العام 1945 قبل أن تعود لتنسحب من هناك لاحقاً. هذا الإرث الإيراني الكبير من الشك وعدم الثقة تجاه روسيا يبدو وكأنه انزاح إلى خلفية المشهد، وهي نتيجة إيجابية لروسيا وديبلوماسيتها. ويعني تزوّد الطيران الروسي بالوقود في إيران أن روسيا تنوّع علاقاتها في المنطقة بتطويقها من جهات مختلفة: تحالف مع إيران، وتنسيق عالٍ مع إسرائيل وعلاقات جيدة مع تركيا وعلاقات ليست عدائية مع الدول العربية. ولعل هذه النتيجة الممتازة لروسيا لم تكن متصورة قبل التدخل الروسي في سوريا أي قبل عام واحد فقط من الآن. ومع حديث الصحافة الروسية القريبة من بوتين عن انضمام دول وازنة في الشرق الأوسط إلى رؤية موسكو الاستراتيجية، يبدو أن تصريف النجاح الروسي سيكون في الداخل الروسي أيضاً مع الانتخابات البرلمانية قريباً، مثلما سيكون في الخارج على خلفية المقايضات المحتملة مع الإدارة الأميركية الجديدة.
راهن أوباما على المصاعب الاقتصادية الروسية وعلى اختلاط الحسابات الإقليمية لكي تخرج روسيا خاسرة من المنطقة، لكن الشواهد تقول إن روسيا تكسب المزيد من الحلفاء الإقليميين في الشرق الأوسط. ربما يكون انشغال أميركا بانتخاباتها الرئاسية مسهلاً للوصول إلى تلك النتيجة الصادمة للغرب، إلا أن تخبط أوباما وإدارته في الملف السوري طيلة الأعوام الخمسة الماضية يبدو العامل الرئيسي وراء الاندفاع الروسي الحالي في المنطقة.
ترسل موسكو إلى واشنطن رسالة على جناح طائراتها المقاتلة في همدان أنها باقية في المنطقة، بل وتأتيها حتى من أبواب مختلفة. بالمقابل تبدو تركة أوباما الشرق أوسطية صعبة على من سيخلفه، سواء كلينتون أو ترامب، لأسباب متنوعة ليس أقلها تغير وضعية روسيا في المنطقة.

 

 


 السفير
تركيا في سوريا وروسيا وإيران: الاستدارة المستحيلة!
محمد نور الدين 20-08-2016 02:16 AM
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-20 على الصفحة رقم 4 – عربي ودولي
لا يختلف اثنان على ان المحاولة الانقلابية العسكرية في تركيا تركت آثارها الكبيرة على مجمل المشهد الداخلي التركي كما على سياسة تركيا الخارجية.
رغم أن التطبيع بين تركيا وروسيا بدأ قبل الانقلاب العسكري، لكن الانقلاب منحه زخماً كبيراً، بحيث لم ينتظر الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين انعقاد قمة دول العشرين الاقتصادية في بكين مطلع أيلول المقبل، بل تقصد أردوغان ان يقدم موعد الزيارة إلى التاسع من آب، وان يكون اللقاء من خلال زيارة خارجية أولى بعد الإنقلاب، إلى عرين خصمه في سان بطرسبورغ.
وتلى ذلك الكلام لقاءات ثنائية عسكرية واستخبارية وسياسية بين البلدين في موسكو، ومن ثم شاع كلام عن تفاهمات وبداية مرحلة جديدة من التعاون.
ومن تداعيات الانقلاب أن العلاقات مع إيران شهدت حرارة أعلى من قبل، وتجلّت في زيارة وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف إلى أنقرة ولقائه مع المسؤولين الأتراك.
ويروي وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو كيف انه وظريف تواصلا أكثر من أربع مرات ليلة الانقلاب للإطمئنان على الوضع، ومن أن ظريف، بالتشاور مع قيادات إيرانية، شجع نظيره على الإسراع بإنزال الناس إلى الشوارع لإفشال الإنقلاب. وتحدثت أوساط الوفد الإيراني ووسائل إعلامية عن تطورات إيجابية قريبة في سوريا.
عندما يتحدث الجميع عن تحول ما في السياسة الخارجية التركية، تكون العين حتماً على سوريا التي تحولت إلى بندٍ أول وشبه أوحد في اهتمامات حزب «العدالة والتنمية».
مع مرور الوقت تحولت سوريا إلى عبء على تركيا وأمنها واستقرارها. تفجيرات وفوضى أمنية في كل مكان. تجدد الصراع المسلح بين الدولة التركية و «حزب العمال الكردستاني». مشكلة لاجئين متفجرة في تركيا ومع الاتحاد الأوروبي. وأخيراً وليس آخراً، نشوء بنية كيان كردي في شمال سوريا.
وبسبب سوريا، كان التدهور في العلاقات التركية ـ الأميركية. خلافات حول طبيعة الدور التركي وحدوده وسقوفه، وحول دور قوات الحماية الكردية في الأزمة السورية. خلافاتٌ كانت ذروتها في حصول محاولة انقلابية فاشلة.
لا شك أن اتهام انقرة لواشنطن بأنها متورطة في الانقلاب العسكري لا يشبه أي خلاف سابق بين تركيا وأميركا، خصوصاً في ظل وجود شخصية عنيدة ومكابرة مثل أردوغان في رأس السلطة السياسية في أنقرة.
الخلاف مع أميركا بسبب المحاولة الانقلابية سيترك جرحاً عميقاً في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، ومن غير المتوقع ان تشهد تحسناً ملحوظاً قبل انتهاء ولاية باراك اوباما، وقبل أن تتبلور السياسة الخارجية الجديدة للرئيس الجديد.
لقاءات تركيا مع روسيا وإيران انعكست سقفاً عالياً جداً من التوقعات لجهة إقامة أحلاف او تفاهمات حول القضايا الإقليمية، ولا سيما في سوريا. توقعات هي أقرب إلى التمنيات منها إلى أي شيء آخر.
ذلك ان الحديث عن تغيير جدي او استدارة في الموقف التركي تجاه سوريا والمنطقة تفترض تحكيم معايير معينة للفصل في إمكانية حدوث هذا التغيير. من هذه المعايير:
1 ـ طبيعة المشروع التركي في سوريا والمنطقة. هذا المشروع بدأ بطموح الهيمنة تحت عنوان العثمانية الجديدة، وكان مُنظّر هذه العثمانية احمد داود أوغلو المحرك الأساسي لهذا المشروع. ولأن طبيعة المشروع تفترض الهيمنة على المنطقة، فإن انكساره يعني فشله. وحتى الآن لا يتجرأ أردوغان على إعلان فشله والتصالح مع الواقع، لأن التصالح لن يكون سوى عنوان فشله وانتفاء مبرر وجوده كل تلك السنوات الماضية، فكيف بأن يبقى بعد إعلان الفشل.
وهنا نشير إلى ما عرضه رئيس وزراء تركيا بن علي يلديريم من خطة من ثلاث نقاط لحل الأزمة في سوريا، والتي لا تحمل جديداً يمكن البناء عليه سوى انه يقبل بوجود الرئيس السوري بشار الأسد مؤقتاً، على ألا يكون له مكان على المدى البعيد. وهي خطة لم تشر أبداً إلى العمل المشترك لضرب التنظيمات الإرهابية. كما أنها لا تزال تحمل تلك «السوسة» التي لم يتخل أردوغان عنها وانتقلت إلى يلديريم، وهي الاستمرار في رمي الإملاءات على الشعب السوري حول ما الذي يجب فعله وما لا يجب فعله كما لو انه شأن داخلي تركي. ولا يختلف يلديريم كثيراً إلا بالكلام الإنشائي عما كان يتكرر في عهد داود اوغلو سابقاً.
2 ـ شبكة علاقات أردوغان البنيوية مع «داعش» والمتشددين. كانت العلاقة مع التنظيمات المتطرفة ومنها «داعش» و«جبهة النصرة» إحدى ادوات أردوغان لتنفيذ مشروعه في سوريا والعراق. وكانت رعايته وحضانته لهذه التنظيمات سبباً في نشوء بيئة حاضنة لها داخل تركيا وداخل حزب «العدالة والتنمية». وأردوغان لا يزال يراهن على دور ما لهذه التنظيمات، وتجلى ذلك في معركة حلب الأخيرة والدورالمركزي لـ «الحزب الاسلامي التركستاني» (اويغور الصين). كما أن تخلي أردوغان عن هذه الرعاية ستحمل له من المخاطر المتعددة داخل تركيا ما هو ليس مضطرا له في هذه المرحلة التي لم تصل بعد إلى حد التوصل الى حل سياسي للأزمة السورية.
3 ـ لن يبادر أردوغان إلى أي خطوة جذرية او حتى نصف استدارة في ظل العلاقات التحالفية مع دول مؤثرة مثل قطر والسعودية. فأي تحولات تجاه إيران وروسيا وبالتالي انعكاسها على سوريا يحتاج أيضاً إلى تنسيق مع السعودية تحديداً. وفي ظل العلاقات المتوترة بين السعودية وإيران وانتقاد السعودية الشديد لروسيا والدور السعودي العالي في سوريا الهادف لإسقاط الرئيس السوري، فإن هذا الواقع لا يساعد على إحداث تغيير ما في الموقف التركي من سوريا ولا في الاندفاع نحو علاقة تحالفية مع ايران او روسيا.
4 ـ طبيعة العلاقات التركية ـ الأميركية. وهذا برأينا هو بيت القصيد في هذه المرحلة. فتركيا بعد الانقلاب وتوجيه الاتهام لواشنطن بحماية فتح الله غولن بل تورطها في الانقلاب، ادخل الى العلاقات الثنائية معطى جديداً غير مسبوق في تاريخ العلاقة الثنائية. معطى لا يمكن ان يقفز عنه أردوغان بسهولة، وهذا المعطى سوف يبقي العلاقات الثنائية متوترة إلى وصول رئيس أميركي جديد قد يجد حلاً لهذه المشكلة. وربما يكون وصول دونالد ترامب وتأكيده مشاركة ضباط من الاستخبارات الأميركية في الانقلاب هو ما يريده الأتراك ويتمناه أردوغان ويساعد حينها، ربما في تسليم غولن إلى تركيا. وحتى ذلك الحين، فلن تغامر تركيا في اتخاذ أي موقف تغييري جذري تجاه سوريا. فهي لا تستطيع ذلك بمفردها، وتحتاج إلى تغطية أميركية لن توفرها إدارة اوباما في انتظار الإدارة المقبلة.
5 ـ طبيعة التهديدات الاستراتيجية المحيطة بتركيا عبر التاريخ. حيث تتحدد طبيعة هذه التهديدات من خلال المحطات التاريخية والتجارب والحروب وغير ذلك من عوامل، ولا تتحدد وفق عوامل مستجدة او عابرة. من هذه الزاوية، فإن تركيا تصنف العناصر الروسية والسلافية والعربية والفارسية والكردية والأرمنية واليونانية والقبرصية على أنها تهديدات مؤكدة للهوية التركية وللأمن القومي التركي. لذا فإن أي استدارة تركية نحو هذه العناصر اليوم غير ممكنة، لأنه لا يمكن مد اليد إلى عناصر تعتبر تهديدات استراتيجية ومنها روسيا وإيران، رغم كل ما يرى أنه علاقات ممتازة لتركيا مع إيران وروسيا. والدليل على ذلك أن مجرد إسقاط طائرة روسية من قبل تركيا كاد يؤدي إلى حرب بين البلدين. بينما تورط اميركا في الإنقلاب العسكري الأخير لم يدفع أردوغان إلا إلى انتقادها ودعوتها لتسليم غولن، فلم تسحب انقرة سفراء ولم تقطع العلاقات ولم تفرض عقوبات. وذلك لأن العلاقات مع اميركا والغرب هي الاستراتيجية لتركيا من كل النواحي.
مثال آخر وذو دلالة مثيرة هو انه رغم وجود كل المبررات الأخلاقية والدينية والانسانية والقانونية والإيديولوجية لكي لا تكون إسرائيل صديقة فكيف بحليفة، فإن تركيا تنظر إلى إسرائيل على انها «ذخر استراتيجي» في مواجهة التهديدات الثابتة في المنظور التركي. ورغم كل شيء تعود تركيا إلى علاقات طبيعية واستراتيجية مع إسرائيل التي لم تغير قيد أنملة سياستها العدوانية والتوسعية ضد الشعب الفلسطيني والمنطقة. وعندما تكون إسرائيل حليفة استراتيجية لتركيا، فإن الكلام لا معنى له عن استدارة تركية، لا في اتجاه سوريا ولا إيران ولا العراق. ولا ننسى ان إسرائيل هي التي تعاونت مع اميركا لاعتقال عبد الله اوجلان عام 1999، وأن أميركا هي التي لا تزال تكبح السعي الأرمني للإعتراف بالإبادة من قبل البيت البيض. والأمثلة الأخرى كثيرة.
6 ـ واقع الوضع الداخلي في تركيا ومدى قدرة تركيا على التحرك الخارجي في ظل الانشغال الداخلي لسلطة حزب «العدالة والتنمية». فحتى الآن، لم تتضح جوانب كثيرة من الانقلاب العسكري. مَن المشاركون ومن وراؤه (عدا التهمة لفتح الله غولن الذي تحدى تركيا ان تثبت أن له نسبة واحد في المئة نصيب في الانقلاب). وسيمر وقت طويل قبل أن تستقر الدولة التركية على قدميها من جديد. فأردوغان لا يعمل فقط على ترتيب ركائز سلطته وسلطة حزبه، بل يعمل على إعادة بناء الدولة، كل الدولة. وهذه مهمة شاقة وطويلة وغير معروفة النتائج ولا سيما على صعيد بنية المؤسسة العسكرية. وليس من المتوقع ان تعمد تركيا إلى اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة في الخارج قبل أن تتضح ملامح صورة الوضع في الداخل التركي وهذه ستأخذ وقتاً طويلاً.

الغموض المستمر
شهر مر على انقلاب 15 تموز. 81 ألف موظف طردوا من وظائفهم و11 ألف معتقل. من الأمن إلى رئاسة الشؤون الدينية، من العسكر إلى الديبلوماسية، ومن القضاء إلى البلديات ووسائل الإعلام. ما يخطر على الذهن أن هؤلاء أدلوا بشهاداتهم واعترفوا. لكن حتى الآن لا يزال الغموض يحيط بليلة الانقلاب.
الأسئلة كثيرة: لماذا لم تتحرك الاستخبارات ورئاسة الأركان بعد ورود إخبار باحتمال القيام بانقلاب؟ لماذا رئيسا الاستخبارات والأركان لم يبلغا رئيس الجمهورية بذلك؟ ولماذا انتظرا خروج الدبابات إلى الشوارع؟ ولماذا لم يستطع أردوغان الوصول إلى حقان فيدان تلك الليلة؟ وأليست فضيحة أن يعرف أردوغان من صهره لا من فيدان؟ هناك أسئلة كثيرة جدا وربما هي أهم من محاولة الانقلاب نفسها. (ميلييت)

 

 


تركيا وايران تقتربان من حل سياسي للازمة السورية برعاية روسية.. وزيارة اردوغان الاربعاء المقبل لطهران خطوة رئيسية في هذا الاتجاه.. الاكراد هم السبب وقد يكونون الضحية.. وارسال طائرات امريكية لحمايتهم من الغارات السورية تطور خطير قد يقلب كل المعادلات والتفاهمات
خطوط الاتصالات الايرانية التركية تزداد سخونة هذه الايام، ومن غير المستبعد ان تتمخض الزيارة التي سيقوم بها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى طهران الاسبوع المقبل، (ربما يوم الاربعاء)، عن مفاجآة كبيرة ليس على صعيد حدوث اختراق في المصالح الثنائية التجارية، وانما ايضا على صعيد الازمة السورية.
الاسبوع الماضي زار السيد محمد جواد ظريف وزير الخارجية الايراني انقرة، والتقى الرئيس رجب طيب اردوغان، وامس الخميس، طار الى طهران مولود جاويش اوغلو في زيارة سرية غير معلنة اجتمع خلالها مع نظيره الايراني ظريف لخمس ساعات.
ماذا يجري بالضبط، وما هو محور هذه الاتصالات واللقاءات السرية والعلنية؟ وما هي اسباب هذه “الحميمية” المفاجئة في العلاقات بين البلدين اللذين يقفان في خندقين متواجهين في الازمة السورية؟
للاجابة على هذا السؤال لا بد من العودة الى التصريحات “الصادمة” التي ادلى بها السيد نعمان كورتولموش، نائب رئيس الوزراء التركي الى الصحافيين، ونقلتها صحيفة “حرييت” التركية، ونقول صادمة، لانه وجه فيها انتقادا شرسا غير مسبوق لسياسة بلاده في سورية، عندما وصفها بأنها “اصبحت مصدرا لآلام كثيرة تعاني منها تركيا اليوم”، واضاف في موضع آخر “انشاء الله سيتم قريبا التوصل الى حل يمكن للشعب السوري ان يقبله ويكون بديلا عن فرض الحل من الخارج”.
الجملة الاهم في تصريحات السيد كورتولموش في رأينا تلك التي قال فيها “انني اؤمن بأنه حان الوقت لانتهاء الحرب بالوكالة في سورية، وانشاء الله سنجد الحل”، ولا نعتقد ان هذا التفاؤل يأتي من فراغ او من قبيل التمنيات.
هذا الانقلاب في الموقف التركي تجاه الازمة السورية الذي تتبلور عناصره بسرعة، يعود بالدرجة الاولى الى اعتماد الولايات المتحدة الامريكية الاكراد كحليف استراتيجي، والتقدم الكبير الذي حققته قوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية في شمال غرب سورية، ونجاحها في السيطرة على مدينة منبج، واخراج قوات “الدولة الاسلامية” منها بعد معارك طاحنة، ومخاوف تركيا من ربطها، اي منبج، بمدينة عفرين، واقامة منطقة حكم ذاتي كردي على حدودها على غرار كردستان العراق ومقدمة لاخرى مماثلة في ديار بكر شرق تركيا.
***

 
قبل الانقلاب التركي الفاشل، حدد بن علي يلدريم رئيس وزراء تركيا الجديد سياسية بلاده في سورية حاليا، وقال انها تحظى بمراجعة شاملة عمادها منع القوات الكردية من اقامة دولة صغيرة Mini State، في الشمال السوري، واكد ان هناك شرطين اساسيين للحل في سورية من المنظور التركي:

    الاول: الحفاظ على وحدة الاراضي السورية.
    الثاني: اقامة نظام حكومي تتمثل فيه كل الاديان والعرقيات والمذاهب، ولم يتطرق مطلقا لبقاء الاسد او رحيله.

تحقيق الشرط الاول يتمثل في رفض تركيا لمشروع “الفدرلة” الامريكي لسورية، واقامة ثلاثة اقاليم واحد في الشرق، والثاني في الغرب، والثالث في الشمال للاكراد، وتعارض تركيا هذا التقسيم كليا لانه سيكون مقدمة لتقسيمها، اما بالنسبة الى الشرط الثاني فيمكن ان يتحقق من خلال تشكيل حكومة سورية موسعة تقسم اليمين اما الرئيس السوري، وتتمثل فيها كل الاعراق والاديان، وتكون مقدمة لاصلاحات سياسية واقتصادية شاملة، وتؤيد دول المثلت الروسي التركي الايراني هذه الصيغة.
الاكراد واكراد سورية على وجه الخصوص،  كانوا العامل الرئيسي للتقارب الايراني التركي، والتغيير الجذري في سياسة تركيا تجاه الازمة السورية، وقد يكونون الضحية الاكبر للتفاهم الروسي التركي، والتركي الايراني، من خلال اتفاق الاطراف الثلاثة على منع قيام دولتهم التي بات قيامها قاب قوسين او ادنى.
اعلان البنتاغون اليوم عن ارسال مقاتلات لحماية القوات الكردية العاملة مع مستشارين امريكيين من غارات لطائرات سورية استهدفتهم امس (الخميس) قرب مدينة الحسكة، شمال شرق سورية، تطور خطير قد يأتي ردا على التفاهمات التركية الايرانية الروسية ضد الاكراد، وللحل في سورية ايضا.

 
***
الامر المؤكد ان الحلف الروسي الايراني التركي يترسخ، وان تركيا بعد الانقلاب هي تركيا مختلفة، وتقاربها مع ايران بهذه السرعة، ومراجعتها الجذرية لسياساتها في سورية، يعني خروجها من الحلف السعودي القطري الامريكي الذي كانت عماده منذ بداية الازمة السورية قبل خمس سنوات.
التسوية للازمة السورية وفق الشروط والتفاهمات الايرانية التركية، وبمباركة روسية، باتت اقرب من اي وقت مضى، اللهم الا اذا حاولت الولايات المتحدة عرقلتها، وهذا احتمال ليس قويا لما يمكن ان تترتب عليه من تبعات ابرزها الصدام الروسي الامريكي سياسيا، ربما عسكريا ايضا، لان هذا الحل سيكون على حساب الاكراد حلفاء واشنطن، ودولتهم التي وعدتهم بها امريكا والغرب.
حديث كورتولموش بانه حان الوقت لانتهاء “الحرب بالوكالة” في سورية، يعني وقف دعم المعارضة السورية المسلحة، واغلاق الحدود التركية في وجه اي دعم عسكري ومالي لها، وقد يكون مقدمة لتصفيتها بعد تجميعها في شرق حلب وجنوبها، تماما مثلما جرت تصفية قوات “الدولة الاسلامية” في منبج.
المشهد السوري على ابواب تطورات مفاجئة، قد يكون من بينها الاقتراب من الحل السياسي اكثر من اي وقت مضى، والله اعلم.

 

 


 الحيات
حسن نافعة
لقاء القيصر والسلطان: مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟
النسخة: الورقية - دولي الأربعاء، ١٧ أغسطس/ آب ٢٠١٦ (٠١:٠ - بتوقيت غرينتش)
ربما لم يكن بوسع كل من فلاديمير بوتين، قيصر روسيا الجديد، ورجب طيب أردوغان، سلطان تركيا الجديد، اللذين التقيا أخيراً في مدينة سان بطرسبرغ، إحداث تغيير جوهري في طبيعة العلاقة بين بلديهما، والتي تتسم بتنافس حاد على الصعيد الجيواستراتيجي وتغلب فيها أنماط الصراع على أنماط التعاون، لكنهما كانا يدركان تمام الإدراك أن بوسعهما استثمار أحداث غير متوقعة لإعادة توجيه مسار هذه العلاقة بما يخدم المصالح الاستراتيجية لكلا البلدين، مثلما حدث من قبل في ظروف تاريخية مختلفة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد ساعد اندلاع الثورة البلشفية في روسيا القيصرية إبان الحرب العالمية الأولى على خلق ظروف موضوعية مكَّنت كمال أتاتورك من إعادة بناء تركيا الحديثة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنهارة. كانت روسيا القيصرية طرفاً فاعلاً في التحركات الدولية الدائرة خلال الحرب العالمية الأولى لتقسيم إرث الإمبراطورية العثمانية بين الدول المتحالفة ضد ألمانيا وتركيا، وشارك سيرغي سازنوف، وزير خارجية روسيا في ذلك الوقت، بهِمة واضحة في المفاوضات التي جرت مع فرنسا وبريطانيا عام 1916 وأفضت إلى إبرام ما أصبح يعرف تاريخياً باسم «اتفاقية سايكس– بيكو». ولولا خروج روسيا المبكر من الحرب، عقب اندلاع الثورة البلشفية، لحملت هذه الاتفاقية اسم «سايكس- بيكو- سازنوف»، ولكانت روسيا تمكنت بموجب هذه الاتفاقية من السيطرة على إسطنبول والتحكم في منطقة المضائق الواصلة بين البحرين المتوسط والأسود. لذا يمكن القول إن اندلاع الثورة البلشفية كان هو الحدث الداخلي غير المتوقع الذي حال دون تمكين روسيا من الحصول على نصيبها من تركة الإمبراطورية العثمانية المنهارة، بل وساعد على خلق ظروف موضوعية سمحت لاحقاً لكل من كمال أتاتورك، القومي التركي، وفلاديمير لينين، الماركسي الروسي، من نسج علاقة خاصة بين البلدين مكَّنت الأول من بناء دولة حديثة في تركيا وساعدت الثاني على تحصين التجربة الاشتراكية الوليدة في الاتحاد السوفياتي وحمايتها في مواجهة الدسائس والمؤامرات الخارجية. وقد صمدت هذه العلاقة طوال فترة ما بين الحربين إلى أن عصفت بها التغييرات الهائلة التي طرأت على موازين القوى العالمية عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وهي التغييرات التي دفعت بتركيا للارتماء في أحضان المعسكر الغربي والانخراط في حلف «الناتو» المعادي للاتحاد السوفياتي اعتباراً من عام 1952.
وربما يصعب إيجاد أوجه للمقارنة بين الانقلاب العسكري الفاشل الذي وقع في تركيا يوم 15 تموز (يوليو) الماضي وبين الثورة البلشفية التي اندلعت في روسيا القيصرية عام 1917، ومع ذلك فإن المتأمل لتأثير هذين الحدثين الداخليين والمفاجئين على مسار العلاقة بين روسيا وتركيا ربما يجد بعض أوجه الشبه بينهما من هذه الزاوية. فلولا وقوع الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا أخيراً لما تهيأت ظروف موضوعية لإنجاز اللقاء الذي جرى في بطرسبرغ منذ أيام بين بوتين وأردوغان، وهو اللقاء الذي فتح آفاقاً جديدة لتطوير العلاقة بين البلدين لم تكن متاحة من قبل. ولأن هذه العلاقة كانت وصلت إلى درجة عالية من التوتر وراحت تنزلق بسرعة نحو حافة صدام مسلح بين البلدين، عقب إقدام تركيا على إسقاط طائرة عسكرية روسية على حدودها مع سورية في العام الماضي، يرى البعض في اندفاع أردوغان نحو روسيا مجرد مناورة تكتيكية تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة لحملها على تسليم فتح الله غولن، المتهم الرئيسي بتدبير الانقلاب العسكري. غير أنني لا أتفق مع هذا الطرح، وأعتقد أن وقوع الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا يشكل نقطة فارقة في تاريخ تركيا، وبالتالي لها ما بعدها، وذلك لسببين رئيسيين:
الأول يتعلق بدلالة الفشل الذي أصاب هذا الانقلاب بالذات. ولأن جميع الانقلابات العسكرية التركية السابقة، العنيفة منها والأقل عنفاً، نجحت وحققت أهدافها في السيطرة على مؤسسات الدولة، فمن الطبيعي أن يعد الفشل الأول في تاريخ الانقلابات العسكرية حدثاً تاريخياً يمكن أن يكون دليلاً بذاته على أن تركيا تغيَّرت وأن تركيا اليوم ليست تركيا الأمس، وتلك مسألة سيكون لها ما بعدها داخلياً وخارجياً.
والثاني يتعلق بدلالة التوقيت، فالانقلاب الفاشل وقع في لحظة بدت فيها تركيا في مفترق طرق. فنظام أردوغان، الذي كان تمكن من تحقيق درجة عالية من الاستقرار السياسي المصحوب بقفزة تنموية هائلة على الصعيد الداخلي، وتمتَّع بسياسة فاعلة ونشطة على الصعيد الخارجي («صفر مشاكل» مع الجيران)، بدا خلال الشهور التي سبقت الانقلاب وكأنه استنفد طاقته وبدأ يدخل في مرحلة احتضار بطيء. فمعدلات التنمية تتراجع، ومظاهر العنف وعدم الاستقرار تتزايد، ونطاق الحريات يضيق، وانتهاكات حقوق الإنسان تتسع، وسياسة «صفر مشاكل» تختفي لتحل محلها سياسة «مشاكل مع الجميع»! ولو نجح الانقلاب في ظروف كهذه لسهل عليه إعادة تركيا إلى الوراء، ولتحكمت المؤسسة العسكرية في نظامه السياسي من جديد. أما وأن الانقلاب قد فشل، فمن الطبيعي أن يؤدي فشله إلى فتح الطريق أمام تأسيس تركيا جديدة ديموقراطية ومستقرة، شرط أن يتمكن أردوغان من انتهاز الفرصة السانحة أمامه حالياً ومن كبح جماح نزعته الإمبراطورية. وللإنصاف، فإن أردوغان كان بدأ المأزق الذي أوصلته إليه سياساته المدفوعة بطموحات إمبراطورية، حتى قبل وقوع الانقلاب العسكري، بدليل قيامه بالاعتذار لروسيا عن حادث إسقاط الطائرة، وإبرامه اتفاقاً مع إسرائيل لتصفية آثار حادث السفينة «مرمرة». غير أن وقوع الانقلاب العسكري من ناحية، ونجاح المجتمع المدني التركي في التصدي له وإفشاله من ناحية أخرى، فتح آفاقاً جديدة أمام أردوغان لإعادة ترتيب البيت التركي من الداخل ولإعادة صياغة سياسة تركيا الخارجية في الوقت ذاته. وفي ما يتعلق بإعادة ترتيب البيت التركي، يلاحظ أن أردوغان لم يكتف بالعمل على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وضبط علاقتها بالمؤسسات المدنية بما يحول دون تمكينها من التدخل في الشأن السياسي من جديد، وإنما بدأ يعمل بهمة في الوقت ذاته لاستئصال فصائل المعارضة الإسلامية التي قد تشكل بديلاً محتملاً لحزبه عند الضرورة، ومن هنا إصراره على اتهام غولن بتدبير الانقلاب وشن حمله واسعة لتطهير مؤسسات الدولة من أنصاره.
أما في ما يتعلق بإعادة صياغة سياسة تركيا الخارجية، فيلاحظ أن أردوغان لم يكتف بتوجيه اللوم للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتقاعسهما في التنديد بالانقلاب، أو حتى بالتلميح لاحتمال ضلوع بعض القوى الغربية في مساعدة الانقلابيين، لكنه حرص في الوقت ذاته على توجيه الشكر لبوتين، أول المنددين بالانقلاب والداعمين للجهود الرامية لإفشاله. لذا يتوقع أن تبتعد تركيا أكثر عن القوى الغربية، لكنها لن تقطع معها شعرة معاوية، وأن تقترب أكثر من روسيا، لكنها لن تتخذ منها حليفاً بديلاً. وأظن أن كلاً من أردوغان وبوتين يدرك بوضوح أن الدولتين في حاجة ماسة إحداهما إلى الأخرى في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، وأن آفاق التعاون بينهما في المرحلة الراهنة تبدو مفتوحة بلا حدود.
عودة العلاقات الاقتصادية بين تركيا وروسيا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل حادث إسقاط الطائرة العسكرية الروسية مسألة مطلوبة ومرغوبة من جانب الطرفين، وبالتالي لن تثير أي تعقيدات، لذا من المتوقع أن تبدأ روسيا على الفور رفعاً تدريجياً للقيود التي كانت قد فرضتها على الصادرات التركية، وأن تتخذ الإجراءات اللازمة لاستئناف تشييد خط نقل الغاز «توركستريم»، وتنفيذ مشروع محطة «أكويو» الذرية في تركيا، وتبادل الأفواج السياحية بين البلدين... إلخ، وليس من المستبعد أن يتمكن البلدان من الوصول بحجم التبادل التجاري بينهما إلى الرقم المستهدف، وهو مئة بليون دولار خلال سنوات قليلة. غير أن الجديد في معطيات العلاقة بين تركيا وروسيا في مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل يكمن في انفتاح أفق التعاون الاستراتيجي بين البلدين على مصراعيها. ولأن المسألة الأوكرانية تعتبر أُمَّ المسائل من منظور الأمن القومي الروسي، كما أن المسألة الكردية تعتبر أمَّ المسائل من منظور الأمن القومي التركي، فإن أي تصور لبناء علاقة استراتيجية بين البلدين لا بد أن يرتكز على ما يمكن كل طرف أن يقدمه لمساعدة الطرف الآخر على مواجهة ما يعتبره مصادر رئيسية لتهديد أمنه الوطني. وفي ما بين المسألة الأوكرانية التي تشكل خطاً روسياً أحمر، والمسألة الكردية التي تشكل خطاً تركياً أحمر، توجد مساحة شاسعة تتسع لأزمات ومسائل أخرى تهم البلدين، في مقدمها الأزمة السورية وسبل مكافحة الإرهاب، ويمكن كلا البلدين أن يساهم في إيجاد حلول لها عبر الصفقات والتنازلات المتبادلة.
إن التفاعلات الإقليمية والدولية التي أثارها الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا تؤكد مرة أخرى أن منطقة الشرق الأوسط لا تزال تشكل بؤرة الصراعات العالمية، وأن العالم العربي هو رجل المنطقة المريض الذي يشرف على الموت، والذي تتصارع تركيا وإيران وإسرائيل لوراثة تركته، فهل بقي في هذا العالم العربي رجل رشيد لديه الشجاعة ليتقدم محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
 * كاتب مصري

 

 


 السفير
سوريا والعالم ولعنة التكفير بين «الطليعة المقاتلة» و«الإخوان المسلمين»
عبد الله سليمان علي 10-08-2016 01:55 AM
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-10 على الصفحة رقم 5 – عربي ودولي
«الطليعة المقاتلة» ليست مجرد طيفٍ دموي يُؤرق جماعة «الإخوان المسلمين» العاجزة عن تقمّصه او التبرّؤ منه، بل هي الجذر الثاني بعد جماعة الجهاد المصرية اللذين تفرّعت عنهما معظم الحركات الإسلامية المتشددة التي أخذت تنتشر كالفطر في ظلال الأزمات العاصفة التي تمر بها المنطقة.
ولم يكن الترابط بين الحاضر الكالح بدمويته وبين الماضي القريب الذي شهد أحداث الثمانينيات بحاجة الى دليل، فالتاريخ يعيد نفسه، وإن كان يعود بكل هذا الجنون الخارج عن أي سيطرة غير متوقعة. لكن الاقدار شاءت ان تتجسد في معركة حلب الأخيرة تجليات شديدة الوضوح تؤكد الترابط بين الحاضر والماضي، وتمنح انطباعاً راسخاً بأن ما يحدث اليوم ليس سوى الموجة الثانية من عاصفة التكفير التي هبّت على البلاد قبل 40 عاماً.
استنزاف العقول والأدمغة، والعنصرية الطائفية، واستهداف الجيش، هي وسائل مشتركة تُدمن الحركات «الجهادية» على استخدامها في سبيل تحقيق حلمها الأزلي بإعادة الخلافة كنظام حكمٍ تكون لها فيه الغلبة والنفوذ واحتكار القوة والتمثيل.
في العام 1979، كان الجيش برغم بدء عمليات الاغتيال التي استهدفت كبار العقول العلمية والفكرية في سوريا، قابعاً في ثكناته ومعسكرات تدريبه، عندما طعنته في الظهر سكين ابناء جلدته وأراقت دماء 300 طالب ضابط وصفّ ضابط، لا ذنب لهم الا ان انتماءهم الديني والمذهبي كان يعد كفراً لدى الفاعلين، في أبشع عملية غدر يمكن تصورها، وهي مجزرة مدرسة المدفعية الشهيرة التي قادت البلاد آنذاك للانزلاق في آتون احداث امنية وعسكرية استمرت أكثر من عشر سنوات.
وتبرز مدرسة المدفعية كمعْلَم أساسي لا غنى عنه لفهم العديد من الملابسات التي تلفُّ الحرب السورية، إلى جانب معالم أخرى أبرزها سجن صيدنايا. ففي مدرسة المدفعية، انغرست بذرتان، الأولى بذرة التكفير التي غرسها النقيب ابراهيم اليوسف عندما قاد المجزرة ضد من يفترض أنهم متدربين لديه، والثانية بذرة الإخاء والتعايش التي سقاها بدمائه كل من محسن عامر ومحمد عدوية اللذان آثرا الشهادة مع زملائهم رافضين النجاة على قاعدة الفرز الطائفي. واليوم يعود الفضل لآلاف الضباط والجنود ممن رفضوا نحر الوطن بسكين الطائفية وأبوا إلا الوقوف جنباً إلى جنب مع رفاق السلاح من الطوائف كافة لمواجهة موجة التكفير الثانية والأشد عنفاً.
نشأ تنظيم «الطليعة المقاتلة» أواخر ستينيات القرن الماضي على يد مروان حديد أحد متزعمي جماعة «الاخوان المسلمين»، وكانت مدينةُ حماة مسقطَ رأس التنظيم الذي امتد إلى مناطق أخرى، أهمها أحياء صلاح الدين والسكري وسيف الدولة في حلب، وجسر الشغور وتفتناز في إدلب. كانت هذه المناطق هي المعاقل الأولى لأول جماعة تكفيرية تظهر فوق الأراضي السورية، ويبدو أن لعنة هذه الجماعة لاحقت هذه المناطق التي لم تستطع تطهير نفسها منها، لتعود بعد 40 عاماً وتكون معقلاً لجماعات عديدة تحمل الفكر الدموي والعقيدة القاتلة ذاتهما. وقد شهدت هذه الأحياء في بداية الأحداث السورية محاولة إحياء تراث «الطليعة» عبر استرجاع أناشيدها وخطبها وإذاعتها في الشوارع والمساجد، كما أن أحد الفصائل المسلحة المنتمي إلى «جيش الاسلام» في حلب لا يزال يحمل اسم «الطليعة المقاتلة».
وقد بقيت العلاقة بين «الطليعة المقاتلة» وبين «الاخوان المسلمين» ملتبسة وغير واضحة. وكانت جماعة «الإخوان» على ما يبدو تتعمد ترك هذا الالتباس لاحتمال الاستفادة منه بحسب التطورات، وهو ما بدا جلياً في مواقف الجماعة المتباينة من مجزرة المدفعية، إذ أنكرت بدايةً في مجلة المجتمع مسؤوليتها عنها وحاولت التنصل من تبعاتها، لكنها عادت وتبنت المسؤولية عنها في نشرة «النذير»، لتستقر بعد ذلك على التبرؤ منها مع تبجيل مرتكبها، كما فعل مؤخراً زهير سالم، المتحدث السابق باسم «الاخوان المسلمين»، عندما كتب على صفحته في موقع «فايسبوك» أن مجزرة المدفعية «خطيئة كبرى بأكثر من معيار شرعي وإنساني ووطني، وكانت تبعاتها على سوريا وشعبها خطيرة جداً»، لكنه وصف مرتكب المجزرة بـ «الشهيد البطل» مترحماً عليه، في تناقض سافر.
واليوم، بعد خمس سنوات من الحروب والمعارك، لا تزال جماعة «الاخوان» تتعمد ترك الالتباس ليكون السمة العامة في علاقاتها مع الفصائل المسلحة، في محاولة منها للاستعداد لقطف الثمار السياسية التي يمكن أن تنجم عن ملحمة الجرائم الحاصلة فوق الأراضي السورية. ولم يكن مستغرباً ان يظهر أنس العبدة «الإخواني» رئيس «الائتلاف السوري» المعارض ليتحدث باسم «جيش الفتح» الذي أطلق على معركة حلب اسم مرتكب مجزرة المدفعية «ابراهيم اليوسف»، ويعلن استمرار المعركة، علماً أن «جيش الفتح» أصدر بياناً استأثر فيه بنتائج المعركة، ورفض حتى مشاركتها مع الفصائل المسلحة المنضوية في غرف عمليات أخرى، لكنها سمة الوصولية لدى «الاخوان» تفرض نفسها في كل زمان.
وبالرغم من الانتقادات والاتهامات المتبادلة بين «الطليعة المقاتلة» و «الاخوان المسلمين»، إلا أن الأولى كانت دليلاً على وجود جسر حيوي يسمح بحرية الحركة بين فرعي الحركة الاسلامية واثنين من أبرز تياراتها في ذلك الوقت، فكان من الصعب في بعض المنعطفات التمييز بين قيادات «الاخوان» من قيادات «الطليعة» التي اعتنقت «الجهاد المسلح» كعقيدة لها وحاولت التمسك برداء «الاخوان» كهيكل تنظيمي. وتمثل «حركة نور الدين الزنكي» نتاجاً لهذا التزاوج الهجين، فهي مقربة من جماعة «الاخوان»، لكنها تمارس طقوس الذبح ذاته التي يمارسها تنظيم «داعش»، ومما له دلالته أن ياسر اليوسف، نجل ابراهيم اليوسف مرتكب مجزرة المدفعية، هو قيادي في حركة «الزنكي»، وما زال يتمثل بمبادئ والده ويدافع عن عنصريتها وطائفيتها.
في ذلك الحين، لم يكن مصطلح «السلفية الجهادية» قد انتشر بعد، لكن مما لا شك فيه أن «الطليعة المقاتلة» عبر مؤلفات قادتها ورسائلهم وعبر ممارساتها وسلوكياتها وضعت اللبنات الأولى لظهوره وانتشاره بالتزامن مع تصاعد حركة «الجهاد» في مصر.
وبالفعل، فإن العديد من قادة «الطليعة المقاتلة» سرعان ما وجدوا أنفسهم ينجذبون باتجاه أفغانستان، حيث شهد العالم بفعل تدخلات إقليمية ودولية وأدوار استخبارية غير خافية على أحد، ولادة تنظيم «القاعدة» باعتباره التجسيد الأعلى للحركات «الجهادية» التي كانت عقيدتها «السلفية الجهادية» قد بدأت تتبلور أكثر فأكثر.
ومن أبرز هؤلاء أبو بصير الطرطوسي الذي يعد من أشهر منظري «الجهاد» في العالم، والذي عاد إلى سوريا بعد اشهر من اندلاع الأحداث فيها متبنياً نهج حركة «أحرار الشام»، وذلك بعد 30 عاماً من الفرار نتيجة دوره القيادي في «الطليعة المقاتلة»، وأبو فراس السوري الذي قتل بغارة أميركية مؤخراً، وكان كذلك من قادة «الطليعة» وذهب إلى أفغانستان ثم إلى اليمن، قبل أن يعود إلى سوريا ويصبح المتحدث الرسمي باسم «جبهة النصرة» وعضو مجلس الشورى فيها. وكذلك القائد العسكري العام السابق في «جبهة النصرة» أبو همام الشامي كان من قيادات «الطليعة» وذهب إلى أفغانستان ولبنان والعراق قبل أن يعود إلى سوريا لتقتله غارة جوية أيضاً. ويبقى أبرز هذه الأسماء هو أبو مصعب السوري الذي يعد منظّر «الجهاد» المفضل عند «أحرار الشام» و «جبهة النصرة»، والذي تحظى كتاباته ونصائحه المكتوبة أو الصوتية بانتشار واسع في أوساط الفصيلين. وقد كان أبو مصعب أحد أبرز قادة «الطليعة المقاتلة» وسافر إلى أفغانستان واتهم بعلاقته بتفجيرات مدريد قبل أن يلقى القبض عليه، ويبقى مصيره مجهولاً.
وبالتالي فإن هذا السيل «الجهادي» الجارف الذي تئنّ المنطقة والعالم تحت وقع تدفقاته، استطاع أن يبتعد عن منبعه الأساسي الذي هو صخرة «الاخوان المسلمين»، لكنه ما زال مرتبطاً معها بروابط فكرية ومنهجية عدة، بل يكاد هذا السيل اليوم أن يتحد مع مجرى «الاخوان» في ظل عدم إمكانية التمييز بينهما، خاصة أن كل الأطراف باتت تحمل السلاح وتنتهج نهج «الجهاد»، وقد انتفت جميع الفوارق الشكلية السابقة، بعدما أعلنت «أحرار الشام» تحولــها من مشروع أمة إلى ثورة شعب، وأعلنــت «جبــهة النصرة» تغيير اسمها إلى «جبهة فتح الشام» في إشارة إلى أن مشروعهما مقتصر على سوريا وليس له صبغة عالمية، وهل مشروع «الاخوان» إلا هذا؟.

 

 


ما هي “كلمة السر” التي فتحت ابواب الامبراطورية الروسية لاردوغان على مصراعيها؟ وما هو انعكاس “لقائه المغلق” مع “صديقه” بوتين في سانت بطرسبرغ على الازمة السورية؟ ومن هم الرابحون او الخاسرون من هذا الاختراق؟
عندما يعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمره الصحافي المشترك الذي عقده امس في ختام مباحثاتهما في مدينة سانت بطرسبرغ ان “اهداف روسيا وتركيا في سورية متطابقة”، ويرد عليه ضيفه التركي رجب طيب اردوغان سنفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين وستسهم بقسط كبير في حل العديد من قضايا المنطقة” في اشارة الى سورية، فإن هذا يعني ان المصالحة بين البلدين اكتملت تقريبا او كادت، وان تغييرا كبيرا، وربما جذريا سيطرأ على العلاقات الامريكية التركية في الاسابيع والاشهر المقبلة.
“كلمتا سر” اديتا الى هذا الاختراق الكبير، الاولى “فتح الله غولن” وانقلابه العسكري، والثانية الاعتذار التركي الواضح والصريح الذي قدمه الرئيس اردوغان الى نظيره الروسي في رسالة حملها مبعوث تركي الى موسكو بعد نجاح وساطة قام بها رجل الاعمال، والوزير التركي السابق جاويد جاغلار، والرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزار باييف، ورتبا لقاءات سرية بين الجانبين الروسي والتركي في طشقند.
***
بعد هذا “الاعتذار” المكتوب وباللغة الروسية (ايزفينيتي)، بدلا من الكلمتين  Sorry او apologize باللغة الانكليزية، حدث التحول السياسي والعاطفي الاكبر، وفي الوقت المناسب جدا، وتعززعندما كان الرئيس بوتين من اوائل المتصلين بنظيره التركي هاتفيا مطمئنا عليه ومهنئا بفشل الانقلاب العسكري، وسط انباء عن قيام مخابرات الروس بتقديم معلومات مسبقة للرئيس التركي عن تفاصيل الانقلاب العسكري عبر قاعدته الجوية المتقدمة في طرطوس.
الرئيس اردوغان وصف هذا الاتصال بأنه “اسره مثلما اسر المسؤولين والشعب التركي ايضا”، وكرر اكثر من مرة مخاطبه الرئيس “فلاديمير” بالصديق، ووجه لوما كبيرا للقادة الامريكان والاوروبيين، بل والحلفاء العرب، لانهم لم يقدموا على مبادرة مماثلة.
الاتراك عاطفيون مثل العرب، ولكنهم على عكسهم، يعرفون كيف يوظفون هذه العاطفة، على شكل دبلوماسية براغماتية فاعلة تضع مصالح بلادهم فوق كل اعتبار، فالعناد ممكن ان يُكسر، والغرور يمكن ان يتواضع، وكل هذا وغيره يحدث في اللحظة المناسبة.
انقلاب فتح الله غولن، وبغض النظر عما اذا كان حقيقيا او غير حقيقي، او كان الداعية المقيم في امريكا خلفه ام لا، جاء في الوقت الملائم لحدوث الانقلاب الكبير في موقف الرئيس اردوغان وفرصه لتغيير سياساته في ملفات عديدة، ابرزها علاقاته مع اوروبا وامريكا، والازمة السورية خاصة، والانفتاح كليا، ودون قيود نحو “الجار” الروسي.
هناك ثلاث ازمات رئيسية تواجه الرئيس اردوغان وحكمه في الوقت الراهن، الاولى ترتيب البيت الداخلي التركي بجوانبه الامنية والعسكرية، وبدأت عملية تطهير جذرية في الجيش والمؤسسة الامنية، وبما يعزز سيطرة الحزب الكامل وقبضته الحديدية على الدولة، والثانية اقتصادية نتيجة تدهور العلاقات التجارية مع روسيا واوروبا، والثالثة ملف الارهاب وتفجيراته في العمق التركي سواء من قبل “الدولة الاسلامية”، او المتمردين الاكراد، ودورة في زعزعة امن البلاد واستقرارها، وانعكاس كل هذا على اقتصاد البلاد ونموها.
الرئيس بوتين تعهد في المؤتمر الصحافي المشترك “ان تركيا وروسيا ستعاودان استهداف الوصول بحجم التجارة الثنائية الى 100 مليار دولار سنويا”، والمضي قدما في “مشروع بناء خط انابيب نقل الغاز (السيل التركي) او “تورك ستريم” الواصل من روسيا الى تركيا، ومن الاخيرة الى اوروبا”، وهذا يعني الاسهام بشكل كبير في حل او تخفيف حدة الازمة الاقتصادية التركية، وكذلك على صعيد ملف الارهاب، فالتقارب مع روسيا سيساعد بشكل كبير في هذا الصدد اذا وضعنا في عين الاعتبار العلاقات الروسية العميقة جدا مع حزب العمال الكردستاتي، وحلفائه في سورية.
من الصعب علينا التكهن بما توصل اليه الرجلان، اي بوتين واردوغان، من اتفاقات وتفاهمات حول كيفية حل الازمة السورية، فلم نكن، ولا غيرنا، في الاجتماع المغلق الذي استغرق ساعتين بين الرئيسين على انفراد، قبل ان ينضم اليهما اعضاء الوفدين الرسميين، ولكن ما يمكن استنتاجه، ومن خلال قراءة ما بين سطور ما ورد في المؤتمر الصحافي المشترك، خاصة ما قاله بوتين، ونحن ننقل هنا حرفيا: “اكد الرئيسيان عزمهما التوصل الى تفاهم مشترك للتسوية في سورية”، واضاف “اننا ننطلق من استحالة التوصل الى تحولات ديمقراطية الا بالوسائل الديمقراطية”، اي لا مكان للخيار العسكري، واشار الى ان “هناك خطط لعقد لقاء منفصل بمشاركة وزيري خارجية البلدين وممثلي الاستخبارات لبحث التسوية في سورية”.
***
كان لافتا بالنسبة الينا على الاقل، عدة امور، اولها ان الحكومة السورية لم توجه اي اتهام لتركيا بالوقوف خلف الهجوم الكبير لقوات فصائل المعارضة السورية المسلحة لكسر الحصار على شرق حلب، رغم ان اطنان الاسلحة الحديثة القادمة من السعودية وقطر مرت عبر الاراضي التركية، وربما يكون هذا الصمت بإيعاز من موسكو، ووجود حالة من “الفتور” في تغطية القنوات السعودية، و”العربية” خاصة لزيارة الرئيس اردوغان لروسيا.
شخصيا لو كنت في مكان المعارضة السورية، وبالذات وفد الرياض، والائتلاف الوطني السوري لشعرت بالقلق، رغم التصريحات التي نسبت الى السيد انس العبدة، رئيس الائتلاف وقال فيها انه تلقى ضمانات من الحلفاء الاتراك بأن موقفهم تجاههم، والازمة السورية، لن يتغير بفعل التقارب التركي الروسي.
زيارة الرئيس اردوغان لموسكو ستخلط كل الاوراق خاصة في الازمة السورية، وقد تنقل امريكا وحلف الناتو من خانة اصدقاء تركيا الى معسكر الاعداء، او غير الاصدقاء على الاقل، وقد تفتح قنوات حوار بين انقرة ودمشق بوساطة روسية.. والايام بيننا.

 

 


وزير إسرائيليّ سابق التقى الجنرال عشقي بتل أبيب: سنُسافر للسعودية قريبًا والتسوية بيننا وبين الرياض باتت قريبةً
خلال زيارة الجنرال السعوديّ في الاحتياط، أنور عشقي، مع وفدٍ سعوديٍّ إلى إسرائيل، صرحّ النائب عيساوي فريج، وهو من حزب (ميريتس)، المحسوب على ما يُسّمى باليسار الصهيونيّ، صرحّ في مقابلةٍ مع الإذاعة الإسرائيليّة الرسميّة باللغة العبريّة بأنّ التحضيرات لترتيب وفدٍ لردّ الزيارة إلى السعوديّة تجري على قدمٍ وساقٍ في إسرائيل، لافتًا إلى أنّ الوفد سيضم نواب كنيست من الـ”يسار” الإسرائيليّ وشخصيات أخرى. وقال فريج إنّ الوفد السعودي الذي التقى قبل أكثر من أسبوعين نوابًا من المعارضة الإسرائيليّة أعرب عن رغبته في توطيد العلاقات مع إسرائيل، على حدّ تعبيره.
ويبدو أنّ تصريح النائب فريج لم يأتِ من فراغ، ففي السياق عينه، نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست”، الإسرائيليّة، عن الوزير الإسرائيلي السابق في الشؤون الاجتماعية ميخائيل ملكيئور، والذي شغل أيضًا منصب نائب وزير الخارجيّة، نقلت عنه قوله إنّه سيمكن للإسرائيليين السفر إلى المملكة العربية السعوديّة، قريبًا إن شاء الله، وفق تعبيره. وبحسب ما ذكرته الصحيفة في تقريرها، فإنّ ملكيئور استخدم عبارة “إن شاء الله” وتحدثها بالعربيّة، معللاً ذلك بأنّها مرادفة بالنسبة لهم في العبرية ما معناه عربيًا “بإذن الله”.
وكانت تقارير أفادت بأنّ الوزير الإسرائيلي السابق التقى وفدًا سعوديًا برئاسة الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي، مؤخرًا، وكشف أنّ التسوية بين إسرائيل والمملكة العربيّة السعودية باتت قريبة، على حدّ تعبيره. ولفتت الصحيفة الإسرائيليّة إلى أنّ نائب وزير الخارجيّة الإسرائيليّ السابق ملكيئور قال في تصريح خلال مؤتمر صحافي مع وسائل إعلام بريطانية: سيأتي اليوم الذي يستطيع فيه الإسرائيليون السفر إلى السعودية، وسيكون قريبا (إن شاء الله)، وتحدثها بالعربية.
وتثير هذه التصريحات من المسؤول الإسرائيلي، تساؤلات عدة حول حقيقة قيام علاقات ذات طبيعة سرية وعلنية بين مسؤولين من الدولة العبريّة ومسؤولين من المملكة السعوديّة. ومن الجدير بالذكر أنّ الجنرال عشقي قام قبل أسبوعين ونيّف بزيارة مثيرة للجدل إلى تل أبيب، والتقى مدير عام وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة، د. دوري غولد والجنرال يوآف مردخاي، مُنسّق أعمال الحكومة الإسرائيليّة في المناطق الفلسطينيّة المُحتلّة.
وقال ملكيئور، وهو عضو الكنيست السابق مع حزب “إسرائيل واحدة”، الذي يُسّمى اليوم “المعسكر الصهيونيّ” والوزير السابق لشؤون الشتات، إنّ لقاءه مع السعوديين ركّز على القضايا الدينيّة المتعلقة بالدبلوماسيّة بين البلدين، بحسب تعبيره.
وحول الملف الفلسطينيّ، قال: شهد الاجتماع إدانة لينة جدًا لممارسات حركة حماس، وقالوا إنّه لم يكن الوقت المناسب لمثل هذا الاجتماع، لكن المجتمعين لم يدينوا الحركة حقًا، بحسب توصيفه. وأوضح المسؤول الإسرائيليّ أيضًا أنّ اللقاء ركّز على إيجاد وسيلة لتمهيد أرضية مناسبة لاتفاقات مباشرة بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، والالتفاف على القضية الفلسطينية، وفق قوله. ولفت ملكيئور إلى أنّ الوفد السعودي برئاسة أنور عشقي، التقى خلال زيارته الشهر الماضي إلى تل أبيب ورام الله، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وكبار المسؤولين الفلسطينيين في رام الله.
تجدر الإشارة إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيليّة رفضت التعقيب على لقاء عشقي بمدير عام وزارة الخارجية، دوري غولد، ومع الجنرال مردخاي. وفي حين أنّ الحكومة السعودية لا ترى من جهتها أنّ هذه الزيارة كانت رسميةً، بل كانت مبادرة خاصّة أبداها عشقي، تجدر الإشارة إلى أنّ عشقي لم يكن قادرًا على الوصول إلى إسرائيل من دون موافقة السلطات السعودية.
وبحسب موقع “المصدر” الإسرائيليّ فإنّ هناك من يدعي أنّ الحديث يدور عن خطوة بادر إليها محمد بن سلمان، ولي عهد ووزير الأمن السعودي، للتقرب من إسرائيل لنيل مساعدتها على إقناع أمريكا على دعمه ليكون ولي العهد بدلاً من محمد بن نايف. قبل نحو شهر فقط، سافر بن سلمان بنفسه إلى أمريكا.
وكان عشقي قد قال قبل بضعة أشهر في مقابلة مع فضائية “الجزيرة” إنّه إذا وافق نتنياهو على مبادرة السلام العربية وأعطى الفلسطينيين حقوقهم، ستفتح السعودية سفارة في تل أبيب وأضاف: نحن لا نحب أن تصبح إسرائيل معزولة في المنطقة، على حدّ تعبيره.

 

 


 إسرائيل تخسر جولة جديدة من نزاعها القضائي مع إيران
السفير/حلمي موسي/9 آگوست 2016
خسرت إسرائيل جولة أخرى من معاركها القضائية مع إيران بشأن شركة أنبوب النفط البديل بين إيلات وعسقلان. فقد قررت محكمة سويسرية رفض استئناف إسرائيلي على حكم صدر في السابق، وأمرت بتغريم إسرائيل تكاليف الدعوى. ومعروفٌ أن المعارك القضائية بين إيران وإسرائيل مستمرة منذ حوالي 37 عاماً جراء رفض إسرائيل دفع المستحقات الإيرانية من الشراكة في أنبوب النفط الذي كان شاه إيران المخلوع قد أقامها مع إسرائيل لتجاوز آثار إغلاق قناة السويس بعد العام 1967.
وكشفت صحيفة «هآرتس» النقاب عن أن شركة «ترانس أسياتيك أويل» التي تسيطر عليها إسرائيل خسرت الاستئناف الذي كانت قد رفعته على قرار التحكيم الذي صدر لمصلحة شركة النفط الوطنية الإيرانية. وقررت المحكمة العليا السويسرية في لوزان في 27 حزيران الماضي أن على «ترانس آسياتيك أويل» أن تدفع للإيرانيين 250 ألف فرنك سويسري من الأموال المودعة في صندوق المحكمة، وأيضاً حوالي 200 ألف فرنك للمحامين كتكاليف دعوى.
وأشارت مجلة «غلوبال أربيتريشن ريفيو» المتخصصة في شؤون الوساطات والتحكيم، التي نشرت نص قرار المحكمة السويسرية، إلى أنه لا يسري على شركة النفط الإيرانية نظام العقوبات المفروض على إيران، لأنه ليس هناك أي قيد قانوني على دفع الأموال لها. وتعتبر خسارة إسرائيل للاستئناف مرحلة أخيرة في المعركة القضائية المستمرة بين إسرائيل وإيران منذ 37 عاماً، والمتعلقة بأرباح الشراكة التي أنشئت في العام 1968 لنقل النفط وتسويقه.
وقد شكلت الشراكة التي أنشئت في عهد شاه إيران مشروعين: أولهما أنبوب النفط بين إيلات وعسقلان، والذي عمل كجسر برّي لضخ النفط الإيراني من البحر الأحمر على البحر المتوسط، والثاني هو شركة «ترانس أسياتيك أويل» التي تم تسجيلها في بنما، وأديرت من تل أبيب، واستخدمت أسطولاً من ناقلات النفط وقنوات التسويق لبيع النفط الإيراني لزبائن في أوروبا، وخصوصاً لنظام الديكتاتور الأسباني فرانكو.
وتوقفت الشراكة بين إيران وإسرائيل فور سقوط الشاه إثر نشوب الثورة الإسلامية عام 1979، عندما قطعت طهران علاقاتها مع إسرائيل. ورغم القطيعة السياسية، شرع الإيرانيون بثلاثة مسارات تحكيم ضد إسرائيل بهدف استرداد أموالهم، وخصوصاً أثمان شحنات نفط كانت ترسل لإسرائيل ولم يتم سدادها، إضافة إلى نصف الأرباح. وفي العام الماضي، كان تقدير التعويضات التي من حق إيران يصل إلى سبعة مليارات دولار. وقد كسب الإيرانيون حتى الاثنين، اثنتين من دعاوى التحكيم التي رفعوها ضد إسرائيل، وتركزت على استرداد أثمان النفط الذي تسلمته إسرائيل فعلاً. ولكن القضية الأساسية المرفوعة ضد إسرائيل بشأن التحكيم في خط أنبوب النفط لم تُحسم بعد.
وفي العام الماضي، كسبت شركة النفط الإيرانية قضية التحكيم التي طالت أكثر من سواها، والتي بدأت في العام 1989. وقد ألزم المحكمون شركة «ترانس آسياتيك أويل» بأن تدفع للإيرانيين مبلغ 1.2 مليار دولار مقابل 50 شحنة نفط تسلمتها إسرائيل قبيل الثورة الإيرانية، وأيضاً فائدة بقيمة 362 مليون دولار. وقد رفض المحكمون الدعوى المضادة التي قدمتها الشركة في العام 2004 والتي طالبت فيها بشطب الديون وتعويض إسرائيل على انتهاك التزامات بتزويدها بالنفط في فترة ما بعد الثورة.
ووفق الرواية الإسرائيلية، فإنه كان ينبغي للإيرانيين أن يزودوا إسرائيل بالنفط حتى العام 2017، وفقاً لعقد الشراكة الأصلي. غير أن المحكمين أخذوا فقط بجزء من الادعاء الإسرائيلي، وهو المتعلق بالتعويض عن شحنة نفط واردة في العقد ولم تصل إلى إسرائيل، ولذلك حسموا 99 مليون دولار من المبلغ الإجمالي الذي تقرر لإيران.
وتفرض إسرائيل سرية كاملة على كل الجوانب المتعلقة بالشراكة مع إيران. ولكن إسرائيل لا يمكنها أن تمنع نشر معطيات تصدر في الخارج، خصوصاً عن جهات قضائية. وعندما نشرت نتائج التحكيم في العام الماضي، رفضت إسرائيل التعقيب على الأمر أو السماح بنشر أي موقف. وهكذا، فإن قرار المحكمة السويسرية الجديد الذي رفض الاستئناف الإسرائيلي يؤكد ما نشر في العام الماضي. وقرار المحكمة السويسرية يسرد بالتفصيل تقلبات وتدحرج قضية التحكيم المستمرة من 37 عاماً.
في كل حال، فإن شركة «ترانس آسياتيك أويل» استأنفت ضد جانب واحد في قرار التحكيم مدعيةً أن قرار الأغلبية كان متناقضاً وأن التعويض المقرر لإسرائيل ليس مناسباً. وهكذا، فإن المحكمة السويسرية رفضت الاستئناف الإسرائيلي وليس للمرة الأولى وأمرت بدفع تعويض وتكاليف المحكمة. وحالياً تعمل شركة «ترانس آسياتيك أويل» ضمن شركة أنبوب إيلات ـ عسقلان ومقرها في تل أبيب. وبحسب قرار المحكمة، فإن الإيرانيين لا يزالون يسعون لنيل أرباحهم المستحقة من الشركة وأن تدفع ديوناً للشركة المسجلة في بنما. وقد عمدت إيران إلى رفع دعاويها على إسرائيل على قاعدة أن من الأفضل لها أن تنال حقوقها المالية من دولة وليس من شركة يمكن الادعاء بأنها شركة وهمية.

 

 


في ظل التحولات الدولية والفرص المُتاحة: نحو شراكة ألمانية ـ إيرانية؟
بشار اللقيس 08-08-2016 01:42 AM
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-08-08 على الصفحة رقم 15 – قضايا وآراء
تشكل الهيمنة، شأنها شأن المشروعية، ركناً مهماً في الصراع على التوازن العالمي. يؤدي الإخلال بإحداهما غالباً لانفلات توازن العنف واندلاع نزاعات غير معلومة المآل. كمثال، أحدث تحرير الصين الشعبية من الهيمنة اليابانية، نوعاً من الخلل في التوازن الدولي. لم يكن الاعتراف بالصين، بالنحو الذي هي عليه اليوم، ليمضي من دون ارتدادات في الشرق وفي الغرب. أواخر الأربعينيات من القرن الماضي عززت فرنسا من وجودها في جنوب غرب الصين من خلال تعزيز قواتها المنتشرة على الأراضي الفيتنامية. إلى الشمال الشرقي لم تكن القسمة بين الشرق والغرب واضحة كل الوضوح. دعم الاتحاد السوفياتي كوريا الشما